الرئيسية » قضايا وآراء » ماجد الشيخ : المجتمع المدني شرط وجود الدولة

ماجد الشيخ : المجتمع المدني شرط وجود الدولة

ماجد الشيخ
ماجد الشيخ

ما جرى على مسارح بلادنا وفي ميادينها العامة، كان من المفترض أن يؤسس لعهد جديد من الجرأة السياسية غير المسبوقة، ومن عودة الناس إلى احتضان السياسة وصناعتها، واحتضان هذه الأخيرة لآمال وتطلعات الناس، وإعادة انتظامهم في ما قد يتجاوز محدودية رؤى النخب والأحزاب، القاصرة عن رؤية المشهد وسرديات الحياة اليومية، بما يليق بها من قوة الدفاع عن منجزات الإصلاح الجذري، فيما نشهد لموت وفوات الإصلاحات الترقيعية التي فات قطارها، فلم تعد الشعوب مطية الأنظمة الاستبدادية البطريركية، التي لا ترى في المرايا، سوى صورتها ومثالها البونابرتي، حتى وهي تحاول تفادي السقوط، بمحاولة تجميل مسلكياتها الإصلاحوية، هربا من الواقع إلى مثالات فات أوانها.

هنا تتكشف الأزمات، بل تؤشر إلى عمق الهشاشة التي تعانيها مجتمعاتنا، وبناها الدولتية أو الأحرى السلطوية، سواء بسواء. وفي وضعنا الحالي، صار لهشاشة الأنظمة قرين أو توأم آخر، فقد انتقلت هشاشة النظام السياسي إلى قلب المجتمعات، وباتت مجتمعاتنا العربيّة أكثر هشاشة من أي وقت سبق، ليس في مواجهة الخارج، بل وفي مواجهة الداخل.. الداخل الأكثر هشاشة.. كنظام سلطوي ومجتمع باتت بعض قطاعاته أكثر تسلطية.

هشاشتان لا تصنعان مجتمعا قويا أو نظاما سياسيا قويا، إنها مأساة أوطان تذهب طواعية للتفتيت، للحروب الأهلية، للصراعات السلطوية، لأي شيء سوى إعادة اكتشاف قوة وحداتها الوطنية، والإيمان بالوعي وبالروح التعددية، ونبذ النزعة الإقصائية.

واليوم، يستدعي هدف بناء الدولة أن تكون لدينا سمات المجتمع القوي المتماسك، القادر ضمن إمكاناته وقدراته الخاصة على إنتاج معارف متجددة حداثية عقلانية، بل أكثر عقلانية، فضلاً عن إبداع أو إنتاج بنية تحتية اقتصادية مستقلة متماسكة، وبنية اجتماعية شبه منسجمة هي إلى التوحد أقرب، وذلك عبر المضي بعملية تنمية مستدامة وسط مجتمع معرفي يتوق لبناء حداثته الراهنة، مبدعا من خلالها توازنه المحسوب بدقة، بين ما يريد وما يملك، على أن تكون الحرية والديمقراطية والمساواة والعدل والقانون والقضاء العادل والنزيه والمواطنة، منارات درب بناء الدولة المنشودة.

إن شرط استدخال الديمقراطية، كما الحداثة، كما التنمية المستدامة، كما المعرفة على اختلافها، تماما هو شرط وجود المجتمع المدني (لا الأهلي ولا الديني) الواحد المتماسك، مجتمع دولة أو دول صاعدة، تروم بناء حياتها وفق أقانيم التلازم الضرورية لهذه وتلك من الأهداف، ذلك أن مجتمعا تتفتت قواه على إيقاع المنازعات الأهلوية أو الطوائفية المتمذهبة، فضلاً عن إيقاع الصراعات الطبقية والاجتماعية والفئوية، نخبوية وشعبوية، لا يمكن لو أردنا وأراد العالم كلّه أن نستدخل فيه أي نمط من أنماط الحياة الفكرية أو السياسية أو الأيديولوجية حتى، فالديمقراطية كما الحداثة، ليست موضوعا لـ «التصنيع» الخارجي؛ حتى يمكن استدخالها إلى مجتمع يفتقد بالأساس تربة القبول بما هو «خارجي»، مؤكدا سباحته وسط البرك الآسنة للتقاليد الماضوية وإرثها ورواسبها، العاملة على إنتاج وعي مضاد، أو الوعي المضاد لحداثتنا المعاصرة، الحداثة – الضرورة لإقامة ديمقراطية مجتمعية – دولتية؛ تتماسك على قاعدة الهدف أو الأهداف العليا لشعب أو لمجتمع أو لأمة، ونخبها الأكثر تمثيلاً لأهدافها المنشودة.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *