الرئيسية » محليات » من وحي الحلقة النقاشية ومداخلة المليفي: شيطان سنغافورة.. وثوب «التربية» المهلهل

من وحي الحلقة النقاشية ومداخلة المليفي: شيطان سنغافورة.. وثوب «التربية» المهلهل

المليفي خلال الحلقة النقاشية
المليفي خلال الحلقة النقاشية

كتب محرر الشؤون المحلية:
تقول الحكاية الأولى، وفقا لمحدثي، إنه في عام 1972، في وزارة التربية، وفي حجرة صغيرة في الإدارة الثقافية المخصصة لسحب الأوراق على جهاز «الرنيو» – وهي آلة كانت تستخدم لسحب أوراق الاستنسل قبل شيوع آلة التصوير حالياً- شاهد الموظف المسؤول عن الترجمة من اللغة الإنكليزية إلى العربية، وهو يقوم بتقطيع ورق «الاستنسل» الحريري وبعض الأوراق.. كانت مهمة المترجم في ذلك الوقت ترجمة التقارير الواردة لوزارة التربية من الجهات الأجنبية إلى اللغة العربية، لرفعها لإدارة الوزارة العليا، كون موظفيها لا يستطيعون قراءة التقارير باللغة الإنكليزية بالمطلق، لذا كان الموظف «أبوهشام» يقوم طوال دوامه بترجمة تلك التقارير، تمهيداً لرفعها للإدارة القيادية.

إذن، لماذا كانت تتم عملية إعدام التقارير، بما في ذلك الورق الحريري الخاص بآلة السحب؟ كانت هناك نسخة بخط يد المترجم اطلع محدثي عليها قبل تمزيقها، وهي عبارة عن تقرير مسحي قامت به منظمة يونسكو في ذلك الوقت، لدراسة تعليم اللغة الإنكليزية في مدارس الكويت الحكومية.. ويخلص التقرير إلى عدم وجود مدرّس واحد لتعليم اللغة الإنكليزية في الكويت، ولم يجد في مسحه الميداني هذا إلا الأستاذ نايف خرما كشخص تعليمي متمكن من اللغة الإنكليزية.. هذه النتيجة أدَّت إلى إعدام التقرير، بما في ذلك ورقة الاستنسل، الملطخة بأحبار ماكينة الرنيو.. بالطبع، المعالجة الموضوعية أن يتم تقويم معلمي اللغة الإنكليزية بما يتناسب مع الأهداف التعليمية، ولكن الإدارة أرادت في ذلك الوقت كنس التقرير تحت السجاد، وبلا وجع رأس، وخاصة أن البعض من تلك القيادات التربوية مشغولون بأعمالهم الخاصة، من تجارة وغيرها، وغير مكترثين لتطوير التعليم أو معالجة الإخفاقات في بعض جوانبه.

رواية أخرى

رواية أخرى يرويها د.أحمد الخطيب في حوار له مع وزير مالية أسبق مطلع الثمانينات، حول دخوله إلى الوزارة التي شُكلت عام 1981، وكانت بمثابة المحرقة له (للوزير)، وكان قد أبدى استعداده وحماسه لفعل أي شيء لمعالجة الأوضاع، كي لا ينظر الدكتور نظرة تشاؤمية للوضع.. وكان للدكتور أحمد طلب واحد لا غير، وهو أن يقوم محدثه الوزير وآخرون من الوزراء بطرح موضوع التعليم والنهوض به في مجلس الوزراء، بالتعاون مع بعض الوزراء الخيرين.. فأجابه محدثه، بأن هذا الطلب بسيط، ولديه من العلاقات الطيبة مع بعض الوزراء لتولي هذا الأمر.. ومضت الأيام، وبعدها كان هناك لقاء آخر، وسأل الدكتور عن طلبه الذي تقدم به، فأجابه محدثه: طرحنا الموضوع في مجلس الوزراء.. «وما بغينا إلا أنفسنا»، وكانت الإجابة حاسمة وبنبرة ناهرة «هذا ليس من شأنكم، بل من شأن وزير التربية فقط»!

الأضلاع التعليمية الـ 3

حكايات التعليم في الكويت لا تعدّ ولا تحصى على المستويات الثلاثة، أو الأضلاع الـ 3 للعملية التعليمية، كمناهج يخر منها العبث، والتعديلات والحشو الفارغ، إضافة إلى المدرسين غير المؤهلين لتولي عملية التعليم مع زيادة الدروس الخصوصية، الملجأ الإجباري للتحصيل العلمي.. وأخيراً المباني الحكومية التي وصلت الحال بها إلى خراب أجهزة التكييف في بعض مدارسها، ما استدعى ما يشبه التوبيخ من قِبل وزير التربية الحالي لمسؤولين في المناطق التعليمية، بعد تحوُّل الأمر إلى ظاهرة منتشرة في أغلب المدارس، وطلب منهم خلال لقاء ساخن أن مَن يُرد العمل، فليعمل بكفاءة، ومَن لا يقدر، فليغادر إلى التقاعد.. المهم الأذرع التعليمية الـ 3 في تدنٍ وانحدار مستمرين، ووراء كل انحدار حكاية وقصة.

لغة الأرقام

دعونا من الحكايات والقصص، ولننظر إلى ما تقوله لغة الأرقام الصادرة عن وزارة التربية ذاتها، حيث تورد إدارة الإحصاء البيانات التالية:

● ارتفاع أعداد المدارس الخاصة عام 2008 – 2009 – من 460 مدرسة خاصة إلى 504 مدارس عام 2012.
● ارتفع عدد الطلبة الكويتيين في المدارس الخاصة عام 2008 – 2009 من 50108 طلاب، ليصل عددهم عام 2012 إلى 62711 طالبا.

وهكذا، تذهب الأرقام نحو التصاعد، بتوجيه أولياء الأمور أولادهم إلى المدارس الخاصة، سواء كانت عربية أو ثنائية اللغة أو أجنبية بحتة، ليس حباً في التباهي، فهم ملزمون بدفع الأقساط السنوية، التي عادة ما تكون مرتفعة من سنة لأخرى، ولكنهم ومن واقع احتكاك بسيط، يرون ويتابعون حالة التردي التعليمي على مستوى المدارس الحكومية، وهذه الارتفاعات في أعداد المدارس والطلبة غير محسوبة خلال عقد من الزمن، بل خلال مدة زمنية لا تتجاوز الأربع سنوات فقط، لنجد أن المنحى في زيادة مستمرة، على الرغم من مجانية التعليم في الكويت، إلا أن الاتجاه ينمو نحو توجيه الأبناء للتعليم في المدارس الخاصة.

الحلقة النقاشية التربوية

مرد ما بيناه من قصص وأرقام، هي الحلقة النقاشية التربوية التي عقدت يوم الأحد من الأسبوع الماضي، لمناقشة تقرير مؤسسة سنغافورية لدراسة أحوال التعليم في الكويت.. لم نطلع، تفصيلاً، عما احتواه التقرير، ولكن، وكما هو معروف، فإن سنغافورة، بمساحتها الصغيرة وسكانها الذين لا يتجاوز عددهم الخمسة ملايين نسمة، تتمتع بتعليم عام متميز على مستوى المدارس أو الجامعات، لذا استعانت وزارة التربية بإحدى المؤسسات السنغافورية لإعداد هذه الدراسة التي نوقشت الأسبوع الماضي.. ووفق ما نقلته الصحافة اليومية، خلص التقرير السنغافوري إلى أن «الطلبة الكويتيين لديهم معرفة سطحية وبسيطة ويحتاجون إلى تطوير المعرفة للمستوى المطلوب للقرن الـ21، وإلى تغيير محتويات المناهج بشكل جاد، والقيام بنقلة نوعية للحصول على المعرفة بشكل سليم، وأضافت في تقريرها توصيات باستخدام التكنولوجيا في التعليم بشكل سليم، مع الإشارة إلى وجود مؤشرات خاطئة في استخدام التكنولوجيا، كما دعت الدراسة إلى التركيز على تعليم اللغة الإنكليزية والعلوم والرياضيات، كما نادت التوصيات بوضع المعلم المناسب في المكان المناسب، وبينت أن هناك خللاً كبيراً في تقييم الأداء للمدرسين، بمنحهم تقدير امتياز، خلاف المستوى الحقيقي لهم (جريدة الجريدة).

كما نشرت الصحيفة في تغطيتها لهذه الحلقة المداخلة التي قام بها وزير التربية أحمد المليفي، بالقول «المشكلة الحقيقية تكمن في الدخول بالتفاصيل، والتي عندها يبرز رأس الشيطان، ولكل مجتمع ثقافته وخصوصيته.. لذا، أنا أؤمن بأن المتخصصين في مجال التعليم من الكويتيين هم الأقدر على وضع التفاصيل والأهداف العامة للتربية، بعد الاستفادة من الأطراف العامة لتجارب الدول المتقدمة في التعليم، والاستفادة من الجانب الأكاديمي من أساتذة الجامعة والمتخصصين، حتى نستطيع تحويل الأهداف إلى أدوات حقيقية لبناء جيل المستقبل».

قدر من التشابه

ألا يوجد قدر من التشابه بين عملية إعدام ورقة الاستنسل، وما تفضل به السيد المليفي في مداخلته، مع اختلاف الظروف والأوضاع؟

لماذا إذن، ومنذ فترة زمنية طويلة، نسبيا، تقوم الوزارة بزيارة المؤسسات التعليمية والاطلاع على الوضع التعليمي في سنغافورة، والتعاقد مع إحدى المؤسسات فيها لإعداد دراسة ميدانية عن أوضاع التعليم في الكويت، إذا كان وزير التربية سيدلي بمداخلة تعني في ما تعنيه ما يشبه الرفض لتلك الدراسة «مادام الشيطان يكمن في التفاصيل»؟ ولا نعرف عن أي شيطان موجود في تفاصيل الدراسة السنغافورية!

عملية بناء مجتمعي

وتبقى لنا كلمة أخيرة، نعرف أن تمديد كيبل كهربائي من اختصاص وزارة الكهرباء، وتعبيد شوارع من اختصاص وزارة الأشغال العامة، وهذا ينطبق على كافة الوزارات، فمن لا يملك تجارة أو مصلحة تجارية من المواطنين، فليس له غرض بوزارة التجارة ليراجعها، كونه لا يقوم بأي نشاط تجاري، وبالتالي، ليس له علاقة بهذه الوزارة.. أما «التربية»، فهي تشمل كل المجتمع وسكان البلاد، فهي التي تؤهل الكوادر لكافة الوزارات وحتى القطاع الخاص، على أن يكون التأهيل بمستوى مرئيات المستقبل.. لا يمكن لأي مواطن أن يقول ليس لي علاقة بالتعليم على المستوى الشخصي أو لمن لديه أبناء، فهي عملية بناء مجتمعي متواصل وشامل في الوقت ذاته، والعملية ليست محصورة بوزارة التربية وحدها، على غرار مدّ اسفلت في الشوارع أو كيبل كهرباء وغيرها من الخدمات الأخرى.. هي رسالة ودور مهم يفترض أن تتولاه السياسة العامة للدولة، ومجلس الوزراء هو المسؤول عن هذا القطاع، ولا تحدد المسؤولية في إطار وزارة التربية أو وزيرها.

إن ما يردد أن «الشق عود» نقول إن ثوب «التربية» غدا مهلهلا، لا تكاد تلمسه حتى يذوب بين يديك!

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *