الرئيسية » إقتصاد » الهيئة العامة للاستثمار.. هل أصبحت دولة منفصلة عن دولة الكويت؟ (1)

الهيئة العامة للاستثمار.. هل أصبحت دولة منفصلة عن دولة الكويت؟ (1)

هيئة الاستثمار تكبدت خسائر فادحة في الاستثمارات الخارجية
هيئة الاستثمار تكبدت خسائر فادحة في الاستثمارات الخارجية

كتب محرر الشؤون الاقتصادية:
الهيئة العامة للاستثمار، هي هيئة حكومية كويتية صدر القانون رقم 47 لسنة 1982 بتأسيسها، على اعتبار أنها هيئة عامة ذات شخصية اعتبارية مستقلة، وتلحق بوزير المالية، ويكون مقرها دولة الكويت، ويجوز لها أن تنشئ مكاتب في خارج الدولة، وغرض الهيئة الأساسي أن تتولى باسم حكومة الكويت ولحسابها إدارة استثمار المال الاحتياطي للدولة والأموال المخصصة لاحتياطي الأجيال القادمة، بالإضافة إلى إدارة أي اعتمادات أخرى تعهد إليها من قِبل وزارة المالية، ويشمل نشاطها الاستثماري السوق الكويتي، والأسواق العربية والدولية، من خلال مقرها الرئيسي في الكويت، ومكاتب فرعية في أكثر من عاصمة عالمية.

والحديث عن الهيئة العامة للاستثمار يطول، ولا يكفي له تقرير أو اثنان، بل يحتاج إلى عشرات التقارير، فعند الحديث عن هيئة الاستثمار، فإننا نتحدث عن مئات المليارات من الدولارات من أموال الشعب الكويتي التي تديرها، سواء داخلياً أو خارجياً، وإدارتها لهذه الأموال العامة تحتم عليها الكثير من المعايير التي يجب أن يتحلى بها من يدير الأموال العامة، وعلى رأس هذه المعايير الإدارة السليمة والشفافية والوضوح، فهي لا تدير أموالا خاصة لشخص أو شركة، وبالتالي يحق لها أن تفعل ما يحلو لها في هذه الأموال، وإنما تدير أموالا عامة، التصرف فيها يجب أن يكون بحساب، وهذا للأسف ما لم تحرص عليه هيئة الاستثمار، إذ إنها منذ تأسيسها تتسم بالغموض، ولا تقدم تقارير وافية عن الصفقات التي تبرمها، أو حتى التي أبرمتها منذ عشرات السنين، والمكاسب والخسائر التي تحققت منها.

تقارير مفزعة

وفقا لما نشرته تقارير ديوان عام المحاسبة عن الهيئة العامة للاستثمار خلال الأعوام الماضية، نجد أنها تعج بالكثير من المخالفات التي كبَّدت الكويت أموالا طائلة، عجز ديوان المحاسبة، بكل ما يملكه من أدوات رقابية، عن حصرها بدقة لتشعب هذه المخالفات. ووفق هذه المعلومات، وما يتناثر من معلومات أخرى عن الهيئة، فإن ملفها وتجاوزات مكتب لندن التي تمَّت مناقشتها في جلسة سرية في مجلس الأمة خلال مناقشة الوضع المالي للدولة منذ أسابيع معدودة، لا تكفيها جلسة واحدة فقط مع وزير المالية أنس الصالح، بل كانت تحتاج إلى دور انعقاد كامل، لبحث وكشف حجم التجاوزات على المال العام، سواء بالتصرف غير السليم، أو لسوء الإدارة، وتقارير ديوان المحاسبة في شأن هيئة الاستثمار للعام 2012 / 2013 وما سبقه من أعوام كافية لبيان ضخامة هذه التجاوزات، وهذه ليست مبالغة، فهيئة الاستثمار تدير ما يقرب من نصف تريليون دولار من أموال الكويت وفوائض مبيعات النفط، وأي تجاوز في هذا الحجم الكبير من الأموال سيكون بمبالغ كبيرة جدا، لذلك لابد أن تكون الرقابة على هذا المرفق المالي المسيطر على أموال الكويت صارمة جدا، ولكن هذه الصرامة للأسف لم تتحقق في الكثير من استثمارات الهيئة، فقد شهدت استثماراتها خسائر كبيرة في السنوات الماضية، كما شهدت تجاوزات قانونية وإجرائية كثيرة أثبتتها تقارير ديوان المحاسبة، وبدلا من أن يحاسب وزير المالية (بصفته رئيس الهيئة) المسؤولين عن هذه التجاوزات، طلب مناقشة هذه التجاوزات في جلسة سرية في مجلس الأمة، للتغطية على المتجاوزين، ومحاولة “طمطمة” القضية، إذا أمكن ذلك، بل قد يصل الأمر إلى أبعد من ذلك، ونجد من تسبب في هذه التجاوزات في مناصب أعلى، وتتم ترقيتهم، ولمَ لا؟ فهذا الأمر ليس بجديد، وقد حدث مرات ومرات سابقاً في أكثر من جهة أخرى.

مبررات السرية

وقد ساق وزير المالية عدة مبررات للمجلس، تبرر طلبه سرية الجلسة، ومنها أن المعلومات التي سيتم تداولها خلال عرض نتائج أداء الاستثمارات الخارجية، وعرض أرقام احتياطيات الأجيال القادمة، تعد «جزءا لا يتجزأ من الحالة المالية للدولة«، لهذا يجب أن تكون سرية، وتناسي الوزير حق الشعب في معرفة كيف تدار أمواله، وأين ذهبت، وما المكاسب أو الخسائر التي حققتها.

وقال وزير المالية عقب الجلسة إن الحكومة مطالبة بعرض الحالة المالية للدولة مرة واحدة على الأقل في كل دور انعقاد عادي لمجلس الامة، وهذا ما جرت عليه العادة في الحكومات السابقة، والمؤسف في كلام الوزير هذا، انه يتعامل بمفاهيم قديمة لم يعد لها وجود في زماننا هذا، ولا تتناسب مع تحقيق الشفافية في الاستثمارات التي يبذل العالم كل جهوده لتحقيقها، وفي الوقت الذي يطالب فيه الوزير بسرية مناقشة استثمارات الدولة في الخارج التي تديرها “الهيئة”، تخرج عشرات التقارير العالمية سنوياً، لتوضح حجم هذه الاستثمارات ونوعيتها، وحجم الخسائر أو المكاسب التي تحققت فيها، ففي العصر الذي نعيشه حالياً، لم تعد هناك معلومات يمكن التكتم عليها.. ورغم كل ذلك، نجد وزير المالية يقول إنه يتعامل «بما جرت عليه العادة»، متناسياً أنه وزير للمالية، ويجب أن يتعامل وفق أسس اقتصادية قائمة على الشفافية والموضوعية، وليس «بما جرت عليه العادة»، وكأننا لم نتعلم شيئاً من الدرس القاسي الذي تعلمه العالم من الأزمة المالية العالمية، التي كان جزء كبير منها ناجما عن عدم توافر البيانات الصحيحة وقلة الشفافية في كثير من الاستثمارات الاقتصادية، ما تسبب في الانهيار المالي الذي شهده العالم في عام 2008.

غياب الشفافية

وكما لم يتسم موقف الحكومة بالشفافية في جلسة مناقشة استثمارات الدولة في الخارج، فإن الحال ذاتها تنطبق على هيئة الاستثمار، فقد نال الغموض وغياب الشفافية من هذه الهيئة بشكل كبير، ووصل تقييم الكشف والشفافية لديها إلى 6 من أصل 10 نقاط، وفق تقييم «منظمة الصناديق السيادية العالمية»، و3 من 12 وفق دراسة لمعهد «باترسون للدراسات الاقتصادية»، ويرجع هذا التدني في درجة الشفافية إلى أكثر من سبب، على رأسها عدم نشر تقرير سنوي يبين أداء هذه المؤسسة، كذلك، فإن أي تقارير تصدر عن الهيئة لا تحوي تفاصيل واضحة للأنشطة التي تقوم بها، ولا تقدم الهيئة أي تقارير توضح مدى العوائد على استثماراتنا، سواء سنويا أو نصف سنويا، أو حتى ربع سنويا، بل وصل الأمر إلى أن الهيئة لا توضح حتى نوع الاستثمارات والأدوات الاستثمارية التي تستثمر فيها، وربما تقدم فقط في تقريرها السنوي للحكومة قيمة هذه الاستثمارات لا أكثر من دون أي تفاصيل أخرى.. ورغم أنها تقوم بعمل تقييم لأدائها بشكل دوري، فإنه من المستغرب أنها لا تقوم بكشف نتائج هذا التقييم، وتوضيح الحقائق، وهذا بلا شك يجعل استثماراتها دائماً في موضع شك، وتثار حولها الشائعات بشكل كبير، والادعاء بأن المصلحة العليا أو ضغوط سياسية خارجية وراء هذا التكتم ادعاء باطل، لأننا في العصر الذي نعيشه ومع الأزمات المالية المتلاحقة التي تضرب أكثر من دولة عالميا، يجب أن يتم أي استثمار خارجي بشفافية كاملة، والأمر الآخر أن الدول التي يدعي البعض أنها تضغط علينا لعدم كشف حجم الأموال المستثمرة فيها، هي دول تتصدر قوائم الشفافية في العالم، ومن ثم لا تمانع في كشف الحقائق والأرقام.

إدارة خاطئة

يُضاف إلى قلة الشفافية المتبعة في هيئة الاستثمار، الإدارة الخاطئة للاستثمارات، حيث ظهر كثير من اللغط على بعض الاستثمارات التي دخلتها الهيئة خلال الأعوام الماضية، بسبب سوء توقيت الدخول فيها، أو بسبب ضعف العائد المتوقع منها، كما ثار كثير من اللغط حول خروج الهيئة من بعض الاستثمارات لذات الأسباب، ما تسبب في خسائر فادحة، وبسبب هذه الخسائر وسوء الإدارة والغموض وقلة الشفافية سجل ديوان عام المحاسبة الكثير من الملاحظات على أدائها، وخصوصا خلال العامين الماضيين، فقد أصبحت هيئة الاستثمار محل تساؤل كبير حول أدائها، فهل الصفقات التي تقوم بها تخدم الصالح الوطني، أم تخدم مصالح أشخاص بعينهم؟ ولماذا كل هذا الغموض حول الكثير من الصفقات؟ وهذا ما دفع بعض أعضاء مجلس الأمة لتقديم أسئلة برلمانية حول هذه الصفقات والتخارجات، وضمن من تقدم بأسئلة في هذا المقام النائب عبدالله الطريجي، الذي أكد ضمن مجموعة من الأسئلة تقدم بها في مايو الماضي، أن هيئة الاستثمار باعت عقارات بخسارة تقدر بملايين الدنانير، وبأقل من قيمتها الدفترية ومن دون تقديم أي مبررات، ولاسيما أن أسعار هذه العقارات في الدول الأجنبية والأوروبية في ارتفاع مستمر، وخصوصاً في لندن، التي أصبح الكثير من المستثمرين يتوجهون اليها لشراء العقارات، نتيجة الاستقرار الأمني والاقتصادي فيها.

وطالب الطريجي وزير المالية بالتدقيق في المعلومات والمخالفات التي سجلها ديوان المحاسبة بخصوص هيئة الاستثمار، والتي حملت علامات استفهام تثير الريبة، مؤكدا «إذا لم تكن اجابات وزير المالية واضحة وتحمل مبررات اقتصادية ومهنية في الأسباب التي أدت إلى هذا التلاعب ببيع هذه العقارات، في ظل الظروف التي تطالب بإيجاد وتنويع للدخل الوطني، فإن وزير المالية معرض للمساءلة بخصوص هذه الصفقات التي أعتبرها وهمية، من أجل شخصيات متنفذة»، لافتاً إلى أن غالبية النواب لم يكونوا مقتنعين بالعرض الذي قدمته الحكومة في الجلسة السرية والمتعلق باحتياطيات الدولة، ما يشعرنا بأن أموال الكويت في الهيئة وصلت لمرحلة الخطر.

تركيز الاستثمارات بشركات محددة

وبعد التخبط الواضح لهيئة الاستثمار في استثماراتها الداخلية والخارجية، وبعد التخوفات التي ثارت حول العبث باحتياطي الأجيال القادمة، كلف مجلس الأمة ديوان المحاسبة (في أعقاب اطلاعه على بيانات الاستثمارات الخارجية خلال الجلسة السرية) الاستعانة بمؤسسات دولية ومكاتب استشارية محاسبية متخصصة لتقييم إدارة أموال الاحتياطي العام بصورة شاملة، وتحري فروق بعض الأرقام للوقوف على سلامة الأداء الاستثماري ودقة عمله، كما وافق المجلس على تشكيل لجنة تحقيق برلمانية في أوضاع مكاتب الاستثمار في لندن والدول الاخرى، على أن يستمر عمل اللجنة حتى دور الانعقاد المقبل لمجلس الأمة، وجاء تشكيل هذه اللجنة بعد إثارة نواب لوجود تجاوزات في مجالس إدارات المكاتب في لندن وبعض الدول الأخرى، واتضاح تركيز الاستثمارات في شركات محددة من دون غيرها، وتدني الأرباح بصورة تقل عن الأرباح السائدة عالميا، وهو ما يعني بخس حق الدولة في الحصول على عوائد مجزية وعادلة، الأمر الذي يتطلب فتح تحقيق في تلك العمليات، وتحدث نواب عن رصد ديوان المحاسبة في تقاريره ملاحظات على هيئة الاستثمار ومكاتبها الخارجية تشير إلى فقدان نحو مليار دينار لا يعرف أحد إلى أين ذهبت! فيما أكدت الحكومة للمجلس خلال الجلسة السرية، أن هذا المبلغ ذهب في فروق مالية، نتيجة الاختلاف في قيمة صرف العملات، وهذا كلام غير موضوعي، فلا يعقل أن هذا المبلغ الضخم ذهب في فروق مالية نتيجة الاختلاف في قيمة صرف، كما تحدث نواب عن تداخل في بعض أرقام العوائد والأرباح وعدم وضوح إن كان مصدرها بيع النفط أو من تدفقات مالية أخرى، كما أن هناك تباينا كبيرا في الأرقام التي قدمتها الهيئة للمجلس.

نصف تريليون دولار

وفقاً لما تم تداوله من معلومات، تقدر موجودات الدولة المتمثلة في الاحتياطي العام واحتياطي الأجيال القادمة، التي تحت إدارة هيئة الاستثمار بنحو 146 مليار دينار (بما يعادل نصف تريليون دولار)، وبلغ متوسط عوائد الاستثمار نحو 9.2 في المائة، شاملة التدفقات المالية وأرباح الاستثمارات وقيمة بيع النفط.

تناقض حكومي غريب

في الوقت الذي تغلظ الحكومة الكويتية القوانين على الشركات المحلية، من أجل مزيد من الشفافية، وإتاحة المعلومات ومعاقبة كل من لا يفصح من الشركات عن أي بيانات متعلقة باستثماراتها، حماية لمساهمي هذه الشركات الذين في كل الأحوال عددهم لا يزيد على بضع مئات، نجد الحكومة تتعامل مع مستقبل الكويت ومستقبل الأجيال القادمة وأموال أكثر من مليون مواطن كويتي من منطلق «جرت العادة» و«الجلسات السرية»، لنصل في النهاية إلى نتيجة واحدة، وهي «لا أحد يدري ماذا حل بأموال أبناء الكويت، وكيف استثمرت؟».

أكثر الصناديق السيادية خسارة

أكد تقرير لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية صدر في سبتمبر 2012، أن «الهيئة العامة للاستثمار الكويتية، هي أكثر الصناديق السيادية خسارة»، إذ تجاوزت خسائرها منذ ديسمبر 2007، و حتى كتابة التقرير 40 في المائة. والأمثلة على القرارات غير الموضوعية للهيئة، والتي تسببت في خسائر كبيرة متعددة، منها ما تم رصده من تقرير ديوان المحاسبة، ومنها ما لم يرصد، وما زال خفيا حتى على الجهات الرقابية التي تراقب على الهيئة وعلى أعتى الجهات الرقابية، سواء كانت محلية أم عالمية.

دور هيئة الاستثمار في الاقتصاد المحلي

وفقاً لما هو موسوم من دور للهيئة العامة للاستثمار في الاقتصاد المحلي، فإن لها دورا مهما في مسار الاقتصاد المحلي، فهي تشرف على مساهمات الدولة في العديد من الشركات والمؤسسـات الاقتصادية والمحلية الرئيسة، وتشجع مبادرات القطاع الخاص بالمشاركة في تمويل وإنشاء الشركات، وتنشط دور القطاع الخاص، من خلال برنامج التخصيص، وتوفر السيولة اللازمة لمواجهة احتياجات الخزانة العامة وقت الحاجة.. وللهيئة مساهمات في العديد من المشاريع والشركات المحلية البارزة، وكذلك في قطاع المؤسسات المالية الاستثمارية، مثل البنوك وشركات التأمين.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *