الرئيسية » قضايا وآراء » ناصر العطار : الأمانة

ناصر العطار : الأمانة

ناصر العطار
ناصر العطار

حين تترسخ الأوهام في ذهن الإنسان، يعتقد بأنها حقائق، وإذا لم يبادر إلى مراجعة ما يعتقد به، حتى يتأكد من مدى صحته وصوابه، فإن حياته ستسير وفق ما ترسخ في ذهنه، ما قد يؤدي إلى تعطيلها وسلب حقوقها فيها.

وفي الحياة السياسية العربية، التي تؤثر في شؤون كل إنسان عربي، هناك أوهام استمرت، فاستمرأها أصحابها، حتى ظنوا أنها حقائق مسلّم بها، لا تتبدَّل ولا تتغيَّر، ولا يحق لأحد نفيها أو حتى مراجعتها، ومن بين هذه الأوهام أن الأمة ليست ملكا لشعبها ومواردها.. وليست حقا له، وهويتها لا تجمع أفراده، ولغتها لا تمد الترابط بينهم، وتحدياتها لا تعنيهم، وعدوهم لا يشكل تهديدا لهم، بل بات الوهم يُصور أن الأمة، بكل ما فيها، ملكاً للأنظمة الحاكمة التي هي عامل – وهكذا يقال – وحدة الأمة واستقرارها.

إن مرجع هذا الوهم يعود إلى نظرة يشوبها القصور وعدم الإنسانية تجاه شعوب الأمة.. وبصراحة، أقول إنها تهدف، بقصد أم من دون قصد، إلى تكريس أوضاع مفيدة للأنظمة ونخبها وللقوى المستفيدة داخليا وخارجيا.. فهل هناك وهم أكبر من هذا الوهم؟ نعم، أظن أن هناك وهماً ثانياً لا يقل خطورة عن الأول هو أن شعوب الأمة ليست في أغلبيتها سوى جهلة غوغائيين أو انتهازيين أو متطرفين، والصفة الأخيرة يراها البعض أنها عبارة عن ثقافة راسخة في فكر وسلوك الشعب العربي، وكأن الأمة غابة شاسعة ينهش القوي فيها لحم الضعيف من منطلق القوة أو الشهوة.

إن هذه الأوهام ساقطة لا تتشكل إلا في عقل من يهدف للإبقاء عليها لمصلحته أو في نفس من هو محبط ويائس، ولعل من المناسب هنا أن أبين وجهة نظري في ربيع العرب الموصوف بالمؤامرة الغربية، التي جاءت بالأصولية لتحكم المنطقة العربية.

إن هذا الوصف لو سلمت بصحته، فإنه لا يأتي بجديد على حال المنطقة، التي كانت تعاني أساسا تحالفا غربيا أصوليا يخنقها، قبل أن يهب الربيع عليها يقتلع أنظمة كانت وسيط هذا التحالف والدافع الأول له، أما لو اختلفت مع هذا التفسير، فإن معطيات غضب الشعب العربي واضحة، واشتعال جذوة الثورة لديه كانت لأسباب منطقية لا تكاد تخفى على كل ذي بصر وبصيرة، ولو جاءت إشارة من الخارج لتحرك الشعب العربي ضد كثير من أنظمته التي تسببت في مأساته، فإن هذه الإشارة الخارجية تجاهلت أو جهلت حقيقة أنها هي نفسها كانت وراء المأساة سنوات طويلة، وسيكون رفض الشعب العربي إذن لكل من يهين كرامته قاطعا، ولنا في مصر مثال، فقد رفض أهلها طغيان مبارك، ثم رفضوا تطرف الإخوان المسلمين، ثم رفضوا تحكم البيت الأبيض، وأيا كان تفسير ربيع العرب، فإن سلمية حركة الشعب العربي بقيت قائمة رغم الصواريخ التي وجهت إليها، والرصاص الذي أطلق عليها، والاعتقالات التي حاصرتها، والاتهامات التي شوهتها، ما يؤكد، في ظني، أصالة الناس وحقهم على أرضهم. إن الأمانة تفرض أن يملك الشيء أصحابه، وأصحاب هذه الأمة هم مواطنوها، وواجبهم أن يبددوا الأوهام وينتصروا لأمتهم ولمبدأ العيش المشترك.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *