الرئيسية » ثقافة » ضمن عروض «استديو الأربعاء»: «اسم الوردة».. رعب السلطة من السخرية

ضمن عروض «استديو الأربعاء»: «اسم الوردة».. رعب السلطة من السخرية

ملصق الفيلم
ملصق الفيلم

كتب محمد جاد:
لم يجد عالم السيموطيقا، إمبرتو إيكو، في روايته الشهيرة «اسم الوردة» سوى حبكة بوليسية، وهي الحبكة الجديرة بالتأويل والبحث، وكأنه يُشيّد عالما آخر قوطي البنية، يمتلك من الأسرار كما في أبنية كنائس العصور الوسطى، من حجرات تنفتح على حجرات وممرات ضيّقة، وأبراج عالية تكاد تقارب السماء في مخيلة الرهبان.. في هذا الجو الكابوسي، ووسط جرائم قتل مبهمة يحاول إيكو البحث عن سبب اختفاء كتاب «الكوميديا» لأرسطو، رغم ذيوع وانتشار كتاب «فن الشعر» الذي عالج فيه أرسطو التراجيديا.

وتحوَّلت الرواية إلى فيلم بالاسم نفسه، إنتاج عام 1986، بطولة شين كونري وكريستيان سلاتر، ومن إخراج جان جاك آنو.. ورغم محاولات الفيلم التعبير عن أجواء الرواية من خلال اللغة السينمائية.. الإضاءة وزوايا التصوير، إضافة إلى أداء الممثلين والديكور والملابس، فإنه لم يستطع التعبير بالكامل عن نفسيات الشخصيات والمعلومات الكثيرة عن ذلك العصر الذي كتب عنه إيكو روايته الشهيرة.. وهي حالة معروفة عند نقل الأعمال الأدبية المتميزة إلى الوسيط السينمائي.

زمن الحكاية

تدور الأحداث في الثلث الأول من القرن الرابع عشر عام 1327، وفي ذلك الوقت كانت سلطة الكنيسة تتداعى لصالح ملوك وأباطرة أوروبا، إضافة إلى الانشقاقات الداخلية داخل الكنيسة، وانتشار الفرق الدينية التي ترى في نفسها فقط المدافع عن المسيح ودينه، وبالتالي انتشر تبادل الاتهامات بين هذه الفرق بالكفر والزندقة، وإقامة المحارق للخصوم، بهدف الاحتفاظ بخط دفاع أخير عن وجودها وشرعيته، فكان التعصب هو السمة العامة لتلك الفترة، الجو كابوسي بطبعه ويصلح تماماً لأحداث الرواية/الفيلم، بأن تصبح مسرحاً لحوادث قتل مجهولة تطول الرهبان الشبان داخل دير مغلق على الكثير من الأسرار والجرائم الأكثر وحشية في حق الإنسانية.

الحكاية

داخل دير منعزل بجبال الألب في القرون الوسطى، تقع عدة حوادث قتل للعديد من الرهبان، فترسل محاكم التفتيش أحد محققيها لكشف سر هذه الحوادث، ليكتشف الرجل أنها حوادث قتل، وليست مصادفات وقعت.

يلاحظ الرجل حاد الذكاء عند تشريح بعض جثث الضحايا، أن طرف لسان القتيل وإبهامه مغطى بطبقة سوداء، وبعد العديد من المحاولات، وتعرّض المحقق ومساعده للقتل، يكتشف الرجل أن الراهب الأعمى المسن قد قام بتضميخ أوراق أحد الكتب المحرّمة قراءتها ــ «كتاب الكوميديا» لأرسطو ــ بالسم، وقد حرّم قراءته ومنع استنساخه، لما يحمله من مفاسد روحية وأخلاقية، إلا أن رغبة بعض الرهبان كانت شديدة لمطالعة هذا الكتاب، وبالتالي يدفعون حياتهم ثمنا لقراءته، وبعد مواجهة المحقق للراهب بهذه الحقائق، يغضب الأخير، ملوّحاً بيده، فيقع القنديل على الأرض، لتلتهم النيران الكتب، بما فيها النسخة الوحيدة من كتاب أرسطو، الذي لم يستطع المحقق إنقاذه، لتستمر أسطوره فقده حتى الآن.

إثم الضحك

الفساد السلطوي هنا، والمتمثل في رجال دين العصور الوسطى، كلما تشككوا في قدراتهم زادت شراستهم تجاه الآخرين، ونحن نعرف كمّ الجرائم التي ارتكبت باسم الرّب في حق البشر، وبذكاء يبرر إيكو وجود كتاب أرسطو «فن الشعر» الذي يُشرّح فيه التراجيديات اليونانية الكبرى، ويجعل من عنصر «التطهير» الدرامي صمام أمان لثورة الجماهير ضد الحكام، وأرسطو نفسه معلم الساسة الكبار في ذلك الوقت، فوصل الكتاب إلينا، وحافظت عليه مكتبات الكنائس، لأنه يؤدي الغرض نفسه في إبقاء الحال كما هي عليها، أما الضحك والسخرية، فهنا يكمن الخوف الأكبر، فلا تخاف السلطة إلا من السخرية منها ومن أفعالها، وهو السبب الذي جعل الراهب يُخفي الكتاب عن التلاميذ، ويتمادى في حواره مع المحقق، بأن الضحك يغير من ملامح الإنسان ويجعله مسخاً، هذا على المستوى الجسدي والشكلي، أما على المستوى الروحي، فهو الفساد بعينه، لأن الضحك سيجعل الشخص يسخر من الحاكم، وأخيراً سيصل به الأمر للسخرية من الإله. أمر الضحك هذا دائماً تصوره السلطة أنه شيء ضار لا يرضاه الله، فالسخرية أول ما جاءت كانت في موقف ــ وفق الكتاب المقدس ــ سخرية الشيطان من الإنسان، وتوضيح وجهة نظره في تفوقه على هذا المخلوق الصلصالي، ومن وقتها وفعل الضحك نفسه وما يحمله من خلخلة النظام القائم، لهو أشد الأفعال المرعبة التي تخشاها السلطة، أياً كان شكلها أو طبيعتها، وما بين التراجيديا التي تهدئ الروح والكوميديا التي توقظ العقل وتجعله يحاول المعرفة والاكتشاف، من دون أن تسيطر عليه مشاعره، يتبدى الصراع، ليصبح بين تحكيم العاطفة وزيفها، وتحكيم العقل بأحكامه الناقدة، بين الجهل والتنوير، ولن ترضى سلطة بأي حال أن يصبح العقل هو المسيطر، لأنه سيحقق ثورته المؤكدة، وأول مَن سيثور عليه هو السلطة نفسها.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *