الرئيسية » إقتصاد » المشاريع الإنتاجية غائبة منذ عقود.. وإيرادات النفط تتآكل

المشاريع الإنتاجية غائبة منذ عقود.. وإيرادات النفط تتآكل

الصناعة من المشاريع الإنتاجية التي تخلق فرص العمل.. ولكنها أهملت في الكويت 
الصناعة من المشاريع الإنتاجية التي تخلق فرص العمل.. ولكنها أهملت في الكويت

كتب محرر الشؤون الاقتصادية:
مشكلات الاقتصاد الكويتي كثيرة ومتعددة، ولعل من أهمها، قلة المشاريع الإنتاجية التي يمكن أن تستوعب أعداداً كبيرة من الأيدي العاملة، للحد من مشكلة البطالة التي بدأت تظهر بوضوح في الآونة الأخيرة، وبدأت أثارها الاجتماعية تظهر، ممثلة في الكثير من الظواهر الاجتماعية غير المألوفة في المجتمع الكويتي من قبل.

ومن الملاحظ أنه خارج نطاق مشاريع النفط والغاز، وعدد محدود جدا من مشاريع البنى التحتية، لم تنفذ الكويت خلال العقدين الماضيين مشاريع إنتاجية كبيرة تذكر، ولم تشهد الدولة، التي تمتلك احتياطيا نفطيا من أكبر الاحتياطيات في العالم تنمية اقتصادية حقيقية، كإنشاء مشروعات صناعية كبيرة، مشروعات إنتاجية، موانئ، مطارات، وشبكات نقل حديثة، كما كان متوقعا استناداً إلى الموارد البشرية والطبيعية والمالية التي تملكها الكويت.

فعلى الرغم من وجود الكثير من المظاهر التي تدلّ على التحسن الذي شهدته البلاد في مستويات المعيشة للأفراد، والمباني الشاهقة، وناطحات السحاب، والمراكز التجارية الكبيرة، لكن جميع هذه المظاهر ليست سوى استهلاك لإيرادات النفط، ولا تعد دليلاً في أي حال من الأحوال على وجود نشاطات اقتصادية منتجة، وهذا ما أثر في حجم فرص العمل التي تُخلق داخل الدولة، ومن ثم كان لجوء الحكومة إلى تكديس الوظائف في القطاع الإداري الحكومي، الذي أصبح مكتظاً بأعداد تفوق قدرته بكثير، وهو ما أوجد ظاهرة البطالة المقنعة التي تعانيها الكويت، واستنزف الجزء الأكبر من ميزانية الدولة على بند الأجور والرواتب، وأوجد مشكلة الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد الكويتي، والتي عجزت الحكومة وبشدة عن حلها بأي صورة من الصور.

الصناعة العمود الفقري

وتعد الصناعة العمود الفقري وركنا أساسيا لنهوض أي دولة اقتصاديا، وخصوصا مع اعتماد العالم في الوقت الراهن على الصناعات المتطورة، وتطور وسائل النقل التي تنقل المنتجات الصناعية إلى الدول المستهلكة في وقت وجيز، ولكن رغم كل ذلك ورغم إجماع أهل الاقتصاد على أن الصناعة هي القاطرة التي تجر أي اقتصاد إلى الأمام، تعطلت هذه القاطرة في الكويت، وظلت قابعة في مكانها منذ سنوات، فقد تخلفت الكويت كثيراً عن التطور الصناعي العالمي والإقليمي، وأهملت قطاعا من أهم قطاعات الاقتصاد، التي يمكن أن تخلق فرص عمل كبيرة لأبنائها، ولم تهتم الكويت بتوطين الصناعات المهمة والمستثمرين الصناعيين، عبر تهيئة بيئة عمل للشركات الصناعية، وتشجيع الصناعات المحلية، وتحفيز تلك الاستثمارات ودعمها، بل على العكس، تسببت البيئة غير المشجعة للاستثمار، والقوانين البالية التي أصبحت لا تواكب المستجدات والتطور الاقتصادي، وتعقيدات إصدار التراخيص والبيروقراطية والروتين، والتشابك بين الوزارات والهيئات، ونقص المناطق الصناعية، في هجرة مئات الشركات الصناعية من الكويت، بحثا عن مناخ أفضل في الخارج، وفقدت بذلك الكويت فرصة إقامة قطاع صناعي قوي يحل الكثير من المشكلات، بما في ذلك إنعاش الاقتصاد، وخلق الكثير من فرص العمل، وتنويع مصادر الدخل، وهذا ما نجحت فيه الكثير من الاقتصادات الآسيوية الناشئة.

فعند النظر إلى دول مثل تايوان وكوريا وسنغافورة وماليزيا، وحتى الاقتصادات الكبيرة، مثل اليابان والصين، نجد أن هذه الدول استطاعت أن تتطور وتتقدم من خلال التصنيع، ونجحت هذه الدول في بناء اقتصادات نابضة بالنشاط والحيوية ومتنوعة، قائمة على قوى عاملة جيدة التعليم وقوية الإنتاجية، وهذا النوع الأول من الاقتصادات ويطلق عليه الاقتصادات الإنتاجية.

أما النوع الآخر من الاقتصادات، والذي ينطبق على الحالة الكويتية، فهو الاقتصاد القائم على استخراج الموارد الطبيعية والصرف منها على ميزانية الدولة، سواء في تنفيذ مشاريع، أو دفع أجور ومرتبات، ولا يعني هذا أن الموارد الطبيعية لم تساعد اقتصادات بعض الدول في تحقيق التقدم، فالدول التي تملك موارد طبيعية واستطاعت أن تستفيد جيداً منها حققت تقدما ملموسا في وقت قصير، لكن المشكلة في الكويت تكمن في الاعتماد الكلي على الموارد الطبيعية، في غياب القدرة المحلية على خلق قيمة مضافة إلى الاقتصاد، وهذا بالتأكيد لا يؤدي إلى اقتصاد متطور ومجتمع منتج لا يعتمد في دخله اعتماد كلي على الحكومة.

الخريطة الإنتاجية

وعند النظر إلى الخارطة الإنتاجية في الكويت، نجد أنها خارج نطاق المنتجات والخدمات البسيطة للاستهلاك المحلي، فدخل الأفراد يأتي مباشرة من وظائف حكومية تعتمد اعتمادا كليا على إيرادات النفط، أو من إعادة توزيع ثروات النفط من قبل الحكومة، وكذلك تطوير البنى التحتية من شبكات مواصلات وطاقة كهربائية وماء وموانئ، جميعها يتم تمويله من إيرادات النفط والمبالغ المالية المستثمرة في الخارج، ولا يأتي التمويل نتاج مشاريع حقيقية تدر دخلا على الدولة، لذلك، فإن ما يُطلق عليه «تنمية» في الكويت هي غير فعالة اقتصاديا.

والأمر الذي لا جدال فيه، والذي أكدته مئات الدراسات والتقارير الاقتصادية، أن جميع إيرادات النفط لن تكون كافية للدفع بالكويت تجاه القيام بتنمية أكبر وأكثر قوة ومتانة، وذلك للعديد من الأسباب، على رأسها أن هذه الإيرادات ليست ثابتة، وتتغير بتغير أسواق الطاقة والطلب على النفط، كذلك، فإن الطلب على الطاقة التقليدية من المتوقع أن يتراجع خلال السنوات المقبلة، وهو ما يهدد أسعار النفط، وقد تجد الدول المعتمدة على هذا المورد نفسها عاجزة عن سداد فاتورة المرتبات والأجور، التي تتزايد عاما بعد الآخر.

خلق فرص العمل

ونظراً لضعف تنفيذ المشاريع الإنتاجية في الكويت، مما قلل خلق فرص العمل، حلَّت الكويت في الترتيب قبل الأخير خليجياً في القدرة على خلق فرص العمل.

وقد أظهرت دراسة حديثة صدرت في مارس من العام الحالي أجرتها شركة «غلف تالنت»، المتخصصة بالتوظيف، أن الكويت تحتل المرتبة قبل الأخيرة خليجياً من حيث النمو المتوقع في التوظيف للعام 2014.

وبخصوص العام الماضي.. فوفقا للدراسة، جاءت المملكة العربية السعودية في مركز ريادي في خلق فرص العمل خلال 2013، تليها دولة الإمارات العربية المتحدة، وتصدر قطاع الرعاية الصحية القائمة من حيث توفير فرص العمل، وذلك بنسبة 80 في المائة، ويعزى السبب إلى الاستثمارات الحكومية الضخمة التي شهدها هذا القطاع في هاتين الدولتين، في حين تنافس قطاعا الاتصالات، وتجارة التجزئة على المرتبة الثانية في القائمة.

إهمال التقدم التكنولوجي

أما في مجال الاستفادة من التقدم التكنولوجي من أجل تعزيز الإنتاجية وتعزيز التنافسية الاقتصادية، كالعادة، حلت الكويت في المرتبة الأخيرة خليجياً في استخدام التكنولوجيا.

ووفقا تقرير اقتصادي لمجلة «أرابيان بيزنس» صدر أبريل الماضي، حلَّت الكويت في المركز الأخير بين دول مجلس التعاون الخليجي، وفي المرتبة 72 عالمياً، لتتراجع 10 مراكز عن العام الماضي ضمن قائمة الدول الأكثر استخداماً للتكنولوجيا التي أصدرها منتدى الاقتصاد العالمي وجامعة «انسياد» لإدارة الأعمال، وجاءت قطر في المركز الأول عربياً و23 عالمياً، ضمن اللائحة التي تضمنت 148 دولة حول العالم.

وأشار التقرير إلى تفاوت كبير وغياب للجهود اللازمة من أجل سد الفجوة في مجال التطور الرقمي بين الدول الناشئة والنامية وبين الدول المتقدمة تكنولوجياً.. وتشير هذه الفجوة المتزايدة إلى أن الدول الأقل تطوراً في استخدام التكنولوجيا لن تستفيد من المزايا المهمة لوجود تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، مبيناً أن الدول التي لم تحل في المراكز المتقدمة (وبالطبع منها الكويت) لاتزال تعاني ضعفا كبيرا في القدرة الإجمالية على الابتكار، ما يحرمها من الاستفادة الكلية من تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وتحقيق عوائد أعلى وإنتاجية أفضل، ومن ثم عدم القدرة على تعزيز المنافسة الاقتصادية. وتوصل التقرير إلى أن هذه الدول تحتاج إلى أكثر من مجرد بنية تحتية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، من أجل زيادة المنافسة، إذ إنها بحاجة إلى استراتيجية شاملة، من أجل تشكيل بيئة تساعد على اكتساب المهارات والابتكار والريادة للازدهار الاقتصادي وزيادة الإنتاجية.

توزيع غير عادل للثروة

من مشكلات الاقتصادات القائمة على الموارد الطبيعية، أن توزيع الثروات فيها لا يكون متكافئا، ولا فاعلا، فهذه الثروات تذهب إلى عدد قليل من الناس، هم غالبا من الصفوة، ووصولهم إلى المكانة التي هم فيها يعود إما لأسباب عائلية وإما لعلاقات سياسية، وليس لمهارات يتميزون بها أو لإنتاجيتهم.
أما في الاقتصادات النابضة بالحيوية والنشاط، القائمة على التصنيع والتنافسية، يمتلك الثروات في غالب الأحيان المبتكرون والمشغلون الأكفاء، وهؤلاء هم من يملكون الفرصة لبلوغ أعلى المراتب، وهذا النظام بالتأكيد هو أفضل من المحسوبية السياسية.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *