الرئيسية » قضايا وآراء » محمد جاد : ذاكرة الأموات

محمد جاد : ذاكرة الأموات

محمد جاد
محمد جاد

يتوهم قادتنا المبجلون دوماً في قدرتهم المطلقة على تدوين تاريخهم بحرية قصوى، أنه لو تنفست شعوبهم، ولو جزءا ضئيلا منها، لتغيرت الحال.

الحرية في التدوين هنا تجعل من التاريخ الرسمي والمُعتمد لدى السلطات الحاكمة عبارة عن سلسلة من الحوادث الغامضة والمثيرة للشفقة أكثر من إثارة الضحك. فلا يلوذون بمنطق سوى منطقهم الخاص، سواء في تسجيل البطولات الوهمية أو المعارك التي لم يخوضوها إلا في مخيلاتهم ناقصة الخيال. لتصبح قراءة التاريخ بداية من كتب مدارس الأطفال، ووصولاً إلى المرحلة الجامعية عبارة عن سلسلة من المفارقات، لا رابط بينها ولا عقل. لذا، فمن السهل جداً إزاحة حادثة ما من فكر ومعتقد جيل كامل، ثم إضافتها بعد ذلك، ليتمثلها جيل آخر، وكأن الحدث التاريخي أصبح حدثاً آنياً، فنحن في مجتمعاتنا نستقبل التاريخ دوماً في صيغة المضارع، وفق ما يتم تسويقه من أحداث.

وهكذا، سلسلة التلفيقات واللعب بوعي أجيال ستجد نفسها بعد حين تحيا في جزر منعزلة عن ماضيها وعن حكايات أجيال أخرى سبقتها، وهنا سيتم التشكيك في حكايات تلك الأجيال، ولن يكون هناك مجال إلا لتصديق ما تم تدارسه وحكيه، من خلال وسائل الميديا التي أصبحت تقوم بدور بوق السلاطين.

هذه العزلة هي التي تريدها أنظمتنا السياسية، حتى تستطيع السيطرة على العقول، وزرع بذور الريبة والشك بينها. إلا أن هذا الوهم في التزييف لن يدوم بحال، ومهما طال أجل اللعب على هذا الوتر، سيأتي وقت تتحلل فيه السلطة لتقوم فوقها سلطة أخرى تجمع المؤيدين وفق قواعد منحولة ــ هي نفسها ــ لتعيد الصياغة الرسمية لتاريخ آخر، وهكذا حتى تصبح هي نفسها جزءا منعزلا في ذاكرة جيل من الأموات.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *