الرئيسية » ثقافة » مخلوقات «ماركيز» الخرافية.. تنبع من الأساطير وتنزع للحرية

مخلوقات «ماركيز» الخرافية.. تنبع من الأساطير وتنزع للحرية

جابرييل جارثيا ماركيز
جابرييل جارثيا ماركيز

كتب محمد عبدالرحيم:
«أعترف لكم بأن سلالة الحكواتية – أولئك الشيوخ الموقرون الذين يرتلون حكايات ومغامرات مشكوك بها من «ألف ليلة وليلة» في الأسواق المغربية – هي السلالة الوحيدة غير المحكومة بمائة عام من العزلة، ولا بلعنة بابل» (ماركيز.. من نزوة القص المباركة).

صعدت مخيّلة صاحب (مائة عام من العزلة) الكاتب الكولومبي جابرييل جارثيا ماركيز إلى السماء، بعدما بلغ 87 عاماً (1927-2014).

هذه المخيّلة التي أنتجت شخصيات أطلّت من رأس صاحبها علينا لنتأسى على واقعنا الضحل، ونحاول أن نتمثلها في أحلامنا، وأن نسير معها خِلسة في طرقات مظلمة، أو في خيمات الغجريات وطقوسهم المدوّخِة، وهو الأكثر انتماء لهؤلاء الحكواتية الذين ذكرهم ماكيز نفسه، بل لعله أكثرهم بُعداً عن عالم العزلة الذي برع في تجسيده عبر أعماله التي أعادت للإنسانية براءتها ــ رغم القسوة ــ أعادت إليها الحلم.

نبوءة الخيبات المتكررة

ليس من السهل اختزال عالم «ماركيز» في كلمات، مهما حاولت، فلن تصل إلا إلى عبارات باهتة تدور في فلك حكايات وشخصيات تقارب الأساطير، من دون أن تختفي صفاتها الإنسانية وخيباتها المتكررة. شخصيات مضطربة الأفكار والأحلام، إلا أنها جميعاً، وبلا استثناء، تصدق أحلامها، وتحاول استجداء التنبؤ بها.

هذا ما يجعلنا نشارك أورليانو بوينديا (في رواية مئة عام من العزلة) نضاله، ونحزن لأمه حينما وضع رفاقه دائرة الطباشير من حوله، لتقف على أعتابها تراه في الظلام، وتخشى أن تقترب، وندرك أنه دخل في عزلته إلى الأبد. ونتتبع خطابات العشق المحموم، المنزوية في حوائط طرقات المدينة، الخطابات التي دأب فلورينتينو إريثا (في رواية الحب في زمن الكوليرا) كتابتها بدمه إلى معشوقة روحه (فيرمينا داثا)، التي ردّته خائباً وتائهاً لعقود، حتى ردّت على رسائله بالبقاء معه حتى الموت. هذا الموت الذي طال سانتياغو نصار (في رواية قصة موت معلن)، لتصبح حكاية عشقه قرباناً لكل عاشقي المدينة.. أما الحيوان الشبحي الذي جسدت حكايته كل مسالب السلطة وقذارتها (بطريرك) الدول المنكوبة بسلطته وعاشق ذاته، (في رواية خريف البطريرك)، فصفاته تتوزع على حكامنا بعدل متناهٍ، حتى أن دهشة المقارنة – بين بطريرك ماركيز، والذين يُطالعونا كل لحظة في صندوق الشر/التلفزيون ــ لم تزل على حالها حتى الآن. البطريرك الذي أمر الشمس بأن تطلع في الليل فأطاعت، وأمر ملك الموت بالعودة كما جاء، فعاد وظِله الخائب يسبقه، العالم بكل شيء إلا نفسه، نفسه الذي نسيها الجميع، حتى ملامحه توارت خلف صلف السلطة وشيخوختها، ليصبح هو الجاهل الوحيد والأوحد بمصيره، بعدما صاغ مصائر أجيال وأجيال من شعبه، الحرية التي نادت بها وعاشتها مخلوقات «ماركيز» ستظل تذكّر العالم بمدى قسوته وعقم روحه، وتطلق مع صاحبها الآن الضحكات الرحيمة علينا وعلى خيباتنا.

الواقع يفوق الخيال

بدأ ماركيز صحافياً، إضافة إلى كتابة القصص القصيرة ورواية قصيرة بعنوان «ليس للكولونيل مَن يُكاتبه»، ثم قام بكتابة روايته الأشهر «مائة عام من العزلة» عام 1967، والتي أرَّخت لأدب أميركا اللاتينية، ونال عنها جائزة نوبل في الآداب عام 1982.

هذه الرواية التي مزجت ما بين الأساطير الشعبية في كولومبيا ودول الكاريبي، وما بين الواقع السياسي المضطرب في هذه البلاد، ما جعل الشخصيات وتفاصيل حياتها التي توحي بالواقع، ما هي إلا صورة من واقع يفوق التصور أو الخيال. فمصطلح «الواقعية السحرية» الذي أصبح المرادف لمعظم أدب أميركا اللاتينية، والذي دشنته مائة عام من العزلة، فتح آفاقاً في السرد والحكي ومعالجة الواقع لم تكن موجودة من قبل على خريطة السرد العالمي، وبطريقة ماركيز الساخرة يعلق على المصطلح الذي صاغه النقاد، قائلاً «يكفي أن تقرأ أي خبر في جريدة من جرائد دول الكاريبي وستجد الواقعية السحرية».

العزلة

غلاف رواية "مئة عام من العزلة"
غلاف رواية “مئة عام من العزلة”

ولد ماركيز في السادس من مارس عام 1927 في بلدة أراكاتاكا في مقاطعة ماغدالينا الكولومبية، والتي أصبحت النموذج لبلدة ماكوندو، البلدة المحاطة بأشجار الموز على سفح جبل سييرا نيفادا.
في «مائة عام من العزلة»، استلهم ماركيز كل شيء من محيطه، فـ«ماكوندو» أرض قريبة من أراكاتكا، شمال الكاريبي، يُعرف هذا المكان كمنطقة لزراعة الفواكه كانت تديرها شركة أميركية، حيث قتل الآلاف من العمال بعد إضراب عام. تربى ماركيز في هذه المنطقة على يد جده (الكولونيل الساحر)، ثم بعد ذلك استعاده والداه للانتقال مع إخوانه وأخواته العشر، إلى محافظة قرطاجنة، إرضاء للمشاريع الصيدلية الكارثية للأب. هذا الأب الذي عجز عن معالجة ابنه حين كان مراهقاً يعاني نوبات القلق والفصام.

إن العالم الأدبي لماركيز حاضر بكامله في محيطه منذ طفولته.. بيئة اجتماعية قاسية، سحر السلطة، عائلة مهووسة بالشعوذة والضحك، النساء والخوف من الموت. كما أن حالة العزلة المضروبة هذه لم تقتصر فقط على الرواية التي تكاد تقارب نسخها الموزعة نسخ الكتاب المقدس، فالحالة ممتدة عبر جميع أعمال ماركيز، بداية من (ليس للكولونيل مَن يُكاتبه 1961)، مروراً بـ (خريف البطريرك 1975)، ثم (سرد أحداث موت مُعلن 1981)، و(الحب في زمن الكوليرا 1985). حتى إن كلمته التي ألقاها بمناسبة فوزه بجائزة نوبل جاءت تحت عنوان «العزلة في أميركا اللاتينية»، وقال فيها «إن تفسير واقعنا من أنماط عدة، وليس من خلالنا نحن، يجعلنا فقط نشعر في كل مرة وكأننا غرباء عن عالمنا، ونصبح أقل حرية وأكثر وحدة في كل مرة».

بحث ماركيز دوماً عن الحرية، رغم شخصياته الموصومة بقدرها، شخصيات تبحث عن حلمها الخاص، وتحاول الوصول إليه، عبر يقين الخرافات والتنبؤات، ومن هنا تخلق كل شخصية أسطورة حياتها، بالضبط كما فعل ماركيز نفسه بأساطيره السحرية حول حياته وكيفية العثور على شخصياته وحكاياتهم التي لن تتوقف، حتى لو توقفت مخيلة خالقها عن الطيران.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *