الرئيسية » عربي ودولي » في ضوء مناظرة الفيصل ويادلين: الجرح المتقيح في سوريا.. ورسم مصائر الشعوب العربية

في ضوء مناظرة الفيصل ويادلين: الجرح المتقيح في سوريا.. ورسم مصائر الشعوب العربية

الفيصل والى يساره يادلين اثناء المناظرة
الفيصل والى يساره يادلين اثناء المناظرة

محمد الغربللي:
قامت صحيفة «الخليج» بترجمة ونشر دراسة مميزة أعدَّها الأكاديميان الأميركيان أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو جون مير شايمر، وأستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفرد ستيفن والت، وكان ذلك في عام 2006.. تتناول الدراسة بصورة مكثفة وشاملة موضوع اللوبي الإسرائيلي في السياسة الأميركية.. وتعد دراسة جسورة في بحث هذا الموضوع الحساس، وقد أدَّت الضغوط التي مُورست على الجامعتين إلى سحب تبنيهما للدراسة، وإلغاء شعارهما، نوع من التنصل من جراء ضغوط من ذات اللوبي الإسرائيلي على كلتا الجامعتين.. وكما قلنا، هي دراسة شاملة ومكثفة جداً، وهذا يعني أن اختصارها قد يؤدي إلى وقوع الخلل في شموليتها، ولكن يمكن في الوقت ذاته إعطاء قدر من الإضاءات حول أهم الجوانب منها، وبالذات في ما يتعلق بالعالم العربي.. ومع أن الدراسة نشرت منذ بداية عام 2006، وهذا يعني أن هناك أحداثا مهمة جرت بعدها، إلا أننا يمكن الاستدلال بها في تفسير بعض الوقائع التي تحدث حاليا، حيث إن مسار وضغوط هذا اللوبي الإسرائيلي في السياسة الأميركية لم يتوقف إطلاقا، كما لم يغير نهجه مع توالي شخصيات الرئاسة الأميركية.. ويمكننا هنا استعراض أهم الجوانب في تلك الدراسة التي بدأها الأستاذان بالناحية المالية المقدمة من أميركا إلى إسرائيل، من جراء النفوذ القوي للوبي الإسرائيلي هناك وأهمها:

● المعونة السنوية الأميركية تقدم في بداية كل سنة لإسرائيل، فيما تقدم المعونات للدول الأخرى كل ربع سنة.
● 25 في المائة من المعونة المقدمة تصرفها إسرائيل من دون تقديم كشوف لمجال صرفها، وتصرفها بعيداً عن أي رقابة من جهات أميركية.
● تم تقديم 3 مليارات دولار لتطوير أنظمة تسليح إسرائيلية، مثل طائرات لافي، التي يوجد مثيل لها في الترسانة العسكرية الأميركية.
● تقديم معلومات استخبارية لإسرائيل، بما فيها معلومات تخص حلفاء لها في منظومة حلف الناتو.
● دعم دبلوماسي كامل لإسرائيل، واستخدمت الولايات المتحدة حق الفيتو في مجلس الأمن، لإيقاف قرارات المجلس، وصل عددها إلى 32 قراراً منذ عام 82 حتى تاريخ نشر الدراسة، وهذا العدد يفوق استخدام هذا الحق لبقية أعضاء مجلس الأمن الأربعة الباقين مجتمعين.
● رفض وضع ترسانة الأسلحة النووية الإسرائيلية على جدول أعمال الوكالة الدولية.
● تمَّت إعادة بناء ترسانة إسرائيل الحربية خلال حرب أكتوبر بمخصصات خاصة.
● إتاحة حرية التحرُّك كاملة في المناطق المحتلة في الضفة والقطاع لإسرائيل، من دون أي رقيب أو حسيب، بموجب المواثيق الدولية.
● مُنحت خلال حرب أكتوبر 2.2 مليار دولار على هيئة مساعدات عسكرية طارئة.
● فاعلية اللوبي الإسرائيلي وحرية تحركه في مجلس النواب والشيوخ والبيت الأبيض.
● تغلغل إسرائيل في معاهد الدراسات والبحوث، بما يخدم مصالحها، وبما يشبه السيطرة على العالم الأكاديمي من جامعات ومعاهد.
● تأجيج الأوضاع داخل الولايات المتحدة، للاعتداء على قوى إقليمية ترى أنها تشكل خطراً على إسرائيل، ومنها الحرب التي جرت على العراق عام 2003.

ضغوط اللوبي على سوريا

هذه أهم الإضاءات في التقرير الأكاديمي الذي تم إعداده عام 2006.. ومما يلفت النظر في هذا التقرير، ما جاء بشأن سوريا، ففي إحدى فقرات التقرير ذكر «وتحدث مستشار شارون لشؤون الأمن القومي أفرايم هليفي إلى جمهور احتشد في قاعدة المحاضرات في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، قائلا إنه من المهم الآن بالنسبة للولايات المتحدة أن تتعامل بحزم وخشونة مع سوريا، كما أوردت الواشنطن بوست أن إسرائيل كانت تغذي الحملة ضد سوريا، بتزويد أجهزة الاستخبارات الأميركية بتقارير عما يقوم به الرئيس بشار الأسد من أعمال».

وتوالت التصريحات في ما بعد تجاه سوريا، كما أتى في الدراسة، فهذا نائب وزير الدفاع الأميركي بول وولفويتر يصرح «بأنه يجب إحداث تغيير للنظام في سوريا»، وأيضا ريتشارد بيرل، أحد كبار مستشاري وزير الدفاع الأميركي ورئيس مجلس سياسات الدفاع التابع لوزارة الدفاع الأميركية، يصرح لأحد الصحافيين «يمكننا أن نبث رسالة قصيرة تتألف من كلمتين إلى الأنظمة المعادية الأخرى في الشرق الأوسط.. أنتم اللاحقون».

وتوالت تصريحات المسؤولين الرسميين ضد سوريا حول أهمية تغيير نظامها، وكان منبع تلك التصريحات اللوبي الإسرائيلي، وتوجهت على المستوى التنفيذي والسلطتين التشريعيتين في الولايات المتحدة، وقد أدَّت ضغوط اللوبي الإسرائيلي على المستويين الرسمي والاعلامي إلى قيام عضو الكونغرس اليوت أنغل بتقديم «قانون محاسبة سوريا في أبريل من عام 2003، والذي قضى بفرض عقوبات على سوريا، إن لم تنسحب من لبنان، وتتخلى عن أسلحة الدمار الشامل وإيقافها دعم الإرهاب، واتخاذ خطوات عملية ملموسة لإبرام سلام مع إسرائيل». تم تبني مشروع القانون هذا في مجلس النواب بالموافقة عليه بـ 398 صوتا، مقابل 4، وبنسبة عالية جداً في مجلس الشيوخ، وصلت من 89 إلى 4.. وأصدر هذا القانون في أبريل من عام 2003، ويذكر التقرير «كان الدافع الأكبر وراء إقرار القانون، هو الاستجابة لضغط مارسه المسؤولون الإسرائيليون والجماعات الموالية لهم، مثل الأيباك، ولو لم يكن هناك لوبي إسرائيلي ضغط بشكل شديد الجبروت والتأثير، لما كان ثمة قانون لمحاسبة سوريا».

الحرب مع حزب الله

ويرى التقرير أن هناك ثلاث دول تمثل تهديداً على إسرائيل يتولى اللوبي الصهيوني توجيه كل ضغوطه على الإدارة الرسمية الأميركية لزجها في حروب ضد هذه الدول، العراق، سوريا، إيران.. وقد تم له ذلك عند إنجاز التقرير بشأن العراق، الذي لم يغير نظامه السابق، بل أدى إلى تفكيك الدولة العراقية، وإضعاف مقدراتها وبذر الحروب الطائفية فيها التي قد تتحول في ظل سير الأحداث وتواليها إلى ما يشبه الكانتونات، ليس بالضروة على أساس جغرافي، بل سياسي ونفسي! ومنذ عام 2003، طالبت الخارجية الأميركية من النظام السوري إبعاد كافة التنظيمات الفلسطينية من الأراضي السورية وإيقاف أي دعم لحزب الله في لبنان، ولكن الأحوال زادت حدتها كثيراً، من جراء الحرب التي دارت عام 2006، واستمرت 33 يوماً ما بين حزب الله وإسرائيل التي كانت تعتقد بأنها خلال أيام معدودة باستطاعتها الإجهاز على حزب الله ومقاتليه وبنيته التنظيمية، إلا أن أمد الحرب طال وتكبَّدت خسائر فادحة، وقادت التسويات الخلفية إلى وقف النار، وكانت سوريا هي الداعم الأساسي لحزب الله على المستوى العسكري والمدني المعيشي.. وهذا يعني في الحقيقة أن هذه الأحداث تعني في ما تعنيه أن زيادة ضغوط اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية ترمي لتغيير النظام في سوريا على نحو يحقق الأهداف الإسرائيلية.. فسياق الأحداث مستمر، كما أن التحرُّك الإسرائيلي على مختلف المجالات، رسمية وخاصة، في الولايات المتحدة في تزايد مع تزايد وتيرة الأحداث التي جرت بعد نشر هذا التقرير عام 2006.

مناظرة الفيصل ويادلين

وفي قراءة للأحداث الدائرة واستمرارها حتى الوقت الحالي في سوريا، نأسف وبألم لتلك المناظرة التي جمعت الأمير تركي الفيصل الذي يعد من الأعمدة الرئيسة في النظام السعودي، مع رئيس المخابرات الإسرائيلية الأسبق عاموس يادلين في بروكسل، أخيراً، والتي كان محورها «السلام ما بين العرب وإسرائيل»، وقد استند الأمير تركي إلى المبادرة العربية التي أعلنت في قمة بيروت عام 2002، وقد أجاب يادلين إجابة تحمل قدراً من الاستهزاء والسخرية، وفي الوقت ذاته مغلفة بعنصر تفوق القوة الإسرائيلية في مجابهة الخنوع العربي الرسمي، بقوله «إن معظم الإسرائيليين لا يعرفون بنود مبادرة السلام السعودية، وأعرض عليك القدوم إلى القدس والصلاة في المسجد الأقصى والتحدث من الكنيست إلى الإسرائيليين الذين لا يعرفون بأغلبيتهم المبادرة العربية».. بالطبع يادلين يتحدث عن القدس، وهي في طريقها نحو التهويد والبناء المستمر لمستوطنات وتوسع أخرى.. ويرد بكل صلافة واستكبار بهذا الشكل، بأن أغلب الإسرائيليين لا يعرفون شيئا عن المبادرة العربية، وما على الأمير تركي سوى التوجه للكنيست لشرح هذه المبادرة الهزلية أو الجثة المتحللة، إذا جاز التعبير، للإسرائيليين المغلوب على أمرهم!

ولم تمضِ أيام إلا وجاءت الاجابة من رأس السلطة التنفيذية الإسرائيلية بكلام مختصر وواضح، ويبدو هو أيضا أنه لا يعلم عن أمر المبادرة العربية، عندما صرَّح نتنياهو «أن القدس قلب دولتنا القومية، ولا يمكن تقسيم القلب».

تنظيف الجروح

في تلك المناظرة «الأخوية» أو مناظرة الزمالة، تم التطرُّق أيضا إلى الوضع في سوريا، فشبه الأمير تركي الوضع السوري بأنه «الجرح الذي يحتاج إلى تنظيف، وعملية التنظيف تلك تحتاج إلى تسليح المعارضة السورية، على أن يتدخل المجتمع الدولي بعد ذلك ليدعمها لإعادة بناء الدولة، والمساعدة في عدم وقوع السلاح بيد جماعات متطرفة تستغله لضرب الغرب»، مضيفا أن «المعارضة السورية تريد الحفاظ على هيكل الدولة السورية، ولم تطالب بإسقاطها، بل تنظيفها من مرتكبي الجرائم»، فأجابه الجنرال الإسرائيلي المتقاعد، بأنه يجب «تحييد الدعم الذي يصل إلى الأسد».. الفيصل كان يتحدث عن تنظيف الجرح من مرتكبي الجرائم أمام الجنرال يادلين الطيار الحربي في جيش الدفاع الإسرائيلي، الذي شارك في قصف المفاعل النووي العراقي عام 1981، وفي حرب لبنان عام 1982، كما أعد دراسة مع أحد البروفيسورات الصهاينة عنوانها «اختلاف المبررات والذرائع لإضفاء الشرعية على عمليات التصفية التي تقوم بها الأجهزة الأمنية الإسرائيلية ضد القيادات الفلسطينية».. وقد تكون عملية تسميم ياسر عرفات إحدى عملياتها، خلاف عمليات القتل التي امتدت في العديد من الدول العربية والأوروبية ضد قيادات وأطراف فلسطينية وعربية أيضا.. يتحدث عن تنظيف الجرح من مرتكبي الجرائم أمام من قام بـ 255 طلعة جوية قتالية على جهات معادية!

وهذه الجهات المعادية ليست سويسرا أو إسبانيا، بل الدول العربية المحيطة بإسرائيل.

إذن، ومن خلال هذه المناظرة، إن لم يكن هناك التقاء بشأن المبادرة العربية «نتيجة لجهل الجانب الإسرائيلي بمضامينها»، كما صرَّح يادلين، إلا أنه يوجد التقاء بشأن الجانب السوري، والذي بدئ في تحركه الفعلي منذ عام 2003، بعد تحرك اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة..

على هذه الأيدي تُرسم مصائر الشعوب العربية، فتنظيف الجروح بمفهومها لا يتم بالبتر بالمطهرات والمايكركروم أو اليود، بل بالدفع بمزيد من الأسلحة والمقاتلين، وهذا يعني في النهاية المزيد من الدماء والتدمير.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *