الرئيسية » إقتصاد » إصلاح الميزانية يبدأ بالقضاء على الفساد.. وليس بإلغاء الدعم عن السلع الضرورية

إصلاح الميزانية يبدأ بالقضاء على الفساد.. وليس بإلغاء الدعم عن السلع الضرورية

الكويت تعاني منذ عقود خللاً في الميزانية.. والحلول التي تطرح مازالت سطحية
الكويت تعاني منذ عقود خللاً في الميزانية.. والحلول التي تطرح مازالت سطحية

كتب محرر الشؤون الاقتصادية:
في الوقت الذي تتحدَّث فيه الحكومة عن إلغاء الدعم عن بعض المواد، مثل الديزل والبنزين، وتقليله على الكهرباء، في محاولة لضبط الإنفاق في الميزانية العامة للدولة، نجد الهدر والإسراف المالي في القطاع الحكومي يفوق سنويا ما تعتقد الحكومة بأنها ستوفره من إلغاء هذه الدعومات، فكم من الأموال أهدرت باسم مشاريع لا نجدها على أرض الواقع! وكم من الأموال أهدرت على دراسات جدوى ومكاتب استشارية وسفريات وتنقلات على مشاريع نتحدَّث عنها منذ عشرات السنين من دون أن تنفذ حتى الآن!.. الأمثلة على ذلك كثيرة ومتعددة لا يسعنا المجال لذكرها – وكم من الأموال أهدرت بسبب التخبط في الإدارة وحرب المصالح، وليس أدلّ على ذلك من غرامة «الداو» المليارية! وكم من المليارات أهدرت باسم التنمية التي لا وجود لها، ومصيبة خطة التنمية ذات الـ 125 مليار دولار ما زلنا نعيشها! وكم من الأموال أهدرت على مشاريع، ثم بعد تنفيذها وجدنا أنها لا تصلح!.. وبعد كل هذه الأموال المهدرة نجد الحكومة تعتقد بأنه بإلغائها الدعم المقدَّم للسلع التي يحتاجها المواطن في حياته اليومية ستحل المشكلة، وستعالج خلل الميزانية، ويبدو أن الحكومة كما يقول المثل الشعبي «أبوي ما يقدر إلا على أمي»، فالحكومة لم تستطع معالجة الفساد والإهدار المالي المترسخ في أكثر من جهة، ولا التخبط الإداري الذي يتسبب في إهدار مليارات الدنانير سنويا، ولم تستطع الحديث عن هدر مئات الملايين في الزيادات السنوية على رواتب وأجور فئات بعينها، إرضاءً لرغبات نيابية، وكسباً لتأييد نيابي في تمرير قوانين وقضايا بعينها، لم تستطع الاقتراب من كل هذا، وأول ما فكرت فيه، هو رفع الدعم عن سلع وخدمات يستفيد منها المواطن البسيط، الذي بالكاد راتبه يكفي الأعباء المعيشية المتزايدة.

تخفيض الدعم

وقد جاء على لسان وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء الشيخ محمد العبدالله، في لقاء تلفزيوني الأسبوع الماضي، أن أكثر من 70 في المائة من ميزانية الدولة تذهب إلى الباب الأول، الخاص بالرواتب والأجور ودعم السلع، مشيراً إلى وجود دراسة مطروحة على الحكومة لترشيد دعم منتج الديزل، مبيناً أن دعم الديزل يكلف الدولة 600 مليون دينار سنوياً، وسوف يتم خفض دعم الديزل، والدعم الممنوح للفئات غير المحتاجة، مبينا أيضاً أن الحكومة متجهة إلى إعادة النظر في دعم البنزين، من أجل توفير 600 مليون دينار وتخفيض استهلاك الوقود.

وذكر الوزير في اللقاء أن الديزل ليس مادة ضرورية للمواطن العادي، وهذا كلام يجافي الحقيقة، حيث إن الديزل هو وقود وسائل النقل التي تنقل كل البضائع من مواد غذائية وسلع استهلاكية وملابس، وأدوات بناء، وحتى الأدوية والأجهزة الطبية في بعض الأحيان، وتوجه الحكومة لإلغاء الدعم عن هذه المادة، إذا كان سيكون له تأثير على الشركات، فإن التأثير الأكبر سينعكس على المواطن البسيط، فالشركات لن تحمّل نفسها أي خسائر من جراء ارتفاع أسعار الديزل، وأي زيادة سوف تحمّلها على تكلفة النقل، وهذا بدوره سيرفع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، ومواد البناء، وكل ما يحتاجه المواطن في حياته اليومية، وسنشهد ارتفاعا جنونيا في جميع الأسعار، ما سيثقل كاهل المواطن أكثر وأكثر، فأسعار النقل عنصر أساسي من عناصر تحديد ثمن السلعة، وإذا ارتفعت كلفة النقل، فبالضرورة سوف ترتفع أسعار السلع، وحتى السلع التي لا يؤثر ارتفاع الديزل فيها سوف ترتفع تواكبا مع موجة الارتفاع، ومع ارتفاع الأسعار سنجد مطالبات وضغطا شعبيا ونيابيا برفع المرتبات للتخفيف من أعباء الغلاء، ومن ثم تحميل ميزانية الدولة مليارات جديدة.. وبدلا من أن تعالج الحكومة الخلل في الميزانية، تزيده تعقيدا، فالنظرة الحكومية القاصرة التي تعتقد بأنها سوف تعالج الميزانية بتوفير بضعة ملايين، سوف تزيد الأمور تشابكاً وتنعكس سلباً على المواطن، وتحمل الميزانية أعباء بمليارات الدنانير.

تهريب الوقود مستمر

وإذا كانت الحكومة جادة في إصلاح الخلل في الميزانية حقا، فعليها القضاء على الفساد والهدر المالي في منطومة توزيع المنتجات النفطية، حتى لا يتم تهريبه إلى دول الجوار، من خلال «حرامية» الديزل، الذين تضخمت ثرواتهم، ومازالت تتضخم عاما بعد الآخر، تحت مرأى ومسمع الجهات المسؤولة، التي ينصب اهتمامها على تشكيل اللجان فقط، فكم لجنة شكلت لبحث هذه الظاهرة ولم تصل إلى نتيجة؟ مع العلم أن الجهات التي تقوم بالتهريب معروفة للجهات المسؤولة! فمسلسل التهريب مازال مستمرا، وبكميات هائلة، وإذا كانت وسائل الإعلام تطالعنا بين الحين والآخر بضبط شاحنة أو حاوية ممتلئة بالديزل قبل تهريبها، فهناك مئات الشاحنات والحاويات التي تهرب ولا يتم ضبطها، وقد قدرت إحصائيات أن أكثر من ثلث إنتاج الكويت من الديزل يذهب تهريباً إلى دول الجوار، وعلى الحكومة قبل أن تتحدث عن الغاء الدعم عن مواد ضرورية ستؤثر في حياة المواطنين والوافدين، وقبل أن تفكر في معاقبة كل الناس وترفع عليهم أسعار كل السلع والخدمات، عليها أن تضبط «حرامية الديزل»، وإذا كانت الحكومة عاجزة عن ضبط هذه العصابات، وإحكام السيطرة على المنافذ من أجل القضاء على هذه الظاهرة، ولا تقوى إلا على المواطن البسيط، فهذه مصيبة.

تغلغل الفساد

وإذا كانت الحكومة جادة في إصلاح الخلل الحادث في الميزانية حقا، فعليها القضاء على الفساد والهدر المالي المسيطرين على مؤسسات ووزارات الدولة، فالكويت – وفقا للإحصائيات- جاءت بأعلى نسبة فساد خليجياً في العام 2013، وتراجعت وفقا لمؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية 2013، من المرتبة الـ 66 في العام 2012، إلى المرتبة الـ 69 عالميا في 2013.

ووفقا لمؤشر مدركات الفساد، احتلت الكويت المركز السابع عربيا والأخير خليجيا، فيما جاءت دولة الإمارات العربية المتحدة في المركز الأول عربيا وخليجيا، وتمكنت الإمارات من انتزاع لقب الدولة الخليجية والعربية الأقل فسادا، بعد أن حلَّت في المرتبة ذاتها عام 2012 مع دولة قطر، ويُعد مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية بمنزلة تحذير من إساءة استخدام النفوذ، والتعاملات السرية، والرشوة، وإصدار التراخيص المحلية، وحتى انفاذ القوانين واللوائح، والسيطرة على مؤسسات الدولة لتحقيق مآرب خاصة، والفساد في الإشراف على العقود العامة الكبيرة.. وكل هذه من مخاطر الفساد الكبرى، وهي المشكلات الرئيسة في تخريب المجتمعات في شتى أنحاء العالم، لذلك شدد التقرير على ضرورة أن تكون المؤسسات العمومية أكثر انفتاحاً في ما يخص عملها وأنشطتها، وأن يكون المسؤولون أكثر شفافية في صناعة القرار، وجعل المؤسسات الكبرى أكثر شفافية.

وهذا النجاح الذي حققته دولة الإمارات في القضاء على الفساد، بالإضافة إلى مجموعة من العوامل الأخرى، جعلها تصل إلى هذا التقدم والازدهار الذي هي عليه الآن، ونجحت في تنويع مصادر دخلها ومعالجة أي خلل في ميزانيتها، وبالتالي تحقق هذا المستوى من الرفاهية لمواطنيها، ولم تفكر الإمارات في إلغاء دعم سلعة عن مواطنيها، لتغطي فشلها في ضبط الإهدار في ميزانيتها، واللافت في تقرير مدركات الفساد 2013، أن كل الدول الخليجية إما حافظت على ترتيبها للعام 2012، أو أحرزت تقدما في 2013، باستثناء الكويت، التي سجلت تراجعا في هذا المجال.

العلاج

إن الأجدر بالحكومة بدلاً من التفكير في إلغاء دعم سلعة أو سلعتين، لإصلاح خلل الميزانية أو تقليل التكلفة، أن تحارب الفساد وتقضي عليه، فهذا هو الخلل الرئيسي في الميزانية، وليس دعم السلع، والإصلاح يبدأ من محاربة الفساد، وتنويع مصادر الدخل والتنوع الاقتصادي، وهذا الأمر أكدته تقارير صندوق النقد الدولي التي أعدَّها للكويت، فقد ذكر الصندوق أن العلاجات الاقتصادية المعروفة، ومنها الارتقاء بأهداف التنوع الاقتصادي، وتوفير الحوافز لتوظيف المواطنين في القطاع الخاص غير النفطي واحتواء نمو أجور ووظائف القطاع الحكومي، وإجراء إصلاح شامل لتحسين الأداء الاقتصادي وتحفيز نمو القطاع الخاص، اطلعت عليها الكويت أكثر من مرة، سواء من «الصندوق»، أو من جهات اقتصادية أخرى، لكنها لم تنفذها على أرض الواقع، ولم تعمل بها في كثير من الحالات.

وبينت تقارير صندوق النقد الدولي، أن الاقتصاد الكويتي كان جيداً، بفضل أسعار النفط المرتفعة، لكن البلاد بحاجة إلى تعزيز الإيرادات غير النفطية، إذا ما أرادت الوصول إلى مراحل متطورة من التنمية، فالبلاد بحاجة إلى إصلاحات هيكلية لتحسين بيئة الأعمال، وتنويع أنشطتها، بعيداً عن النفط، وخلق وظائف في القطاع الخاص.. وهذه كلها أهداف الأجدر أن تخطط الحكومة لتحقيقها، قبل أن تفكر في إلغاء الدعم، وينحصر تفكيرها في إلغاء دعم بعض السلع الضرورية للمواطن، معتقدة بأن هذا هو الإصلاح.

والمؤكد أن الدولة بحاجة إلى اتخاذ خطوات أكثر في التنويع الاقتصادي، كي تكون قادرة على تعزيز الإنتاجية ومعايير المعيشة، وخلق وظائف، حتى إذا ما فكرت في تقليل الدعم، أو حتى إلغائه، لا يتأثر المواطن كثيراً طالما هناك إنتاجية، وهناك مزيد من الدخل له، وتبقى هناك وظائف متوافرة للمواطن تدر عليه دخلا يمكنه من المعيشة، ولكن الحكومة تفكر في إلغاء الدعم، ولا توفر فرص العمل لمواطنيها، فكيف يعيش المواطن؟

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *