الرئيسية » ثقافة » ضمن عروض «استديو الأربعاء»: «الحب في زمن الكوليرا».. فيلم متواضع لعمل كبير

ضمن عروض «استديو الأربعاء»: «الحب في زمن الكوليرا».. فيلم متواضع لعمل كبير

ملصق الفيلم
ملصق الفيلم

كتب محمد عبدالرحيم:
عرض «استديو الأربعاء» بنادي الكويت للسينما، ضمن نشاطه الأسبوعي فيلم «الحب في زمن الكوليرا»، كتحية لرحيل ساحر الرواية الأكبر جابرييل جارثيا ماركيز، الذي صعدت مخيلته إلى خالقها الأسبوع الفائت.

وتعد هذه الرواية من أفضل الروايات التي تناولت من بدايتها لنهايتها قصة حب طالت حياة بطليها حتى النهاية، بخلاف قصص الحب المتشعبة والمُربكة التي تمتلئ بها روايات ماركيز.

الفيلم إنتاج عام 2007، ومن بطولة خافيير بارديم (فلورنتينو)، جيوفانا ميزوغيورنو (فيرمينا)، وبنجامين برات (خوفينال)، سيناريو رونالد هارود، ومن إخراج مايك نويل. ورغم محاولات منتج الفيلم سكوت ستايندروف التي استمرت لمدة 3 سنوات، لإقناع ماركيز بتحويل الرواية إلى فيلم، لِما للسينما من مفردات قادرة على التجسيد أكثر من الوسائط الفنية الأخرى، فإن التساؤل الضروري بعد مشاهدة الفيلم هو: هل أفلحت السينما في التصدي لعمل ينتمي إلى ماركيز؟

الرّبة المتوّجه

هي الصفة التي اختارها ماركيز لصاحبة الإهداء في بداية صفحات الرواية، وقد أهدى الرواية إلى زوجته «مرسيدس»، قائلاً «إلى مرسيدس طبعاً» وكعادته في لعبة الأساطير التي لا تنتهي، فربما تكون حكايته وزوجته، أو حكاية أبيه وأمه وفق صياغة خيال ماركيز بالطبع. مئات الصفحات التي ترصد وتترصد علاقة حب بين شاب وفتاة صغيرة تعاهدا على الزواج، لكنها لم تتم وفق هوى الفتى، إلا أن خياله رفض الواقع، وعدّ نفسه مرهوناً للقاء تأخر عدداً من السنوات والأيام التي خط تواريخها فوق قلبه. لقد جمّد الفتى اللحظة التي فارقته فيها حبيبته، هذه اللحظة التي تفسر بقاء السفينة بهما في عرض النهر في رواح وجيئة حتى النهاية.

الحكاية

تدور الأحداث في نهاية القرن الـ 19 وبداية القرن العشرين، بقرية صغيرة تقع على الكاريبي، حيث تنشأ قصة حب بين شابين مراهقين (فلورنتينو) الشاب الفقير عامل مكتب التلغراف، وفيرمينا البنت الغنية، التي يحلم والدها بأن يزوجها بأحد الأرستقراطيين، وإنشاء تاريخ أسري لم يمتلكه، فهو يمتلك النقود فقط. وبعدما يتعاهد العاشقان على الحب الأبدي، ينتشر مرض الكوليرا في البلاد، فيهرب الرجل بابنته، بحجة الخوف من إصابتها بالمرض، لكنه كان يهرب بها من حبها الضال. ويعود بها بعد فترة ويزوجها من طبيب شاب عائد للتو من باريس، حيث درس الطب الحديث وذاع صيته، لتبدأ مأساة فلورنتينو في انتظار تحقيق أمله الذي عاش من أجله وهو الوصول إلى فيرمينا، ويصل بالفعل إليها بعد موت الزوج، وبعدما تخطى السبعين من عمره.

تاريخ العاشق والتاريخ السياسي

حكاية الحب العادية هذه يجعلها ماركيز حكاية تاريخية تكشف تناقضات شعوب أميركا اللاتينية، وما يشابهها من شعوب العالم الثالث، فالصراع الروحي الذي يجسده العاشق الأكبر، تتقاطع معه صراعات الحرب الأهلية، التي تشبه وباء الكوليرا، إضافة إلى الصراع ما بين الخرافة والعلم، الخرافة والأساطير والتاريخ الشعبي الذي يمثله العاشق (فلورينتينو) والعلم والتقدم الذي يمثلهما الزوج (خوفينال أوربينو) الطبيب، الذي لا يؤمن إلا بالعلم الذي درسه وتلقاه في باريس، هنا يجعل ماركيز بطله لا يستطيع سوى ملامسة ظل معشوقته طوال حياة زوجها، إلا أن كلماته لها لن تصل إليها إلا بعد موت الزوج، ليعيد صياغة عالم أحلامه من جديد، وفق مخيلة شعبية خرافية، وتجارب نسائية عديدة، رغم إصراره على الحفاظ على «بكارته» طوال هذه السنوات من أجل حب فيرمينا الأبدي! أو أنه على أقل تقدير يجمع لها التجارب الحياتية كتحية طيلة كل هذه السنوات! ربما التاريخ الخرافي الراسخ في فكر هذه الشعوب، هو الذي ردّ فيرمينا إلى عاشقها، في سفينه معلقة في النهر، لا تجد سوى رفع راية تؤكد أنها تحمل أشخاصاً أصابتهم الكوليرا.

البحث عن الحياة

ماركيز الذي لديه الكثير والكثير ليضفيه على الحكاية التقليدية، يجعل من الحب دواء للشيخوخة والعجز، هذا الإحساس الإلهي المتجسّد في روحي العاشقين، وقد تخطيا السبعين من العمر.

الحب هو الوحيد القادر على الشفاء من تجاعيد الجسد والروح، ليعود بهما شابين متوقدين وطواقين للحياة. بخلاف أفراد أسرة فيرمينا ــ الابن والابنة ــ اللذين يبدوان أكثر منها ومن عاشقها عجزاً وشيخوخة، فرحلة السنوات الطويلة ما هي إلا تأكيد على البحث عن الحياة وسرها الكامن في الحب، كما جعله ماركيز أسطورة كبيرة لأساطير بيئته الصغيرة، هو المخلّص في بيئة الحرب والجهل والمرض ــ حتى وإن تشابهت أعراضه مع المرض ــ هو الوحيد القادر على قهر الزمن، وتجميده، كما في المشهد الختامي، المتمثل في سير سفينة العاشقين رواحاً وجيئة في النهر من دون أن تصل إلى نهاية.

بين السيناريو والرواية

رغم محاولاته المستميتة، لم ينجح الفيلم في نقل الحالة الشعورية التي تجسّد حالة العاشقين، وبالتالي نقل إحساسهما، أسقط الفيلم (الراوي) وجعل بعض العبارات على لسان بطله، وحاول صياغة بعض المفردات مع تحويرها، لتصبح مشابهة لعبارات ماركيز في الرواية، إلا أن أداء الممثلين لم يستطع نقل هذه الحالة، كما اختفت فيرمينا عن الكثير من الأحداث، رغم أن غيابها في بعض أجزاء الرواية يُعد أكثر تأكيداً لحضورها، فما تصرفات حبيبها إلا انعكاس لوجودها، إن لم يكن في الواقع ــ فترة سفرها مع زوجها لأوروبا ــ ففي خياله الذي يقتاته ويعيش به، فـ «فيرمينا» تمثل المنطقة شديدة التوتر بين ماضٍ أسطوري خرافي يمثله حبيبها (فلورنتينو) ومستقبل عقلاني يمثله زوجها (خوفينال).

معاناة المعادل البصري

المُشاهِد للفيلم يتذكر بصرياً مشاهد بعينها من مشاهد الريف الإنكليزي في القرن الـ 19، وخاصة في مناخ الطبقة الأرستقراطية، التي مثلها زوج فيرمينا، أما خصوصية هذه الطبقة، حتى وإن كانت متشبهة بمثيلتها الأوروبية، إلا أنها تختلف في الكثير، إضافة إلى الفئات التي كان يتنقل بينها فلورنتينو، وهي من المفترض أن تكون الصورة الصادقة للبيئة الكولومبية، إلا أننا نلحظ أنه من السهل أن تتشابه مع أي بيئة أخرى، وقرية أخرى، وأسواق وحوارٍ آخر، ما نزع عنها الخصوصية الكبيرة، التي وثقها ماركيز في الرواية، وخاصة أنه جعل منها مرجعاً لوصفات طبية ومأكولات وروائح أزهار ونباتات تخص قرن غاب عن كثيرين لم ولن يتعرفوه. هذه هي المشكلة الكبرى التي وقع الفيلم بها، إضافة إلى مشكلات السيناريو، الذي هرول وجسد الأحداث من حيث شكل وقوعها، من دون البحث عن دوافعها وإحساس الشخصيات بها.. وهو أمر معروف في السينما عندما تتصدَّى لعمل روائي كبير، تتماهى مشاهده البصرية مع مقطوعاته السردية ــ معادلة الوصف والسرد ــ والتي يكون التعامل معها من أصعب المشكلات التي تواجه كاتب السيناريو والمخرج السينمائي، ليبدو التساؤل في النهاية مشروعاً إلى حدٍ كبير.. هل أفلحت السينما في التصدي لعمل ينتمي إلى ماركيز؟

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *