الرئيسية » قضايا وآراء » محمد جاد : حكومة.. «حلاوة روح»

محمد جاد : حكومة.. «حلاوة روح»

محمد جاد
محمد جاد

العمل الفني، أياً كان مستواه، لابد أن يتم التعامل معه وفق مفردات الفن ذاته، نقداً وتقييماً، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، فالعمل الفني ما هو إلا انعكاس لظرف اجتماعي راهن، ساعد على إنتاج هذا العمل أو ذاك. وكلما كان الوعي المجتمعي على درجة أكبر، كان الرد على الأعمال متدنية المستوى، والخارجة عن السياق هو الإلقاء بها خارج نطاق هذا الوعي، لتصبح عدم المشروعية ناتجة عن موقف الوعي العام، من دون فرض رقابة ما، أو إصدار قرار إداري من الدولة لمواجهة عمل فني ما، حتى لو اقترب مستواه من الإسفاف.

أخيراً، جاء قرار حكومي اتخذه رأس السلطة التنفيذية في مصر/رئيس الوزراء، بوقف عرض فيلم يُدعى «حلاوة روح»، لتهديده قيم المجتمع! تناسى الرجل الحالة الأمنية المتردية، والحالة الاجتماعية والاقتصادية الأكثر بؤساً، ليضبط منظومة القيم بمنع فيلم من التداول الجماهيري.

هذا القرار سيفتح باباً لكوارث تفوق كوارث الرقابة الهشة، فمعيار القيم لا يحمل مفهوماً محدداً، وسيكون الفن في ما بعد تحت رحمة هذا المعيار عديم المعيار، لتواجه به السلطة أي عمل فني – سواء كان فيلما أو كتابا أو لوحة أو أغنية – على هواها وبالحجة الواهية نفسها.. الحفاظ على قيم المجتمع.

هذه اللعبة تلعبها السلطة على الدوام، لكسب تعاطف البسطاء، واللعب على مشاعر تقاليدهم وأعرافهم، إلا أن رئيس الوزراء لم يفطن إلى أن منظومة القيم نفسها في مصر وفي هذا الوقت تعاني أشد أزماتها، فالمنظومة نفسها انهارت، ومجرَّد الاطلاع على صفحة الحوادث في أي صحيفة، سيؤكد أنه ليس بقرار هش بمنع فيلم ساذج ــ منتحل بفجاجة من فيلم إيطالي رائع (مالينا) ــ سيحافظ سيادته على قيمنا المفقودة. الأمر الأكثر سخفاً في كل ما يحدث، يعكسه الغباء السلطوي المزمن، سواء في هذه الحكومة أو التي سبقتها، أو حتى التي ستأتي.. فمنع شيء ساذج سيجعل له قيمة ليست منه، وسينسى الناس الفيلم وسينساه صنّاعه، لكن الجميع سيتذكر هذا الموقف، وهذا النضال الوهمي، الذي ناله على يد حكومة أكثر منه وهماً وشيخوخة فكرية، لتصبح بالفعل جديرة بلقب حكومة «حلاوة روح».

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *