الرئيسية » قضايا وآراء » ماجد الشيخ : المثقف الحداثي وسؤال الثقافة والهوية

ماجد الشيخ : المثقف الحداثي وسؤال الثقافة والهوية

ماجد الشيخ
ماجد الشيخ

 إذا كان للسلطة الاستبدادية من ثقافة، فهي تلك الأدلوجات (الأيديولوجيات) المضادة للثقافة، ولما تعنيه الثقافة من روح الجمال والحقيقة والنزاهة والصدق مع الذات ومع الآخر.

السلطة هي نقيض كل هذا، وبالتالي هي نقيضة ذاتها، طالما هي لا تمتلك أي معنى من تلك المعاني كخصيصة لأدلوجاتها، أو أي مرجعية يعتد بها، فهي إذ لا تنتج معنى وجودها، أو تبرره في سياق سلوكها الإرغامي- العنفي، كذلك هي لا تمتلك لأزمتها أو لمجموع أزماتها سوى توجهاتها الأمنية الاعتيادية الملازمة لروح القمع.

فأي إصلاح يمكن أن يُرتجى من سلطة لا تملك من معنى لوجودها السياسي غير المنتج سوى عطالة غيابها وغيبوبتها، وبالتالي عجزها عن إنتاج معنى لوجود أي أفق سياسي ممكن لوجودها واستمرارها؟

و«الديمقراطية» كذلك، كتجربة عينية غنية، بلا ثقافة، بلا تربية يومية، بلا قانون أساس، لا تستحق تسميتها كذلك، وهي في كل الأحوال لا تقبل ما يضادها بالمطلق، سواء ما كان يصدر عن فرد أو مجتمع أو دولة. الديمقراطية بنية مستقلة من بنى المجتمعات والدول، ليست خليقة بأي وصاية أو توجه أوامري من قِبل أي سلطة. السلطة ذاتها يجب إخضاعها لتلك البنية، كونها وليدة ونتاج ثقافة مستقلة هي الأخرى، لا تابعة ولا خاضعة لأي وصاية داخلية أو خارجية.

لهذا، ومن زاوية مبدئية، لا يستطيع المثقف الحداثي إلا الوقوف في الجانب الصحيح من التاريخ، فإذا كانت الحداثة ثورة مستمرة، فإن الثورة حداثة تحوّلية، أو تحديث وتطوير تحوّلي يمتلك صفة السيرورة التاريخية، كانعطافة تحوّلية تعيد كتابة التاريخ، انطلاقاً من الحاضر، وإعادة النظر في الماضي، وكل إرثه التاريخي والتاريخاني الذي أعيدت صياغته وكتابته في ضوء أيديولوجيات الثيوقراطيات المختلفة والمتخلفة. وتعيد رسم خطوط عريضة للمستقبل بإمكانات ما يكون، لا بإمكانات ما كان من مجال عام، كانت سلطة الاستبداد تصادره على الدوام، لترسم أفقا مختلفا لمجتمعها، ما يعني أن صراع الحداثة والثورة كجبهة متحدة وموحدة، مع كل ما يضادهما، ليس مهمة المثقف أو المجتمع أو الفرد العادي أو النخب، إنها مهمة جميع القوى التي تمتلك مصلحة في إرساء التحول التاريخي لمجتمعاتنا ودولنا، وما عدا هؤلاء وأولئك، فنحن في مواجهة عناصر وقوى الثورة المضادة، التي يقف في مقدمتها ويقودها سلطة الاستبداد ذاتها، أو بقاياها أو احتياطيها من قوى أهلوية ودينية معادية لكل تحول تغييري في بلادنا، يزحزح ما أرسته ركامات الثقافات الوسيطة وأيديولوجيات الثيوقراطيات التي تعادي كل جديد، كونه كذلك، يريد زحزحتها وردم هوة قديمها القروسطي الذي لا يمكن أن يتجدد، وهو بالأصل غير قابل للإصلاح على أي صعيد.

الثقافة ليست رهينة ما كان، بل هي الأفق المفتوح دائماً على مستقبل ما سيكون من حداثات تبدعها المجتمعات والشعوب والدول الأكثر حيوية، وفق احتياجاتها الخاصة وخصوصيات بيئاتها المختلفة، من دون تبعيّة واتباع لماضيها ودواخلها المحلية، كما ومن دون تبعيّة واتباع لحاضر تتحكم به خوارج الهيمنة الإقليمية والدولية.
ومن غير أن تستعيد الثقافة حريتها، والمثقف حريته في قيادة عملية الحداثة الفكرية والتنوير والنقد العقلاني لكل موضوعات وموجودات الحياة المجتمعية والبشرية الإنسانية، سيبقى الاستبداد بكل تمظهراته السياسية والمجتمعية الأبوية، يحاول هيمنته الإكراهية والإرغامية لمواصلة ذلك «الملك العضوض» الذي صارته السلطة في بلادنا وفي بلاد النمط الآسيوي، عبر القرون، ولاسيما في بيئات لم تعد تتملكها شروط «العبودية المختارة»، تلك التي كانتها مجتمعاتنا الأهلوية والقبائلية القديمة.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *