الرئيسية » عربي ودولي » العرب وإسرائيل.. تطبيع تعدَّى إلى خنوع

العرب وإسرائيل.. تطبيع تعدَّى إلى خنوع

التمدد الاستيطاني الإسرائيلي يفضح العقلية الإسرائيلية في الهيمنة
التمدد الاستيطاني الإسرائيلي يفضح العقلية الإسرائيلية في الهيمنة

محمد الغربللي:
يبدو أننا تعدينا بقدر ما مرحلة التطبيع مع الكيان الصهيوني، وهذا حقيقة ما تهدف إليه إسرائيل بتمسكها بعامل الزمن، باعتباره الكفيل لها بابتلاع المزيد من أراضي الضفة الغربية بإقامة المستعمرات، وهذا ما عملت به منذ الأيام الأولى التي أعقبت حرب يونيو 1967، واحتلالها للقدس الشرقية.. عقلية قائمة على التمدد الجغرافي والاستيطان، وإن لم تجد سكاناً للأرض، فستعمل على جلب مهاجرين جدد، بمن في ذلك يهود قبائل الفلاشا في أثيوبيا! هذا خلاف بضعة ملايين من دول أوروبا الشرقية والاتحاد السوفييتي بعد تفككه.. كما انها تستخدم عامل الزمن وبعد إبرام اتفاقياتها مع مصر بداية والأردن بعد ذلك على تطبيع العلاقات.

توغل اقتصادي

هي تسمي العملية تطبيعاً، لكنها في الوقت ذاته نوع من الهيمنة والتوغل الاقتصادي في تلك البلاد.

كما أنه ليس بالضرورة أن تنحصر عملية التطبيع مع الدول التي ترتبط معها بمعاهدات، فهي تستغل أي حالة تخلخل في دولة عربية ما، كي تقوم بالتغلغل فيها، وقد نشرت الصحيفة الإسرائيلية يديعوت أحرنوت في مطلع الشهر الجاري «أن جهات تجارية في إسرائيل دعت إلى إقامة حظيرة أبقار ومصنع ألبان في إقليم كردستان في شمال العراق، وأن وزير الزراعة في إقليم كردستان زار إسرائيل مع وفد من الإقليم الذي زار كيبوتس افيكيم وحل ضيفا على شركة «آفي ملك»، التي تشرف على أساليب متطورة لحلب الأبقار وصنع منتجات الألبان».

وأضافت الصحيفة الإسرائيلية، أن «الحظيرة المقرر إقامتها في الإقليم ستكون الأكبر والأكثر تطوراً من نوعها في العراق، وأن شركة «آفي ملك» أقامت 50 حظيرة أبقار في العالم».

هكذا ورد الخبر في الصحيفة الإسرائيلية، ومع أن أوجه التعاون بدأت منذ فترة بين الإقليم الكردستاني العراقي وإسرائيل، إلا أن اتساع التعاون في المجالات الزراعية وتربية الحيوانات ازدادت في السنوات الأخيرة، ومنها إقامة مزرعة تربية وإنتاج منتجات الأبقار هناك».. وبالنسبة للإقليم العراقي، فإن وضعه لا يقل شأنا عما يجري من مشاريع مشتركة إسرائيلية – عربية في مصر أو الأردن، وقد توج هذا التعاون بإبرام اتفاقية الكويز بين مصر وإسرائيل والولايات المتحدة عام 2004، التي يسمح بموجبها دخول المنتجات المصرية إلى الولايات المتحدة الأميركية من دون ضرائب، على أن تكون مصنعة شراكة مع الجانب الإسرائيلي بنسبة لا تقل عن 10.5 في المائة، كما غدت بعض الدول المحيطة بإسرائيل ساحة عبور للمنتجات الزراعية الإسرائيلية نحو الدول العربية الأخرى.. إزاء ذلك، يرى الإقليم أن وضعه لا يقل عن أوضاع تلك الدول، بشأن تطبيع العلاقة مع الجانب الإسرائيلي بشكل علني، وهنا لا نتحدث عن العقود التجارية السرية، وبالذات الأمنية، محل حديث الصحافة العالمية، وبعض الوثائق المسربة بشأن هذا الشكل من التعاون الذي يشمل استيراد مواد ومعدات أمنية من إسرائيل.

تودد لأميركا

ولم يعد خافياً أن الأمر لا ينحصر فقط بالتبادل التجاري، بل حتى في مشاركة وفود إسرائيلية بصورة رسمية في المؤتمرات التي تعقد في بعض الدول الخليجية، فمنذ أكثر من شهر نتذكر مشاركة وزير البنية التحتية الإسرائيلي في مؤتمر الطاقة البديلة الذي عُقد في دولة خليجية، وكذلك مشاركة وفد إسرائيلي جرت منذ أيام في دولة خليجية أخرى لم تخف زيارات قام بها مسؤولون إسرائيليون، وعلى رأسهم شيمون بيريز.

هذه الدول العربية لا تحتاج إلى مواد أو أموال للاستثمار، بل هو نوع من الخنوع والتودد للجانب الإسرائيلي، كبوابة إرضاء الإدارة الأميركية، وهذا ما أعلنه أحد الحكام السابقين في تبريره لهذه العلاقة.

بقايا المبادرة

يقودنا الحديث عن هذا التطبيع المتواصل المقارب للخنوع إلى التساؤل عن بقايا المبادرة العربية التي أعلنت في مؤتمر القمة في بيروت عام 2002، وقضت بوضع استحقاق على العرب بتطبيع علاقتهم مع إسرائيل حال قبولها بالمبادرة العربية عند انسحابها من الضفة الغربية وقيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، لنجد في النهاية أمام عجز الأنظمة العربية والحروب الدائرة في ما بينها، أن التطبيع يسير وفق الرؤية الإسرائيلية على أرض الواقع، ويتمدد سراً وجهاراً كما تتمدد في الوقت ذاته مساحات المستعمرات الإسرائيلية في الضفة الغربية، ويزداد الحصار على غزة، وتزداد الإملاءات الإسرائيلية على الجانب العربي.

ماذا تبقى من مبادرتكم أيتها الأنظمة العربية؟ على الأقل احترموا التواقيع التي وضعتموها على مبادرتكم تلك، والتي تعلنونها على فترات، وآخرها الإعلان الذي قام به عمرو موسى في زيارته إلى واشنطن، لحث إسرائيل على الوصول إلى حل بقبول المبادرة العربية، وجائزتها الكبرى لها، بأن هذه الدول ستطبع علاقاتها معها، بينما في الواقع أنها حصلت على هذه الجائزة من دون تقديم أي تنازل، حتى انها شحت على الأعراب إطلاق سراح 24 أسيراً ضمن اتفاقها السابق مع السلطة الفلسطينية قبيل بدء المفاوضات التي انتهت من دون نتيجة الشهر الماضي.. فالخنوع لن يؤدي إلا لمزيد من حالة التردي واضحة المعالم في العالم العربي، ومن يمشي في هذا الطريق، فلن يلقى سوى مزيد من الذل والضعف والهوان.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *