الرئيسية » عربي ودولي » على مشارف الانتخابات الرئاسية: مصر.. آفاق الثورة والأحلام الموؤدة

على مشارف الانتخابات الرئاسية: مصر.. آفاق الثورة والأحلام الموؤدة

عبد الفتاح السيسي
عبد الفتاح السيسي

كتب محمد الغربللي:
«غزل البنات».. كان آخر فيلم للفنان الكوميدي الراحل نجيب الريحاني.. الفيلم الوحيد الذي جمعه مع الفنانة ليلى مراد، وقتها لم تكن ذات شهرة كبيرة، قياساً بالفنانين الكبار، فصاحت فرحاً باختيارها التمثيل مع هذا الفنان الكبير، الذي ملأ المسرح والسينما بالأعمال الفنية والمسرحية، ولكن القدر لم يمهله لرؤية الفيلم في دور السينما، فقد وافته المنية في يونيو عام 1949، قبل عرض الفيلم على المشاهدين من عشاقه الذين لايزالون يتذكرون وفاة هذا الفنان الرائع، في الوقت ذاته الذي يتذكرون فيه دموعه في نهاية الفيلم، ألماً من الحب الذي يكنه في داخله لمحبوبته (البطلة ليلى مراد) من طرف واحد.

عُرض الفيلم مرات عديدة على شاشات التلفزيون، وأحداث قصته معروفة، هي باختصار تدور حول أستاذ حمام (نجيب الريحاني) مدرس ابتدائي للغة العربية يعيش في تعاسة، وباب الحظ مغلق أمامه، مرزوق (عبدالوارث عسر) يرشحه لتدريس ابنة الباشا ليلى مراد، ومن هنا تسير قصة الفيلم.. ابنة الباشا تقع في حب البلطجي أنور (محمود المليجي) الذي يغويها بحبه، طمعا في ثروتها، ومن ينقذ بنت الباشا من هذا النصاب غير الضابط وحيد (أنور وجدي)؟! اسمه موجود على ملصق الفيلم، ولا يظهر إلا في المشهد الأخير بزيه العسكري وهو يتصارع مع النصاب ويهزمه وينقذ البطلة منه، ليرتبط في ما بعد بقصة حب مع تلميذته، وسط حسرة ودموع نجيب الريحاني، الذي لم يحظَ بحب متبادل مع تلميذته بنت الباشا، التي فضلت في نهاية الفيلم الضابط العسكري الشاب على ابن البلد الفقير.

لو أن فيلم «غزل البنات» أُنتج منذ سنة، لنظر إليه على أنه إسقاط رمزي على حالة مصر.. فالفائز دائماً من العسكر، بنياشينه ونجومه الذهبية على الكتف، فهو الذي يتدخل وقت اللزوم، ويصفق له الجمهور إعجاباً ببطولته..

ليس ابن البلد أو الموظف البسيط من يتولى الإنقاذ، بل العسكري هو الذي يردع ويلاكم ويصنع الحد الفاصل لأي نهاية.

أمن الرئيس.. وحرمه

الموضوع ليس تناول فيلم «غزل البنات»، بل ما يجري حاليا في مصر.. ولماذا مصر؟

كونها تتمتع بقدر كبير من المكانة التاريخية، وخصوصا بعد ثورة يوليو، حيث أصبحت اللاعب والمؤثر الرئيسي على مستوى العالم العربي والدول النامية، كما كان لها دور مؤثر قامت فيه كجدار أمام المواجهة الإسرائيلية والضغوط الأميركية، قبل أن ينهار هذا الجدار مع غياب من شيَّده ومجيء السادات، الذي تولى هدمه منذ توقيعه اتفاقيات كامب ديفيد، وأتى بعده حسني مبارك، الذي حافظ على عملية الهدم تلك، وشيد حكمه على منظومة الأمن الداخلي، ليس لتوفير أمن مصر، بل أمن نظامه وطبقة الأثرياء التي نمت وتشعبت في عهده، إلى درجة أن عدد قوات الأمن المركزي فاق مئات الآلاف.

يُحكى أن أحد الزوار الأجانب في عهده كان في طريقه إلى القاهرة، فوصل إلى المطار، وأنهى إجراءات السفر، واستقل سيارة أجرة، متوجها لوسط القاهرة، قاصداً أحد فنادقها.. كان الطريق سالكاً، ولا ازدحام يقلل السرعة.. ولكن في الجهة المقابلة من الشارع الرئيسي يوجد طابور طويل جداً على مدّ النظر من السيارات المتوقفة باتجاه مدينة نصر.. توقف كامل لحركة المرور.. لا يوجد حادث أو عرقلة للشارع، وحين سأل عن سبب هذا الازدحام، أوضح له سائق التاكسي أنهم «متعودين» على إغلاق الطريق عندما تمر حرم الرئيس خارجة من القصر الرئاسي، ولتأمين سلامتها يتم إغلاق الطريق بهذا الشكل، وقد أصبح اعتياديا أن تتوقف أرتال من السيارات المتوجهة للمطار أو أي مناطق في اتجاهها، فأمن حرم الرئيس من أمن الرئيس!

ويروي د.جلال أمين في إحدى كتاباته قصة حضوره لافتتاح معرض الكتاب، وكان الرئيس السابق حسني مبارك يجتمع مع مثقفين يتم اختيارهم بعناية وتدقيق، ويذكر أمين أنه احتاج للذهاب إلى غرفة الاستراحة (الحمامات) ومن حسن حظه أنه وجده مفتوحاً، لأن أحد أصدقائه تأخر في الذهاب، فوجد كافة أماكن الاستراحات مغلقة بعناصر الأمن، ولا يستطيع أي كان الدخول إليها لقضاء حاجته «الفيزيولوجية».. فأمن الرئيس هو الأولوية في كل شيء، وأخذ الرجل يعاني العذاب المرّ، ويطلب من الله أن يصبّره على هذه الورطة التي ألمَّت به حتى ينهي الرئيس لقاءه ويغادر القاعة، ليأتيه الفرج بعد ذلك.

المنظومة الأمنية

الأمن؟ يقصد به أمن الرئيس وعائلته وحاشيته، فهو الأساس وتم بناء منظومة أمنية مُحكمة لتأمين سلامته الشخصية، بعد زيادة الأعمال الإرهابية ضده، وبالذات بعد حادثة إطلاق النار عليه في العاصمة الأثيوبية في يونيو 1995.

ولكن مهما كانت الممارسات الأمنية الطريق الوحيدة للمحافظة على النظام، أو اعتماد الأمن وحده في إدارة الدولة، فلن يؤدي ذلك إلى ثباته أو استمراره، وهذا ما كشفت عنه الحالة الثورية التي انبثقت في 25 يناير.. كما لا توجد أي ركيزة أمنية ما لم تقم على الكرامة الإنسانية وحقوق المواطنة الكاملة والحرية للشعب..!

حالة عنف متصاعدة

الانتخابات الرئاسية على الأبواب، والأوضاع الأمنية ازدادت سوءاً في الأشهر الأخيرة في سيناء أو غيرها من المدن المصرية.. والملاحقات الأمنية وتوجيه التهم وإلقاء القبض العشوائي تنامى، وتم إنشاء محاكم خاصة لمواجهة الأعمال الإرهابية، ومنها محكمة المنيا، التي أصدرت حكمها بإعدام 528 شخصا خلال جلستين!

نوع من القبضة الأمنية لا يقل في الشكل والمضمون عن أيام نظام حسني مبارك.. وكلما زادت العمليات التي توصف بالإرهابية، حتى لو كان التحرك تظاهرات سليمة، زادت قبضة الأمن، وانتشرت في المدن وشوارعها، وعلى رأسها القاهرة والإسكندرية والسويس وغيرها من المدن الأخرى. إذن، كيف ستجرى الانتخابات التي من المفترض أن تأتي في إطار ديمقراطي، بموجب أهداف ورؤى ثورة 25 يناير؟

بالطبع الحالة الأمنية ستطغى على أجواء هذه الانتخابات، وهناك مؤشرات عليها، وأهمها التصريحات التي صدرت من أهم المرشحين، وهو المشير عبدالفتاح السيسي أو ممن حوله «بأن الأسباب الأمنية تحول دون قيامه بحملات انتخابية جماهيرية عامة، على غرار ما قام به المرشحون في الانتخابات الرئاسية السابقة».. هو ترشيح عن «بُعد» من دون حملات ذات تواجد جماهيري، وفقا لما تقتضيه الظروف الأمنية.. ولعل القيادي في جماعة الإخوان المسلمين إبراهيم منير، المقيم في لندن، كان صريحا في عبارته بأنه «لن يكون هناك استقرار أو أمن في ظل رئاسة عبدالفتاح السيسي».. تصريح منير هذا ليس فقط نوع من الإعلان الصحافي أو إنذار، بل أكثر من ذلك، هو قراءة واقع يومي يصبغ الحياة في مصر، بالتظاهرات التي لاتزال مستمرة والاشتباكات بين قوات الأمن والمتظاهرين والقتلى خلال تلك المواجهات والأعمال الإرهابية في سيناء وغيرها.. الأحداث هي التي تعطي المشهد صورته العامة، وترسم تضاريسها على البلد، كالحال في العراق أو سوريا أو ليبيا، ويُخشى أن يتنامى هذا المشهد مع الإصرار على تكريس الحل الأمني، والأمني فقط، هنا ستتشكل حتماً منظومة أمنية، حتى لو بلغ المشير عبدالفتاح السيسي منصة الرئاسة، فهي ليست نهاية السباق، أو الوصول إلى بر الأمان، فالطرف الآخر سيستمر، ما دام لا يجد أمامه إلا المواجهة الأمنية والحصار والملاحقة، وحتى استخدام السلطة القضائية، وفق الرؤية السياسية، وليس القانونية.. ومع تقليص المناخ الديمقراطي ستزيد عوامل الإرهاب، وتصبح أكثر تطرفاً، وبالتزامن طرداً ستزيد الحالة الأمنية والمواجهة من قوتها للتصدي، وهكذا ارتفاعاً للوتيرة من دون خلاص.. وليس أدلّ على ذلك مما أعلنه السيسي قبل مغادرته مؤسسة الجيش عن إنشاء وحدة خاصة للتدخل السريع لمواجهة الإرهاب مجال عملها، ليس في البلد فقط، بل في الأقاليم..!

لجنة مصالحة مجمدة

صدرت دعوات للتصالح، وبحث كافة الأمور بين كافة الأطراف في مصر، وهذا ليس بالأمر المستجد أو الحديث العهد، فبعد تظاهرات 30 يونيو وخروج «خارطة الطريق»، التي حددت المسار، وأسفرت عن تشكيل لجنة لصياغة الدستور وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، ورد ضمن مواد خارطة الطريق فقرة عن تشكيل «لجنة الحوار»، إلا أنها لم تفعّل أو تثبت وجودها، جراء تعنت الإخوان والتظاهر في ميدان رابعة، ورد مؤسسة الجيش على هذا التعنت، وإخلاء الميدان بثمن باهظ جداً، لأنه أسفر عن سقوط ضحايا، وبالتالي بدأت عجلة العنف والمواجهة، ولاتزال مستمرة من دون توقف.

مبادرة ميتة

مبادرة فردية صدرت من د.حسن نافعة منذ ما يزيد على الشهرين أتت ضمن إطار عام للمصالحة الوطنية، كما رشّح لها أسماء كبيرة، على رأسها الكاتب الصحافي الكبير محمد حسنين هيكل، ومفكرون آخرون، ليبدأ بتشكيلها ووضع أسس الحوار.. لكن هذه المبادرة ولدت ميتة، وتعرض د.نافعة للهجوم، ونعت بأوصاف من قِبل المهرجين الإعلاميين الذين تكاثروا في الفترة الأخيرة، وتم وأد المبادرة، على الرغم من نبل معانيها وأهدافها.

مصر الآن مُثقلة بالقضايا التي تمس المواطن في حياته اليومية، وخاصة الطبقتين الفقيرة والوسطى، تمس معيشتهم الحياتية، من تعليم وصحة وسكن وارتفاع معيشة ومواصلات.. مشاكل لا يمكن أن تحل إن لم يتوافر الأمن والسلام الوطنيان.. وهذا غير متوافر في الوقت الحالي على الأقل.. ثورة 25 يناير لاتزال مخطوفة، مرة من التيار الإسلامي الذي وضع أهدافه الخاصة في بداية طريقه، بدلاً من أهداف الثورة، وأخرى من المؤسسة العسكرية، التي عادت بقوة، ولكن وإن كانت ثورة 25 يناير مخطوفة، إلا أن مناخها العام الذي هيأته «الحالة الثورية» لايزال مستمرا، بعد نزع القيد الحديدي من يديها في 25 يناير.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *