الرئيسية » محليات » ماذا يعني تراخي «الداخلية» في تنفيذ الأحكام القضائية؟

ماذا يعني تراخي «الداخلية» في تنفيذ الأحكام القضائية؟

كتب محرر الشؤون المحلية:
تطالعنا الصحف اليومية، بين فترة وأخرى، بأخبار عن الحوادث الجنائية التي يرتكبها البعض، ممن صدرت بحقهم أحكام قضائية، لكنهم بقوا طلقاء من دون تنفيذ تلك الأحكام، ليمارسوا أنواع الإجرام، من اعتداء أو سرقة أو استيلاء على أموال، وعمليات نصب.

وفي أي جريمة حديثة ترتكب يتم اكتشاف أن من أُلقي القبض عليه كانت قد صدرت بحقه عدة أحكام.. منها ما نشرته صحيفة «القبس» في عدد لها في بداية هذا الشهر ضمن الجرائم المرتكبة «انه ألقي القبض في محافظة الجهراء على مواطن محكوم بتهمة حيازة مخدرات، بعد تعديه على مسكن مواطن في منطقة النسيم، حيث اقتحم منزله واعتدى بالضرب على العامل الهندي لديه، فاستدعى صاحب المنزل رجال الشرطة، وألقوا القبض على الجاني، الذي تبيَّن أنه مطلوب على ذمة عدد من القضايا، وهارب من العدالة منذ 3 سنوات وصادر بحقه حكم بالحبس 15 عاماً على ذمة قضايا مخدرات».

هذه الأخبار، ومثيلاتها، تطالعنا بها الصحف اليومية، من جراء ارتكاب مثل هذا المطلوب للعدالة أعمالاً إجرامية، وتم إلقاء القبض عليه، لتكراره لها، وليس لكفاءة وشجاعة رجال «الداخلية»، ولو لم يقم بدخول المنزل عنوة والاعتداء على العامل، لما قامت «الداخلية» بإلقاء القبض عليه، كجهة تنفيذية للأحكام القضائية، ولظل طليقاً يمارس إجرامه كيفما شاء. هذا ما يتم نشره، خلاف ما لا يُنشر، فربما تتجاوز حوادث الطلقاء الآلاف، ولو صدرت بحقهم أحكام جنائية، أو أحكام مدنية لمطالبات مالية لصالح الغير بموجب أحكام قضائية نهائية، إلا أن إدارة التنفيذ في وزارة الداخلية تتقاعس عن المتابعة، وتضيع حقوق الناس، من جراء تقاعسها، وخير مثال على ذلك الحادثة التي ذكرتها «القبس» تجاه هذا الطريد من العدالة، والذي صدر بحقه حكم بـ 15 عاماً.. ولولا استمراره في ممارسات إجرامية وإلقاء القبض عليه من قِبل المواطن الذي دخل بيته عنوة، لما قامت «الداخلية» بإلقاء القبض عليه.

وأحياناً أخرى، وفي القضايا المدنية، كما زودنا به أحد المتضررين، صدر حكم مدني حول إيجارات ضد أحد الأشخاص، وتم اتخاذ إجراء منع السفر، لتسديد ما عليه من مبالغ بموجب حكم محكمة نهائي، وعند التنفيذ تبيَّن أن «الداخلية» قامت بتسفير هذا الشخص للخارج، من دون مراعاة لحقوق الغير، ومع أنه دفع ما عليه من أموال، رغم أن هناك منع سفر صادرا ضده، فإن «الداخلية» قامت بإبعاده إبعاداً إدارياً، بموجب صلاحياتها، من دون الأخذ بالاعتبار القضايا والأحكام القضائية المدنية الصادرة بحقه.

ضياع الجهد والحقوق

ماذا يعني هذا التقاعس من قِبل الجهة التنفيذية الفعلية للأحكام القضائية، ممثلة بوزارة الداخلية؟

بالطبع تعني بداية ضياع حقوق الناس، بسبب عدم تنفيذ الشق المدني في القضايا المرفوعة ضد أطراف أخرى، وإضافة لذلك، فإن الجهد والكلفة المالية اللذين تم بذلهما في فترة التقاضي لدى وزارة العدل يذهبان هباءً، من جراء توقف التنفيذ الفعلي المناط بوزارة الداخلية.

كم عدد الجلسات التي تعقد في المحكمة الكلية لمثل تلك القضايا؟ هذا وقت «مالي» يترجمه قاضي الجلسات أو قضاة الجلسات في المحكمة الكلية أو الاستئناف.. فوقت المستشار في النهاية يترجم ماليا من خلال الراتب الذي يتقاضاه للنظر في الدعاوى المنظورة أمامه، كذلك هناك جهد ذهني يبذل في دراسة الدعوى التي أمامه، ليصدر في النهاية حكمه في الشق المدني أو الشق الجنائي، وفي المحصلة، وفي حالات متكررة، يضيع هذا الجهد والأموال المخصصة لهذا الجهد، نظراً لعدم قيام وزارة الداخلية بتنفيذ الحكم الصادر من الجهات القضائية للقضايا والدعاوى المختلفة.. كم من الساعات والوقت أمضاها عدد من المستشارين في دائرة العدل، ليصدروا حكما لمدة 15 عاماً ضد هذا الشخص الذي دخل منزلا عنوة واعتدى على أحد العاملين هناك، ولولا جريمته الأخيرة تلك، لما تم تنفيذ الحكم؟ هو في النهاية جهد وأعباء مالية تصرف من دون فائدة، هذا خلاف الفترة الزمنية التي قد تطول عند النظر في الدعوى، وفي المحصلة لا نتيجة فاعلة لها، من جراء التراخي في التنفيذ.

مكابرة وإصرار على النفي

ما دعانا للتطرُّق إلى هذا الأمر، ما صرَّح به المدير العام للجنسية ووثائق السفر، العميد مازن الجراح، في ندوة أقيمت أخيراً في رابطة كلية الحقوق «بأن لدى وزارة الداخلية قوة لتنفيذ كافة الأحكام، ولا توجد أحكام لم تنفذ، وخصوصاً في الشق الجنائي، وأن ما أشيع عن عدم تنفيذ 12 ألف حكم مجرد إشاعة إعلامية». والملفت بالفعل أن ندوته هذه التي أشاد فيها بقوة تنفيذ «الداخلية»، وأنه لا توجد أحكام لم تنفذ، أتت بعد نشر خبر إلقاء القبض على متعاطي المخدرات والصادر بحقه حكم بـ 15 عاماً سجنا، ومع ذلك لا يتردد العميد مازن في نفي تقاعس «الداخلية» بتنفيذ الأحكام، سواء الجنائية أو المدنية، وما عليه إلا العودة للأحكام، ليعرف حقيقة التنفيذ والتقاعس والفوضى التي تكتنف أعمالهم، لتضيع الحقوق المالية بالنسبة للقضايا المدنية أو الأحكام الجنائية، فلايزال عدد كبير من المحكومين يسرحون ويمرحون، من دون أن ينالوا عقابهم الجزائي.. المكابرة جزء أساسي من التصريحات التي يُدلي بها بعض المسؤولين، وهو طريق العاجز عن التصحيح أو الارتقاء بالعمل.. مكابرة وإصرار على نفي التقاعس، وأن كل شيء يسير على أرفع مستوى، وهذا طريق يؤدي إلى مزيد من التقاعس والتردي في الأداء.. وهذا ما يواجهه في الحقيقة من يصل إلى إدارة التنفيذ، لتضيع الحقوق، ويضيع معها الوقت والجهد القضائي الذي تم بذله، نتيجة التردي والتخلف في التنفيذ الفعلي للأحكام القضائية.

الجهة المعنية بالتنفيذ

ولمعالجة هذا الأمر، أعتقد بأن وزارة الداخلية ليست الجهة الكفوءة والقادرة على تنفيذ الأحكام القضائية، ويفترض أن تنقل هذه المهمة لتصبح تابعة لوزارة العدل، كجهة تنفيذية قضائية، ولتكون المسؤولية والمهمات محصورة بها.. فمن أصدر الأحكام هي الجهة القضائية، ممثلة بالقضاء والمستشارين، وبدلاً من نقل تنفيذ هذه الأحكام لجهة ممثلة بوزارة الداخلية مشهود لها بالتخلف الإداري، يفترض أن يكون التنفيذ لدى ذات الجهة التي أصدرت الأحكام، ممثلة بوزارة العدل وتابعة للسلطة القضائية.. أما استمرار الوضع عما هو عليه، فإن قدراً كبيراً من الأحكام يظل غير قابل للتنفيذ، ما يؤدي لضياع الحقوق والوقت والمال، ويبقى جهد القضاء ووقته من دون فائدة فعلية، وتبقى الأحكام القضائية مجرَّد أوراق تُنقع ويُشرب ماؤها، في ظل تراخي الإدارة التنفيذية في وزارة الداخلية.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *