الرئيسية » الأولى » عبد الله النيباري : مجلس الأمة يخنق الرقابة البرلمانية

عبد الله النيباري : مجلس الأمة يخنق الرقابة البرلمانية

عبد الله النيباري
عبد الله النيباري

ما جرى في مجلس الأمة في جلسة الثلاثاء، الموافق 2014/4/29، من شطب للاستجواب المقدَّم لرئيس مجلس الوزراء الشيخ جابر المبارك، أمر في غاية الخطورة، فهو عبارة عن تضييق الخناق على ممارسة الرقابة البرلمانية على الحكومة، وهي الوظيفة الأساسية للبرلمان في النظام الديمقراطي.

وقبل الاستطراد في هذا الموضوع، أود أن أشير إلى ما لفت نظري، وهو ما جاء في تصريح رئيس مجلس الأمة مرزوق الغانم، عن محاولات لزعزعة الاستقرار السياسي، ومخططات للنيل من استقرار المجتمع.
والأسئلة التي تتبادر إلى الذهن، هي: ما هذه المحاولات والمخططات؟ ومَن هم مدبروها؟ ألا يقتضي الأمر إعلانها، لاطلاع المواطنين عليها؟ أليس هم أصحاب الشأن في أمر يمس حياتهم وحياة أبنائهم؟

إن هذا الكلام يأتي في ظروف ما أثارته قضية الشريط، والحديث عن التحويلات المالية الضخمة، وتراكم الثروات الهائلة.

أليس المطلوب من المواطنين التصدي لمثل هذه المحاولات والمخططات؟ فلماذا التستر عليها، بعد اكتشافها ومعرفة مدبرها؟ وخطورة مثل هذا الكلام، أنه ينقل عن أعلى سلطة في الدولة، وليس كلام وسائل إعلام أو نشطاء سياسيين .

أما موضوع موافقة مجلس الأمة على طلب الحكومة، برفع الاستجواب من جدول الأعمال، أي شطبه وإلغاؤه، بحجة أن رئيس مجلس الوزراء لا يُساءل عن أعمال من اختصاص الوزراء، فهو قرار يؤدي إلى خنق الرقابة البرلمانية على أعمال الحكومة، وإلغاء ممارسة دورها، وهي – أي الرقابة – تعد الوظيفة والواجب الأساسي للبرلمان.

وكما يُقال «حيث تكون السلطة، تكون الرقابة والمساءلة»، فالرقابة هي الوظيفة الأساسية، وهي حق الأقلية المعارضة، إن وجدت، حتى لو كانت تتكوَّن من نائب واحد، وهو حق تكفله الدساتير، ولا يوجد سبب واحد يُجيز للحكومة أو أغلبية أعضاء المجلس حرمان عضو واحد من ممارسة حقه في مساءلة الحكومة، رئيس وزراء ووزراء، لأنه في الأنظمة الديمقراطية الحكومات تشكَّل من أغلبية المجلس، وبالتالي، فإن هذه الأغلبية تضمن الموافقة على كل التشريعات التي تتقدَّم بها، لكنها لا تملك أن تُصادر باستخدام أغلبيتها حق الأقلية في الرقابة والمساءلة على أعمالها.

نقد واعتراض

ولا قيمة للاحتجاج، بأن رئيس الوزراء مسؤول عن سياسة الحكومة.. أما الأمور التنفيذية، فهي من اختصاص الوزراء، وفي هذه الحال، فإن قرار المحكمة الدستورية، بموافقتها على رأي الحكومة، هو محل نقد واعتراض، كما انتقد المرحوم د.عثمان عبدالملك قرار المحكمة الدستورية، بشأن مرسوم تعديل قانون الانتخابات عام 1981، والشيء نفسه ينطبق على مرسوم الصوت الواحد. ومن التقاليد المتعارف عليها، أنه في حال الاختلاف حول تفسير نص دستوري، يتم الرجوع إلى المناقشات التي دارت عند وضع الدستور، لمعرفة ماذا كان يدور بذهن المؤسسين، وما قصدهم.

استذكار مواقف

وهنا نستذكر ما دار في مناقشات لجنة وضع الدستور، أقتطف بعض الفقرات منها، لنرى كيف كان موقف أولئك الرجال، وموقف مجالسنا اليوم.

يقول رئيس المجلس التأسيسي عبداللطيف ثنيان الغانم إنه بالنسبة للمادة 100، من مشروع الدستور «إذا كان الوزراء، كل منهم مسؤول عن التفاصيل في خصوص وزارته، فإن السياسة العامة للحكومة، وهي الأهم، مسؤول عنها رئيس الوزراء».
ويقول وزير العدل حمود الزيد «إذا كان مجلس الوزراء هو الذي يرسم السياسة، والوزير هو الذي ينفذها، فكيف نحاسب المنفذ ولا نحاسب المسؤول الأول عن وضع السياسة كلها؟ وكيف يصبح المسؤول الأول في الوزارة غير مسؤول، وهو رئيس الوزراء، ويتصرَّف في جميع الأمور على هواه دون رقابة».

كلام المؤسسين منطقي ودستوري، فالمادة 123 من الدستور تنص على «يهيمن مجلس الوزراء على مصالح الدولة، ويرسم السياسة العامة للحكومة، ويتابع تنفيذها، ويشرف على سير العمل في الإدارات الحكومية».

وقد استندت الحكومة، كما جاء في مداخلة وزير الدولة محمد العبدالله، ومداخلة وزير النفط علي العمير، إلى أن الاستجواب الموجَّه لرئيس الوزراء ينحصر نطاقه في حدود اختصاصه في السياسة العامة للحكومة من دون أن يتعدَّى ذلك إلى استجوابه ومساءلته عن أي أعمال تنفيذية هي من اختصاص الوزراء.

وجادل وزير النفط بأنه هل من المعقول أن يساءل رئيس الوزراء كل يوم عن أعمال هي من اختصاص الوزراء؟

والجواب نعم، ففي البرلمانات صحيحة الديمقراطية يتم ذلك، ففي البرلمان البريطاني، مثلاً، تخصص جلسة كل أربعاء للمعارضة لطرح أسئلة على رئيس الوزراء والوزراء في كل شأن من شؤون الدولة، وعليهم الإجابة عنها، وهي بمنزلة استجواب أسبوعي لرئيس الحكومة ووزرائه، وهي من أهم جلسات البرلمان البريطاني، يحضرها كل الوزراء، وهو إجراء معمول به في كثير من برلمانات العالم.
وفي الكويت، فإن رئيس الوزراء هو الذي يختار وزراءه، وهو الذي يقترح تغييرهم، ويهيمن على مجلس الوزراء، وذلك وفق نص المادة السابق ذكرها (المادة 123). فمن الذي يقوم بهذه المهمة؟ هل الوزراء أم رئيس مجلس الوزراء؟

وبالعودة إلى البحث القيم للدكتور إبراهيم الحمود، الذي أنهاه بقوله «إن رئيس الوزراء يحافظ على السياسة العامة للدولة، وهو المسؤول عنها، وهي الإطار العام لأي سياسة للحكومة، فلا يمكن للسياسة العامة للحكومة إلا أن تستند إلى السياسة العامة للدولة، وتقوم بتنفيذها من خلال برنامج عمل الحكومة، والسياسة العامة للدولة وجهان لعملة واحدة، فمن خلال السياسة العامة للحكومة يتم التنفيذ والالتزام بالسياسة العامة للدولة، وفي إطار الأخيرة تعمل الحكومة وتحقق مشاريعها وخططها وبرامج عملها».

إذن، التمييز بين سياسة الدولة وسياسة الحكومة إذا كان وضع في نص الدستور، فقد يكون مواءمة سياسية، ولكن في الحقيقة أن الأمرين يتعلقان بإدارة شؤون الدولة ورعاية مصالح المواطنين، وهذا يعني أن كل عمل تنفيذي أو إجراء تقوم به مؤسسة إدارة حكومية يُساءل عنها رئيس الوزراء والوزراء، ولنا في تراثنا عبرة..
الخليفة أبوبكر الصديق، قال: «.. وليت عليكم، ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أرجع حقه، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله».

والخليفة عمر بن الخطاب قال: «لو أن بغلة عثرت في العراق لسألني الله عنها لم لم تمهد لها الطريق».

ألا يُساءل رئيس الوزراء، باعتباره المهيمن على أعمال مجلسه، وهو الذي يختار وزراءه ويغيرهم، ويرسم سياسة الحكومة، ويشرف على تنفيذها ويتابع أعمال وزرائه، عن التدهور والقصور وهدر الأموال وأزمة السكن وارتفاع الإيجارات والفساد الذي انتشر في جسم الكويت إلى أن وصل إلى رشوة النواب من مجلس الوزراء، لكي يضاف إلى الإيداعات النقدية في حسابات النواب الذين عادوا إلى مجلس الأمة؟!

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *