الرئيسية » محليات » ليس حنيناً للماضي.. بل إنه جرس لابد من قرعه

ليس حنيناً للماضي.. بل إنه جرس لابد من قرعه

الشيخ عبدالله السالم وهو يتسلم الدستور
الشيخ عبدالله السالم وهو يتسلم الدستور

كتب محرر الشؤون المحلية:
هل هو الحنين أو «النوستالجي» العودة للحديث عن الماضي؟ ربما! ولكنه ليس هدف ما نتحدَّث عنه، بل المقصود نوع من المقارنة بين أحوال قديمة بعض الشيء وأحوالنا في الوقت الحالي، لنعطي قدراً من الصورة المقربة أكثر، ولو بشكل موجز.

في يوم ما أطلق على الكويت لقب «عروس الخليج»، فمن أطلق هذا اللقب وبأي مناسبة؟

سمعت هكذا، من دون تحقيق في المصدر أو المناسبة.. كان ذلك في مطلع الخمسينات من القرن الماضي، وقد يكون هذا اللقب أو الكنية ما هو إلا انعكاس واقعي للأوضاع السائدة.. دعونا من هذا قليلاً، فعادة عند الحديث عن الدستور الحالي يقترن هذا الحديث بشخصية فذة، ممثلة بالمرحوم الشيخ عبدالله السالم، ولاتزال «الصورة التاريخية» ماثلة في وجداننا وأذهاننا وهو يتسلم نسخة الدستور النهائية من رئيس المجلس التأسيسي المرحوم حمود الزيد الخالد.. صورة أعلنت مرحلة جديدة من الحياة السياسية محددة الأسس، والمكونات والآليات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وفقا للبنود التي وردت بالدستور، على أن تأتي القوانين التي تترجم مواده.. هي صورة لاتزال ماثلة أمامنا، ولاتزال حية تاريخياً حتى وقتنا الحالي.. هي صورة، ولكنها غير مكتملة في الحقيقة، لإبراز الدور الكبير الذي قام به الشيخ عبدالله السالم منذ توليه إدارة «الإمارة» في ذلك الوقت، حتى قبل استقلال البلاد عندما كانت تحت الوصاية الإنكليزية.

حركة بناء

في ذلك الوقت كانت الكويت تختصر في نشاطها بالمدينة، لتمتد شمالاً نحو الجهراء، وجنوبا نحو الزور والقرى التي قبلها مع سور طيني بني حول المدينة تفتح أبوابه خلال ساعات محددة، شمالاً وجنوباً، وفي الوسط لمن يريد المرور من هذا السور عبر بوابات ذات أسماء مختلفة.. بيوت أغلبها طينية داخل المدينة وأحواش ترابية وغياب وجود مجارٍ صحية أو تصريف للأمطار.. وفي نوفمبر من عام 1954 هطلت أمطار كثيرة وهدمت بيوتاً على رؤوس أصحابها، وتوفي عدد من المواطنين، وكانت المدارس ملاذاً لمن تأثرت بيوتهم بالأمطار التي هطلت.. قبلها بسنة، أي في عام 1953، تم الانتهاء من صرح تعليمي كبير، ممثلا بثانوية الشويخ بكل مرافقها، من فصول دراسية وبيوت سكنية للطلبة وأخرى للكادر التعليمي وملاعب ومكتبة وغيرها من المرافق الأخرى.. فرق ما بين السماء والأرض بين ما تحويه مدينة الكويت من مبانٍ قديمة وهذا الصرح التعليمي الذي شيّدت مقابله الكلية الصناعية، التي كانت تهدف إلى تخريج فنيين من مختلف المجالات.

في العام ذاته 1954 تم إنشاء وافتتاح مدارس للمرحلة المتوسطة وفق النموذج الحديث للبناء، اثنتان في مدينة الكويت وأخرى في منطقة الشامية باسم «مدرسة الشامية».. ولأول مرة يشاهد التلاميذ هناك أرضية ليست من الطابوق الآجر أو الأسمنت، بل من الخشب «الباركيه» في صالة الألعاب، وكان بعض التلاميذ يعتقدون بأن حوض حمام السباحة المكشوف ما هو إلا «سد» مائي كالسدود المائية التي كانت موجودة في منطقة حولي أو الشعب.

في ذلك الوقت كانت منازل متوسطي الدخل والمحدود تبنى في أكثر من منطقة خارج المدينة، كبيوت بديلة، وتحول الوضع من البيوت الطينية إلى الأسمنتية.

بلد ناهض

ترافق ذلك مع حركة تحديث وبناء للمرافق الصحية، بعد أن تم تخصيص مساحات كبيرة جداً لتلك المناطق، وأهمها منطقة الصباح الطبية، التي لاتزال مستمرة في تقديم خدماتها الطبية.. هذه الحركة أتت قبل صورة الدستور المشهورة التي تحدثنا عنها.. كانت هناك أسس لبلد ناهض ويتحدث بإيقاع سريع ومميز، ليس قياساً بالمنطقة العربية، بل لا نبالغ إذا قلنا إنه تحديث على المستوى العالمي.. كان وجود مبانٍ ومؤسسات تعليمية كتلك الموجودة في ثانوية الشويخ قليلة جداً.. تعليم ونشاط مدرسي متكامل طوال ستة أيام في الأسبوع.. حازت بعدها بل يومها الكويت هذا اللقب كـ«عروس الخليج»، لتأتي الصورة الأخيرة لتسليم دستور البلاد كتاج يتلألأ على رأس هذه العروس.. صورة سابقة بقت ذكرياتها راسخة في الأذهان، كونها أتت كولادة جميلة ما بين جيل محروم ويعتاش على الكفاف، وجيل آخر ذاق قدراً يسيراً جداً، أو رائحة من هذا الكفاف، يجد أمامه ولادة جديدة تبشر بالنهوض والتقدم والطموح.

صرخات استغاثة

وهنا يبدأ القياس وليس الحنين إلى الماضي أو التغني فقط بالأيام التي مضت عند مقارنتنا بوضعنا الحالي، ليس في مجال واحد، بل في عدة مجالات، أو لنقل في مختلف المجالات، بدءاً من قضم التاج الذي وضع على الرأس منذ عام 1967، مع استمرار وتضخم بالمشاكل حتى يومنا هذا، لنجد في السنوات الأخيرة صرخات تنادي بالغوث في مجال التعليم المتردي، والذي يعد الركن الأساسي لبناء أي مجتمع منتج، واسألوا الكوريين عن ذلك، لمعرفة سر تقدمهم ونهوضهم الاقتصادي.. من دون تعليم تبقى أي عملية في مهب الريح وتضيع الإمكانات، ويصبح المستقبل قاتماً.. صحيح أنه استثمار مكلف، لكن نتائجه المستقبلية باهرة وواعدة، مهما شيد من مبانٍ أو شوارع.. هل نتحدث عن الرقابة الصحية والاكتظاظ الكبير عند مراجعة المراكز الصحية والمواعيد المتباعدة؟

إنه المرض الذي لا يحتمل التأجيل أو التأخير، وليس سفرة سياحية قابلة للتأجيل، ويكون الطريق الوحيد والملاذ الآمن للعلاج التوجه للطب الخاص للتغلب على المرض وعلى المواعيد الطبية في الوقت ذاته، ولكن ليس الجميع بيسر الحال المادي لسلوك هذا الطريق.

هل نتحدَّث عن السكن، الذي غدا من المستحيلات للطبقة الوسطى من المجتمع، مع تراكم الطلبات من سنة لأخرى.

المقتدر لا يهمه هذا الأمر، لا من قريب ولا من بعيد، ومن يتولى الأمور هم المقتدرون الذين أيديهم بالماء الزلال، في حين أن الآخرين يكتوون بنار الإيجارات والإخلاء في أي وقت يريده المالك.. تجول ما شئت في كافة القطاعات، فلن تجد صورة تسرك، مع استمرار تردي الأحوال، كما حال الطلبات الخاصة بالرعاية السكنية أو الطبية أو غيرها من الخدمات.

صرخات الشباب وحراكهم ليس لدوافع رفاهية، بل هو انعكاس لواقع مزرٍ يتلمسونه يوميا.. لم يعيشوا في أيام ماضية عندما كانت الصورة ناصعة، سمعوا أو قرأوا عنها بحكم السن.. والصرخة في أحيان كثيرة تتحوَّل إلى فعل، إذا لم يتم تدارك الأمر وسط محيط يحفل بحراك متعدد الصور، ويزداد مع تطور وسائط الاتصالات.
فهل من مدرك لهذه الأوضاع؟!

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *