الرئيسية » قضايا وآراء » محمد جاد : الإعجاز العربي!

محمد جاد : الإعجاز العربي!

محمد جاد
محمد جاد

لم تتخلص الدول العربية طوال تاريخها من منطقها الخاص، المُنافي لأي منطق، فلا توجد خطط طويلة أو حتى قصيرة الأجل تضعها السلطة أياً كان ممثلها.. ملك، أمير، رئيس، فالمسميات مُختلفة ولا تتحد إلا في المعنى. فطبيعة العرب ومَن ساء حظه وانتمى إليهم، سواء عن طريق الجغرافيا، أو تسرب إليه وباء نهجهم، لم تجنح بهم عن النهج الرعوي، فالاستقرار هو الاستثناء، بخلاف التقلب والتغيّر والترحال. وليس أدلّ من ذلك على المعنى الدلالي لكلمة «دولة» في العربية، وهي التبدل والتغيير، فمسألة الاستقرار هي السمة الطارئة على الوعي العربي. ولم تخط السلطة نهجها المُستقر إلا من خلال خططها الأمنية في وجه مُعارضيها، سواء حقيقيين أو وهميين، وهي الخطة المنهجية الوحيدة ذات النفس الطويل، التي يحرص عليها كل حاكم عربي.

أما أن يضع الحاكم خططا اقتصادية واجتماعية ترقى بحال الشعب، فهو فعل خيالي يكاد يتفوق على السراب. وهناك عامل آخر يتكامل وفكرة السلطة العربية، وهو أن الحاكم لا يفصل بينه وبين الدولة التي يحكمها، فيختصرها بشعبها وأرضها، وحتى سماواتها في شخصه المتواضع! ويريد إجبار المخلوقات سيئة الحظ، التي يُطلق عليها في المحافل والخطب الطويلة لفظة «الشعب» أن تؤمن بأن الدولة تتلخص في الفرد الخارق، صاحب القدرات غير المحدودة، وصاحب الفضائل غير المنقوصة، المُسمى بالحاكم رضيّ الله عنه، وأنه ــ الحاكم ــ لم يكن سوى اختياراً إلهياً، فلا بد من الإيمان به وبوجوده والعمل على طاعته طاعة العميان. مسألة الانتخابات وما يحوطها دوماً من شبهات في عالم العرب، ما هي إلا ألعاب لإلهاء صغار العقول من الحالمين بحرية ما، أو عالم أفضل مُغاير لما نعيشه، ولكن في النهاية، حتى بعد هذه اللعبة الساذجة/الانتخاب، سيكون الأمر إتماما لمشيئة إلهية، لا يستطيع فهمها إلا المؤمنون. فهل سيسمح طريق المعجزات الطويل في حياة الحاكم العربي ــ حياة الشعوب أمر ثانوي لا يصل إلى مرحلة التقديس ــ بوجود برنامج انتخابي يلتزم الحاكم بتنفيذه أمام شعبه، وإلا سقطت شرعيته؟ فهل سمعنا يوماً بمعجزة تعترف بمنطق؟!

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *