الرئيسية » قضايا وآراء » محمد جاد : زعماء شواهد القبور

محمد جاد : زعماء شواهد القبور

محمد جاد
محمد جاد

كل يوم يثبت لنا أن زعماء العالم العربي لديهم من الخيال ما يفوق أي تصور. مهما كان خيال الشعوب، إلا أن خيال زعمائنا المبجلين يفوقه بالطبع، وهي سمة إضافية تضاف إلى سمات الزعامة. ولعل الانتخابات الرئاسية الجزائرية الأخيرة تشهد بأن خيال الزعيم الجزائري جاء متوافقاً مع تكنولوجيا العصر، أي أنه استند إلى الخيال الافتراضي، وسنجد في الأيام المقبلة العديد من الرؤساء العرب سيتخذون من خياله قدوة وأسوة. فالرجل يُخاطب شعبه عبر شاشة الكمبيوتر، وعن طريق العالم الافتراضي، يُطالع شعبه كما في رواية «جورج أورويل» 1984، ليمثل ملهاة الأخ الأكبر. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل لم يتورع الرجل، الموشكة روحه على الصعود، عن الذهاب إلى الانتخاب والإدلاء بصوته وهو فوق كرسي متحرّك، وكأنه يجرّ خلفه شاهد قبره. ربما سيصبح الكرسي المتحرك موضة الزعماء العظام، سواء من المتكالبين على السلطة، أو الذين فرّت منهم في لحظة غفلة – الرئيس المصري المخلوع فعلها من قبل – ولنقتدي نحن أيضاً بهم، بما أننا وقعنا مُصادفة تحت طائلة رعايا الزعماء، ولنرسم صورة خيالية افتراضية بأن كل من مبجلينا يقف أو يجلس أو يسير وخلفه شاهد قبره، ربما بهذه الطريقة نستطيع رؤيتهم بوضوح كأموات منذ زمن طويل، مهما حاولوا تصدير حياة موهومة لشعوب أكثر وهماً. لعنة تمجيد الموتى هذه لها تاريخ راسخ في النفسية العربية، وفكرة عدم تفكيرنا في «قتل الأب» بالمعنى الفرويدي جعلتنا نشيخ مع نفسياتنا الطفولية، ونرتعب من مجرد التفكير في التغيير، أو إعادة النظر بحقيقة الأشياء كما هي، لا كما تبدو من خلال أوهامنا، ومن أن مجرد أي تفكير في ثوة ما على النفس أو الحاكم أو المعتقد ستقابله جموع الأطفال العجائز بمنتهى قسوة طفولتهم الضائعة، فيصبح الربيع العربي مجرد مؤامرة، ويصبح الخوف من المؤمرات وعدم الاستقرار ــ بخلاف الرعب البوليسي – هو الوازع لمُطالعة زعيم من هنا أو هناك لم يزل يمتلك من الفجاجة بأن يسير أمام أعيننا، ولا يجد سوى شاهد قبره يستند إليه.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *