الرئيسية » قضايا وآراء » ماجد الشيخ : الصراع على الحقيقة لا يخبو أواره أبداً

ماجد الشيخ : الصراع على الحقيقة لا يخبو أواره أبداً

ماجد الشيخ
ماجد الشيخ

ليس هناك من حقيقة تاريخية واحدة، فللحقيقة الواحدة ولروايتها وجهان أو وجوه عدة، «الحقيقة التاريخية الواحدة» مجرد أسطورة يتسلى بها من يؤمن بماضٍ لا يمكن أن يتمثل حاضراً أو مستقبلا، مثل أسطورة الأجداد أو حكايات الطواطم، أو عبادة الأسلاف. ونكاد هنا نجزم أنه ليس هناك من حقيقة واحدة، هناك حقائق عدة تحيط بأي رواية تروي حدثا أو أحداثا ما يمكن أن تكون حصلت، أو يمكن لها أن تكون مجرد رواية خرافية، زادها ويزيدها النزوع الأسطوري خيالات وتهويمات مريضة، يعتقد أصحابها بأنها مع «المقدس» يمكن أن تعيش أكثر، ويمكن أن يجري تصديقها، وكأنها «حقائق دامغة»؛ وما هذا بصحيح على الإطلاق.

تلك حكاية الرواية التوراتية، ومن بعدها الرواية الصهيونية، إزاء ما حصل في أرض فلسطين التاريخية. حكاية رواية أحادية جرى التشبث على الدوام بأهداب أسطرتها، وكأنها حصلت فعلا، ولكن لتلك الرواية وجها آخر، وجه الرواية التاريخية والواقعية الفلسطينية الحية في الذاكرة وفي الواقع، وفي استمرار الوجود التاريخي للهوية الوطنية ولأصحابها من ناس الواقع زمانا ومكانا.

وعلى الرغم من مرور ستة وستين عاما على توقف الزمن الفلسطيني، فإن الزمن الإسرائيلي لم يستطع حيازة إلا الجزء الضئيل من الرواية، وفي مكان هو «المكان الآخر» النقيض، الذي لم يستطع لا التوراتي القديم، ولا الصهيوني الحديث، حيازته بالكامل، نظرا لوجود الفلسطيني الذي أريد له أن يختفي من على مسرح الرواية التاريخية، وإذ به يتنطح لرواية تاريخية نقيضة، لاتزال تواجه وتفكك تلك الرواية التي أراد لها الاستعمار الغربي أن تسود سيادتها المطلقة، وبالطريقة الكولونيالية إياها التي أجادها الغربيون في مستعمراتهم السابقة.

الحقيقة ليست أحادية، بل هي متعددة، وتتعدد على الدوام وفق رواتها، كذلك هي حقيقة رواية النظام العربي، وهو يواصل حديثه عن ذاته، وكأنه «قدس أقداس الحقيقة»، فيما الوجه الآخر لتلك الحقيقة ليس غائبا عن أنظار الناس المحكومين، ورؤاهم ووجهات نظرهم، وهم المعنيون أكثر بإبراز الحقيقة اليومية، كما التاريخية، لأنظمة السيادة العليا فيها لنخب وفئات استملاكية وزبائنية جرى ويجري تمكينها وجعلها متنفذة، وأكثر قابلية لديمومة السلطة المهيمنة على مؤسسات الدولة، في ذات الوقت الذي يجري تغييبها وتغييب حقيقتها، وإبراز ما يضاد ماهيتها وطبيعتها.

 في المحصلة ليست هناك من حقيقة تاريخية واحدة أو أحادية، لأي حدث من الماضي أو لأي حدث في الحاضر أو المستقبل، هناك رواة لجوانب من تلك الحقائق التاريخية، يصدق بعضهم، وقد لا يصدق بعض آخر، التمحيص الواقعي يبقى من نصيب الناس الذين يعايشون الواقع، ويرون إلى جوانبه كافة بتجرد ونزاهة، لا تعميها أو تحجبها أقنعة أو أحجبة المصالح الأنانية والنرجسية الخاصة.

ولهذا تحديداً، سيبقى الصراع على الحقيقة، أو الحقائق التاريخية، واحداً من الصراعات التي لا يمكن لها أن تخبو، من دون الوصول إلى تلك النتائج والمآلات المنطقية التي تتوخاها الحقائق ذاتها، وكل أولئك الناس الذين يسعون إلى العدل والمساواة والمواطنة الإنسانية، في بلاد تحترم إنسانية الإنسان كونه كذلك، لا كونه ممن تشوبه شائبة السلطة أو المنفعة أو المصلحة.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *