الرئيسية » محليات » مستشفى الجهراء.. كلاكيت ثالث مرة

مستشفى الجهراء.. كلاكيت ثالث مرة

● مستشفى الجهراء.. إلى متى سيبقى «الكلاكيت» يصفق؟
● مستشفى الجهراء.. إلى متى سيبقى «الكلاكيت» يصفق؟

كتب محرر الشؤون المحلية:
نشاهد في بعض الأفلام العربية، القديمة منها خاصة، منظرا تمثيليا يصور مشهدا سينمائيا للمخرج وهو جالس على الكرسي يراقب التصوير، قد لا يعجبه أداء الممثل أو الممثلة، فيطلب إعادة المشهد مرة أخرى، لتظهر يافطة «الكلاكيت»، معلنة إعادة المشهد مرة أخرى، ليأتي وفق رؤية المخرج، ويصيح من يتولى الكلاكيت «إعادة المشهد لثالث أو رابع مرة» وهو يضرب لوحة الكلاكيت السوداء.. وعلى المونتاج في ما بعد أن يختار المشهد الذي يختاره مخرج الفيلم لاعتماده.

هذا في عالم السينما والأفلام، ويبدو أننا تحولنا في حياتنا اليومية إلى نوع من الأفلام السينمائية، بحيث يحق لنا استخدام «الكلاكيت»، لإعادة المشهد مرة تلو الأخرى.

تجاوزات وتراخٍ في الإنجاز

حتى نكون أكثر تحديداً للموضوع، علماً بأن «الطليعة» قد تطرَّقت إليه في أعداد سابقة، ولكن نظرا لتكرار المشهد ذاته، ارتأينا التطرُّق إليه من جديد.. فنقول بداية محافظة الجهراء التي يصل عدد قاطنيها إلى ما يقارب نصف مليون إنسان يفتقرون للعناية الصحية، من جراء أعداد الزيارات للمراكز الطبية وقلة الأسرّة المتاحة للمرضى.. وهذا الأمر ينطبق على كافة المناطق الأخرى في الكويت، سواء في مستشفيات محافظة العاصمة، كالمستشفى الأميري أو مستشفى مبارك، الذي يكتظ بالمواعيد الطبية، أو الحالات التي تستدعي إجراء عمليات، أياً كان نوعها، والمواعيد المتباعدة لإتمام بعض الأشعات التخصصية لتشخيص الأمراض، ويزداد هذا الأمر بمنطقة الجهراء، نظراً لأعداد السكان هناك، وبسبب تأخر المشاريع الطبية المقرر إنجازها، ومنها مشروع مستشفى جابر، الذي بوشر بتصحيحه في عام 2004، بتكلفة مبدئية لا تزيد على الـ 60 مليون دينار، كما تم وضع حجر الأساس له عام 2007، ووصل المبلغ التعاقدي المبدئي مع المقاول إلى 304 ملايين دينار، ولا يشمل الأوامر التغييرية، كل ذلك «ماشي»، ولكن بقي تاريخ الانتهاء من المشروع، والذي من المفترض أن يكون في شهر ديسمبر من عام 2013!

هنا تجاوز في كل الاتجاهات، سواء بالكلفة التقديرية للمشروع، أو الفترة الزمنية لإنجازه.. 10 سنوات منذ بدء التفكير والخطوات الأولى لتنفيذ هذا المستشفى، أي منذ عام 2004، عندما لم تكن منطقة جنوب السرة قد شهدت بعد التمدد العمراني الذي نراه اليوم.

ومستشفى جابر، حكاية مؤلمة بامتياز، في ما يخص موضوع إنشاء مشاريع الدولة، وكمّ الوزراء الذين تعاقبوا على هذا المشروع منذ بدايته، ولايزال العمل به مستمراً حتى يومنا هذا.

هذا المشروع ليس ترفيهياً، يمكن الاستغناء عنه، بل ضمن الأولويات في الرعاية الطبية، ولتخفيف الازدحام عن مستشفى مبارك المكتظ بالمرضى.. ولكي لا نبتعد عن الموضوع الأساسي، لابد من العودة إلى مستشفى الجهراء، الذي يخشى أن يمر بالدائرة ذاتها من تراخي الإنجاز.

تدخل الديوان الأميري

لم تتولَ وزارة الأشغال العامة هذا المشروع، بل تولاه الديوان الأميري مباشرة، وسحب صلاحيات السلطة التنفيذية في هذا الخصوص على غرار مشاريع «الأشغال» الأخرى.. هدف الديوان إنجاز مستشفى الجهراء، بعيداً عن الروتين والدورة المستندية التي تتذرع وزارة الأشغال عادة بها، وكأن الدورة المستندية لم تنزل علينا إلا في هذه السنوات الأخيرة، مع أنها كانت قائمة منذ عقود، ممثلة بلجنة المناقصات وديوان المحاسبة.. وكان الديوان يهدف إلى إنجاز مشروع المستشفى خلال فترة لا تزيد على السنتين منذ توقيع العقد مع الفائز في تلك المناقصة.. لا نعرف كيف حدد الديوان المدة الزمنية، وعلى أي دراسة هندسية اعتمد، ولا كيف وضع تقديراته المالية لإنجاز هذا المشروع بمقدار 275 مليون دينار.. وسار الأمر على هذا النحو، حتى إسناد المشروع إلى إحدى الشركات في شهر أغسطس من عام 2013، وهذا يعني من الناحية النظرية أن يتم إنجاز المستشفى في سبتمبر من عام 2015، وفق الفترة التي حددها.

تخبط ومخالفة قانونية

بداية خيبة الأمل كانت الفارق بين السعر التقديري وسعر أقل المناقصين الذي وصل إلى ما يقارب الـ 360 مليون دينار، ذات قصة مستشفى جابر، بعدها تنصلت الشركة من إبرام العقد النهائي، ولم تستطع تقديم الكفالة النهائية، وانسحبت من المشروع، هنا يتوقف المشهد، ليأتي حامل «الكلاكيت»، ليعلن مرة أخرى «مستشفى الجهراء» ثاني مرة.. يضطر هنا الديوان لإعادة طرح المناقصة مرة أخرى، لترسو على إحدى الشركات المحلية بتاريخ 2014/3/3، بمبلغ يقارب الـ 365 مليون دينار، قبلها وضع الديوان شرطاً جديداً أمام الشركات المتقدمة، بأن يكون ضمن المستندات شهادة مصرفية تفيد باستعداد البنك لتزويد المتقدّم للمناقصة بكفالة التأمين النهائية بواقع 10 في المائة من قيمة المشروع.. يقال إن الشركة الفائزة وعدت بتقديم الكفالة، مجرد وعد لا أكثر! كما أنه في الوقت ذاته جرى تحديد فترة إنجاز المشروع من سنتين، لتصبح ثلاث سنوات.. هل انتهى الأمر عند هذا الحد؟ لا لم ينتهِ بعد… فمرة ثالثة يتقدّم حامل «الكلاكيت»، ليصفق به من جديد «مستشفى الجهراء ثالث مرة» «طق»، فالشركة التي أسند لها المشروع انسحبت منه، لأسباب غير معروفة لدينا، كما ثبت أيضا أن الديوان ارتكب مخالفة قانونية، عندما طلب ضمن أوراق تقديم العطاءات ما يمثل ضمانا من أحد المصارف، بتزويد من يرسو عليه العطاء بضمان 10 في المائة، فهذا يعد مخالفة للمادة 55 من قانون المناقصات، التي تنص على تقديم ورقة الضمان النهائية حين ترسو المناقصة على المناقص، وليس ضمن أوراق التقديم، كما اشترطها الديوان.

وبعد الانسحاب الأخير يجري في الوقت الحالي إعادة طرح مناقصة مستشفى الجهراء للمرة الثالثة على التوالي، بعد أن مضت سنة كاملة على إجراءات تنفيذه.

ملاحظات أساسية

أمام هذا الوضع هناك عدة ملاحظات، فالديوان بخصوص تنفيذ مثل هذه المشاريع يفتقر تماما للخبرة في إقامة المشاريع، وخاصة الطبية منها، كما يفتقر للكوادر الهندسية المؤهلة للبدء بإجراءات إقامتها منذ الدراسات الأولية، حتى مرحلة التنفيذ.. فمهما كانت النوايا حسنة بقصد الإسراع في الإنجاز، إلا أن النوايا لا تستطيع وحدها بناء مشروع ما.
وقد تبيَّن هذا بشكل واضح بخصوص احتساب القيمة التقديرية للمشروع والفترة الزمنية لإنجازه، والتي قدرها بسنتين، وبعدها تراجع وزاد المدة لثلاث سنوات.

إن تولي الديوان مسؤولية إقامة المستشفى فيه سحب لصلاحيات ومهام وزارة الأشغال العامة، وهذا يعني أن الدولة تصرف مبالغ كرواتب وبدلات ومصاريف متنوعة على جهة ممثلة بوزارة الأشغال، في الوقت ذاته الذي يتم فيه سحب الأعمال المنوطة بها والمكلفة بأدائها على أكمل وجه.. ثم إذا كانت هناك أخطاء في تولي الديوان هذه المسؤولية، أو ظهرت تجاوزات ما، فما الجهة التي ستتم محاسبتها؟ فمن يتولى المهام التنفيذية هي السلطة التنفيذية، بوزاراتها، وليس الديوان، الذي أخذ هذه المهمة من وزارة الأشغال العامة.

أجواء الفساد والحل

مهما كان تخبط وزارة الأشغال العامة في تنفيذ المشاريع وإخفاقاتها في توليها من كافة النواحي في إنجازها في الفترة المحددة لها أو تعاظم التكلفة أو سوء التنفيذ، فإن الحل لا يكون على هذا الشكل.. نعرف تماماً أجواء الفساد في وزارة الأشغال منذ أن كانت تسمى «دائرة الأشغال العامة»، ونعرف كما يعرف الجميع حجم الفساد في التلاعب بكشوف الرواتب في الإدارة المالية التابعة لها طوال أشهر وسنوات، ولولا ضمير أحد العاملين العرب في تلك الإدارة الذي أخبر عن هذا التلاعب، لاستمر الوضع بتزوير كشوف الرواتب.. كما يجري تأخير متعمَّد في دفع مستحقات المقاولين، حتى يدفعوا «المقسوم» لتسهيل إجراء الدفع.. هذا معروف وممارس ونتائجه ظاهرة في العديد من المشاريع، والحل هو تنظيف هذه الوزارة، لتتولى مسؤولياتها كما يجب، ليس على مستوى الوزير وبعض الوكلاء، بل في المفاصل القيادية فيها، بإيجاد تيارات شابة ذات أياد وسمعة نظيفتين، بعيدة عن الشبهات، حتى تنظف الساحة التي أشبعت فساداً على مدار عقود من الزمن.
أما التذرع مرة بالدورة المستندية، وأخرى بتأخير الإنجاز، فلن يحل المشكلة، فموضوع مستشفى الجهراء خير شاهد على التأخير منذ بداية العمل، ودق أول مسمار في المشروع، وفي كل مرة يكون حامل الكلاكيت حاضراً، للإعلان عن إعادة المشهد.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *