الرئيسية » محليات » التحقق من المعلومات بالقنوات القانونية الطريق الأمثل لحل الأزمات

التحقق من المعلومات بالقنوات القانونية الطريق الأمثل لحل الأزمات

إصدار بيان من مجلس الوزراء يكفي لحل اللبس
إصدار بيان من مجلس الوزراء يكفي لحل اللبس

كتب محرر الشؤون المحلية:
كان الاجتماع في أواخر السبعينات بين أعضاء الجبهة الوطنية التقدمية في سوريا، وهي الجبهة التي يسيطر عليها عدديا بالأغلبية حزب البعث العربي الاشتراكي، وتضم في عضويتها مجموعة من الأحزاب المختلفة، سواء كانت قومية أو يسارية.. وضم ذاك الاجتماع مجموعة من الأدباء والمفكرين المستقلين في سوريا، كما تم تسجيل ما دار فيه، إذ اعتبر أنه نوع من المصارحة المفتوحة بين النظام الحاكم وبقية أطراف الجبهة والمدعوين، ومنهم ميشيل كيلو وممدوح عدوان، وآخرون من الذين وردت أسماؤهم عند مطالبتهم بالحديث عمَّا يدور في سوريا في ذلك الوقت من تجاوزات وانتهاكات.

أحد المتحدثين تناول موضوع سرايا الدفاع، التي كانت تحت ولاية رفعت الأسد، الذي كسب ولاء فرقته بالامتيازات التي كان يغدقها على أفراد سرايا الدفاع من مختلف الرتب، امتيازات تعدَّت حدودها القانونية، بغرض المزيد من فرض الولاء له شخصياً، وليس لأخيه الرئيس السابق حافظ الأسد، وقد تناول المتحدث أمر هذه التجاوزات، مشيرا إلى أن الجميع في سوريا يتحدث «همسا ووشوشة» عن تلك الانتهاكات والتجاوزات التي ترتكبها السرايا.. هي همسات تدور من فم إلى أذن بصوت غير مسموع، خشية الملاحقة والسجن والتعذيب.

لا تجد أي خبر عن تلك التجاوزات في الصحافة السورية أو من فصيل من مكونات الجبهة الوطنية عن طريق صحافتها.. مجرد همسات وأحاديث عنها في الأماكن المغلقة.. وقد تصاعد في ما بعد أمر هذه التجاوزات، لتصل عام 1984 إلى محاولة انقلاب من قِبل رفعت الأسد ضد أخيه، عن طريق سرايا الدفاع التي زادت هيمنتها وطموحها في الوقت ذاته، ولم يكن أحد يجرؤ على الحديث عنها، حتى بعد أن وصلت إلى تلك المرحلة الخطرة.

ثورة المعلومات والمعلوماتية

في ذلك الوقت لم يكن هناك في العالم أدوات تواصل اجتماعي أو حتى أطباق هوائية تنقل مئات المحطات التلفزيونية المختلفة.. والمعلومة، أيا كانت، بالكاد كانت تصل عن طريق الأوراق السرية المسرَّبة من هنا وهناك.. وعندما يتم بناء جدار حديدي إعلامي حول بلد ما، فلا تدري ما يدور فيه، إلا عند خروجك منه، أو تلقي ما ينشر رسميا من الصحافة الموجهة.. الوضع الآن اختلف، وباتت الأحداث والأخبار متاحة عبر هاتفك المحمول في جيبك، حتى لو كانت حول أحاديث أو أخبار أو حوادث تمس القيادة، كما جرى في التسريبات والفضائح وحالات الرشى التي مسَّت أردوغان في تركيا قبل الانتخابات المحلية الأخيرة، والتسريبات الصوتية المسجلة لوزير الخارجية التركي داود أوغلو في اجتماع أمني له حول موضوع متعلق بالتدخل التركي في سوريا.. وليس ببعيد الوثائق المليونية التي كشفها موقع ويكيلكس، أو الوثائق الخطيرة التي كشفها الأميركي سنودن، فقد غدت المعلومات كالشمس لا يمكن تغطيتها بأصبع اليد.

ثورة المعلومات والمعلوماتية تتطور وتتسع وانتهى زمن «الهمس والوشوشة»، كما كان يجري في ما مضى.. ولم تعد أي جدران قادرة على إخفاء الأمور أو طمس ما يتم تداوله.

معلومات تتطلب التدقيق

نقول ذلك على ضوء المعلومات التي كشفتها إحدى المحطات الفضائية الخاصة الأسبوع الماضي، وحملت في بعض تفاصيلها أسماء صحيحة من دون إضافة أو نقصان. وهنا لابد من التوقف والتساؤل، سواء لمن تابعها مباشرة، أو عن طريق وسائل الاتصال الاجتماعي حول مصادرها ومآلها.

إن ما قيل في البرنامج يحتاج إلى تحقق وتحقيق رسمي في الوقت ذاته وباتجاهين، الأول دحض المعلومات وما جاء فيها وفق القنوات القانونية الرسمية، إن كانت تفتقد للصدقية، أو التحقق من صحتها، وأيضا عبر القنوات القانونية، ففي كلتا الحالتين الموقف لا يحتاج إلى انتظار أو تكذيب أو رفض، كما أتى به بيان مجلس الوزراء الذي صدر يوم الأربعاء الماضي.. أو كما تحدَّث عنها وزير الدولة محمد العبدالله على هامش افتتاح معرض الكتاب الإسلامي في جمعية الإصلاح الاجتماعي، بالدعوة للتوجه عبر القنوات الرسمية القانونية، لتقديم مثل تلك المعلومات والتحقق منها عن طريق قائلها.

وفي الوقت ذاته، وصفت هذه المعلومات من قِبل البعض، بأنها نوع من الفرقعة الإعلامية.. ووفق ما قيل في البرنامج، وردت العديد من الصفات، وكأنها «بيانات» منها تحتوي على عاداتنا وتقاليدنا الشيء الكثير.

فضائح والطرق القانونية

كل ما قيل أو سيقال حول هذه المعلومات لن يفضي لشيء، وليس الطريق الصحيح لتناول الموضوع وفق الأسس القانونية.. فضيحة ووترغيت المشهورة التي أطاحت بريتشارد نيكسون بدأت في الصحافة الأميركية، وأخذت طريقها القانوني، لتطيح بالرئاسة الأميركية.. لم تصدر الإدارة الأميركية بيانا ضد ما نشر من أخبار حول الفضيحة، ولم تقل إنها تتنافى مع «العادات والتقاليد الأميركية»، كما هي بياناتنا المعروفة، بل أخذت المعلومة مجراها، وأفضت لما أفضت إليه، بإسقاط رئيس كان يمهد له أن يتولى ولاية جديدة.. وزير المالية الفرنسي المشهور دومينيك ستراوس كان استقال عام 1999 إبان حقبة رئاسة ميتران، من جراء فضيحة مالية ارتكبها خلال أيام دراسته الطلابية.. وآخر قضية تناولتها الصحافة أيضا ما نشرته الصحيفة الإلكترونية «ميديا بارت» الفرنسية، عن إخفاء وزير الميزانية جيروم كوزاك حسابا مصرفيا خاصا به في بنك سويسري، وقادت هذه المعلومة -التي نشرها منبر إعلامي- إلى التحقيق، حيث اتضح صحتها.. لم تُستدعَ الصحيفة للنيابة أو القضاء، بل قامت الإدارة الفرنسية بالتحقيقات اللازمة والتثبت من صحة المعلومة التي أدَّت في النهاية إلى استقالة الوزير كوزاك من الحكومة الفرنسية في مارس العام الماضي.. هذه أمم تفصل بين السلطات الثلاث، كما أنها تعترف تماماً بالسلطة الرابعة، ممثلة بالإعلام، فهي في النهاية السلطة الشعبية التي زاد نفوذها وقوتها بالتقدم العلمي وأدوات التواصل الاجتماعي.. فالبيان الوزاري ليس كافياً لنفي أو إثبات ما قيل من حديث وبالأرقام والتواريخ.. ومن قالها ليس بشخص وهمي أو مجهول الهوية، والتحقيق معه بصحة معلوماته واجب على الدولة، بمؤسساتها التنفيذية والقضائية.. أما ما صدر من بيانات، فهذا لا يفند أو يكذب الادعاءات، ولن نصل إلى أي هدف سوى تضخم المعلومات بصب المزيد من الإضافات عليها.

أزمات وطرق الحل

طبيعي أن يمر أي بلد بأزمة ما، أياً كان نوعها، سياسية أو اقتصادية، ولكن تتم معالجتها بفتح كافة المعلومات المتاحة، فطريق الحل يحتاج إلى معرفة مكونات المشكلة.. والأزمات التي نمر بها منذ ما يقارب العقد من الزمن، هي أزمات مفتعلة، وليست طارئة، أزمات متعددة تعزز في الحقيقة مثل تلك المعلومات.

جميعنا يتذكر قضية التأبين التي جرت في مارس عام 2008.. فعلى الرغم من علانية المناسبة وتوجيه الدعوات قبل إقامتها، فإن هناك أطرافا تركت الأمور تسير كما هي، وبعد إقامتها تحرَّكت أبواق تلك الأطراف في حملة منظمة قادت إلى إلقاء القبض على أشخاص ومتابعة نواب آخرين متهمين بالمشاركة فيها، وخلقت أزمة، تهدف بموجب تبعاتها، إلى نشر وتوسيع دائرة الاصطفاف الطائفي واستخدامه لمصلحة أطراف خلال انتخابات مجلس الأمة، وضرب بعض الكتل البرلمانية التي تشكلت.. وكان لهذا السيناريو قدر من النجاح في ما تم التخطيط له.. نتذكر أيضا قضية الإعلان عن المبالغ المالية الكبيرة التي تم منحها لبعض النواب، وبعدها قضية الإيداعات المليونية لعدد آخر من النواب، والتي تم إيقافها، بذرائع عدم وجود تشريعات تقضي بمتابعة أطراف القضية.. كما نتذكر موضوع التحويلات المليونية للخارج، والتي بلغت ما يقارب السبعين مليون دينار، وصححت كما ورد في معلومات وزير الخارجية السابق الشيخ محمد صباح السالم بأن ما تم حصره يقارب الـ 300 مليون دينار، وفق ما هو مبيَّن في اللجنة المشكَّلة في وقت سابق في مجلس أمة فبراير 2012، نتذكر بعض «النباحين» الذين تم إطلاق ألسنتهم لتفتيت المجتمع بين بدوي وحضري، واستخدام نعوت وصفحات وقحة وتسخير وسائل إعلامية خرجت لتصب المزيد من الزيت لإشعال الوضع وتفتيت المجتمع، وكادت هذه الأمور أن تؤدي إلى أزمة اجتماعية كبيرة، وكل هذه الأمور تهدف في ما تهدف إلى إيجاد البيئة والأرضية الملائمتين لمزيد من التجاوزات وحالات الفساد المستمرة وبدرجات متفاوتة بالأرقام، لتصل إلى ما يصعب استيعابه على مخيلة الإنسان.

مثلما قلنا، فإنه من الطبيعي أن يمر بلد بأي أزمة قد تكون خارجة عن إرادته، ولكن مثل تلك الأزمات قد تكون فرصة للتعاضد والتلاحم بين أبناء شعب هذا البلد، واستفادة كبيرة من تجارب المواجهة والحل أو الحلول لها.. ولكننا خلال السنوات الأخيرة نلاحظ أنه يتم افتعال الأزمات لمقاصد وأهداف واضحة تمهد الطريق لمزيد من الأزمات والتجاوزات وحالات الفساد.

كلمة لابد منها

تبقى لنا كلمة يجب أن يتم الوعي لها والتحرُّك من خلالها، لتكون منبعاً وإرشاداً، فالبلد ليس لهذه الفئة أو تلك، وليس لهذا الطرف أو ذاك، فهو بلد كل الكويتيين، حاضرهم ومستقبلهم، من الأجيال القادمة، والأمانة تقتضي ليس إنهاء الصراع، ولكن عدم إشغال الناس بالصراعات الدائرة بين الأطراف السياسية، وفق ما يشتهيه البعض، أو ما يتم التخطيط له لسلوك هذا المسلك.. فما إن بدأت المعلومات التي نشرت الأسبوع الماضي، حتى قام البعض بشحذ سكاكينهم من جديد، بعد أن غمدوها في وقت سابق، للهجوم وافتعال معارك لتحييد الأنظار عن أي تحقيقات تجاه ما قيل أو ذكر.. وهذا كان دورهم في وقت سابق، وعادوا إليه مجدداً بعد توقف!

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *