الرئيسية » إقتصاد » فاتورة الدعم.. ستتحوَّل قريباً من مرحلة الأزمة إلى الكارثة

فاتورة الدعم.. ستتحوَّل قريباً من مرحلة الأزمة إلى الكارثة

مجلس الأمةكتب محرر الشؤون الاقتصادية:
جاء إقرار اللجنة المالية البرلمانية زيادة علاوة الأولاد إلى 65 ديناراً لسبعة أبناء، وبتكلفة إجمالية تصل إلى 83 مليون دينار، ليفتح الباب مجددا حول خطورة ارتفاع فاتورة الدعم، التي تتزايد عاما بعد الآخر، من دون أن يوقفها أحد، في وقت تحتاج فيه الكويت، وبشدة، لإعادة النظر بمنظومة الدعم، على أساس أنها مع الرواتب تأكل غالبية إيرادات الكويت النفطية.

وعقب الموافقة، بيَّن مقرر اللجنة المالية البرلمانية، محمد الجبري، أن اللجنة وافقت على زيادة علاوة الأولاد بأغلبية أعضائها، وأنها رأت أن مقترح زيادة علاوة الأولاد لسبعة أبناء، بزيادة قدرها 65 ديناراً، يعد الأقل تكلفة من بين المقترحات النيابية المقدَّمة.

وبعد إعلان اللجنة المالية الموافقة على هذه الزيادة، التي تصل إلى نسبة 30 في المائة من المبلغ المدفوع طبقاً للقانون المطبق حالياً، خرج عدد كبير من النواب بتصريحات إشادة بقرار اللجنة، واصفين هذه الزيادة بأنها مستحقة، وأن أهل الكويت يستحقون مثل هذه القوانين التي تساعدهم على تحمُّل الأعباء المعيشية المتزايدة، معربين عن أملهم في موافقة الحكومة على هذا القانون.

إصرار على التمرير

ورغم أن مجلس الأمة أجَّل البت في زيادتي علاوة الأولاد، وبدل الإيجار إلى دور الانعقاد المقبل، فإن الأمر واضح للجميع، والنية مبيتة عند النواب للضغط بشدة على الحكومة، من أجل تمرير هذه الزيادة، وقد يصل الأمر إلى عقد صفقات «نيابية – حكومية»، من أجل تمريرها، مثلما حدث في أكثر من قانون تم تمريره على هذه الشاكلة، وهذا بلا شك سيكلف الميزانية العامة للدولة مبالغ مالية جديدة، تضاف إلى الأعباء الكثيرة التي تحملتها الميزانية خلال العامين الماضيين، في وقت تظهر فيه كل الأرقام والدراسات عجزا متوقعا في ميزانية الدولة بعد سنوات قليلة تعد على أصابع اليد الواحدة، وإن كان المجلس أجّل مؤقتاً المواجهة مع الحكومة لإقرار هذه الزيادة، لكن النية مبيتة، وهناك إصرار نيابي لإقرار قانون جديد ضمن سلسة قوانين زيادة المالية وصلت بنوده في الميزانية إلى حوالي 5 مليارات دينار سنويا.

مخاوف الوضع المالي

ووفقا لجميع الدراسات والتقارير والأرقام التي نشرت خلال الفترة الماضية، هناك إجماع على حقيقة واحدة، وهي أن الوضع المالي للدولة مخيف، والأوضاع المالية الراهنة، والمخاطر المستقبلية، تنذر بحدوث كارثة مالية في الكويت خلال سنوات قليلة، إذ أجمعت دراسات المؤسسات الدولية المتخصصة والمؤسسات المحلية التي أعدت حول الاقتصاد الكويتي، على أن معدلات الإنفاق الجاري أعلى بكثير من معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي، بما يشكل خللاً بالغ الخطورة على الاقتصاد الوطني في الحاضر والمستقبل. وكان الأجدر بالنواب، بدلا من التربص لتمرير قانونين جديدين يزيدان الإنفاق الجاري (قانون زيادة علاوة الأولاد – وقانون زيادة بدل الإيجار) بحث مقترحات تعالج الخلل القائم في الميزانية، وتجنب المزيد من الهدر المالي الذي سيكون له آثار ومضاعفات بالغة الخطورة على مختلف المستويات، فالسنوات المتوقع حدوث العجز المالي فيها، سواء كانت 2018، أو 2020، أو حتى 2022، تقترب بشدة، وباتت على مرمى حجر، والخطورة تزداد، والأمر يتطلب سرعة ضبط الإنفاق الجاري، بهدف ضمان إيصال الدعم إلى مستحقيه من أصحاب الدخول المتوسطة والمحدودة، وتأمين مقومات الحياة الكريمة لهم، بدلاً من إقرار قوانين يستفيد منها أصحاب الدخول المليونية قبل محدودي الدخل.

سنوات عجاف

المؤكد أن الكويت مقبلة على سنوات عجاف، والفائض المالي الذي يتحقق حاليا ستبتلعه السنوات المقبلة، والكثير من التقارير والدراسات والتوصيات من جهات دولية طالبت الكويت بخفض النفقات العامة، وعدم الإسراف في الإنفاق الجاري، انسجاماً مع الظروف الحالية، وتماشياً مع المصلحة العليا للبلاد، في ظل تذبذب أسعار النفط، واحتمالية تراجعها في السنوات المقبلة، إلى مستويات أقل من السعر الافتراضي الموضوع في الميزانية العامة، وهو ما يعني عجز الدولة عن دفع مرتبات الموظفين، وجميعنا يذكر الأزمة التي أوشكت الحكومة فيها أن تعجز عن سداد فاتورة باب الأجور والرواتب عندما انخفض سعر برميل النفط إلى 8 دولارات في العام 1999، ولكن يبدو أن النواب لم يكن لديهم الوقت الكافي لتذكر هذه الأزمة، ولم يكن لديهم الوقت الكافي أيضاً، للاطلاع على التقارير والدراسات التي تحذر من عجز محتمل في ميزانية الكويت، والاحتمال الأرجح أنهم غير مقتنعين أن أسعار النفط من الممكن أن تتراجع إلى ما دون السعر المفترض في الميزانية، لذلك انصب اهتمامهم على مصالحهم الخاصة القائمة على إقرار مزيد من هذه القوانين الشعبوية، ولكن على الكثير من أعضاء مجلس الأمة والمسؤولين أن يدركوا أن الفوائض المالية التي تتحقق كل عام على وشك الانتهاء، وحينها لن تستطيع الدولة دفع علاوات الأولاد هذه التي يطالبون بزيادتها، وبدل الإيجار، والكثير من الدعومات الأخرى، بل قد يصل الأمر إلى عجز الدولة عن دفع مراتب وأجور الموظفين. لذلك، المطلوب حالياً التفكير في الواقع المقبل، وسيحسن مجلس الأمة صنعاً إذا أخذ بعين الاعتبار الأوضاع المالية المقبلة، وعدم تحميل الميزانية أعباء اضافية، ويكفي ما تحملته الميزانية من أعباء خلال الأعوام القليلة الماضية، من زيادة مرتبات وكوادر، وإسقاط فوائد القروض، وزيادة القرض الإسكاني، فواقع مستقبل الكويت المالي مؤلم، لكن الأشد إيلاماً أن تكون المعالجة برائحة سياسية، تتغلب فيها المصالح السياسية على مصلحة الوطن.

مرحلة حرجة

إن المرحلة الحالية في تاريخ الكويت على وجه الخصوص تستدعي ترشيد الإنفاق وحُسن الإدارة، لكننا للأسف في هذه المرحلة تحديداً نعيش مرحلة إسراف في الإنفاق، وتوزيع لا محسوب لثروة البلاد من دون أسس اقتصادية سليمة، ومن دون التحوط لتدهور أسعار النفط مستقبلا، وهذا الأمر يوجب علينا اتباع سياسة مالية رشيدة، والصرف على المشاريع الإنتاجية التي تدر دخلاً على البلاد مستقبلا، يحميها من تدهور أسعار النفط، لكن كل من يتحدث عن ترشيد الدعم، والتقليل من سيل القوانين الشعبية الذي يمطرنا به النواب، يجد نفسه أمام هجمة نيابية شرسة، واتهامات من أطراف كثيرة بمعاداة الشعب والمواطن محدود الدخل، والقليل من النواب من يدعون إلى وضع ضوابط للقوانين الشعبية.. وللعلم، نحن لسنا ضد محدودي الدخل، ولسنا ضد مساعدة هذه الفئة، ولسنا ضد توفير حياة كريمة للمواطن، ومساعدة المواطنين الذين اكتووا بنار الغلاء، فالجميع يريد أن يصل الدعم لمستحقيه، لكن «ما هكذا تورد الإبل»، فالمستقبل المالي للكويت يتحتم علينا أن يكون الدعم بشكل مقنن، يتزامن معه وجود آليات لمعالجة الخلل في الميزانية والخلل في الاقتصاد، والبحث عن مصادر أخرى للدخل. ولكن للأسف البعض – ولن نقول الكل – يبحث عن مصالحه شخصية، ولا يفكر في حلول عملية لأي مشكلة، وعلى سبيل المثال، مشكلة الإسكان التي يطالب النواب بزيادة بدل الإيجار لحلها، لم يفكر أحد في حلول قاطعة لهذه المشكلة، ففي حين يفكر النواب في زيادة بدل الإيجار بمبالغ مالية إضافية، نجد أن ما أنفق على هذا البند فقط، كان كفيلاً بحل جزء كبير من المشكلة الإسكانية، حيث نجد أن مجموع ما أنفق على بدل الإيجار خلال الـ 22 سنة الماضية يكفي لبناء 25 ألف قسيمة سكنية، كما أن تكلفة بدل الإيجار للمنتفعين منذ عام 1992، وحتى عام 2013، وصلت إلى مليار و428 مليون دينار.

فاتورة الدعم

إن فاتورة الدعم تتزايد عاماً بعد الآخر، وتضغط بقوة على الميزانية العامة للدولة، حتى وصل الدعم وحده إلى 4.8 مليارات دينار، بنسبة تقارب 30 في المائة من إجمالي المصروفات العامة، ومع إضافة بند الرواتب والأجور إلى بند الدعم، نجد أنهما – الرواتب والدعم – يستنزفان 90.2 في المائة من الإيرادات النفطية.. ووفقا لميزانية العام المالي (2013 – 2014)، فإن اجمالي المصروفات يقدر بنحو 21 مليار دينار، استحوذت المرتبات وما في حكمها على نحو 10.4 مليارات دينار، بنسبة تبلغ نحو 49.6 في المائة، من إجمالي المصروفات، وبلغ إجمالي الدعم 4.8 مليارات دينار، بنسبة تبلغ 22.9 في المائة من إجمالي المصروفات، في حين كان نصيب المصروفات الاستثمارية 3.2 مليارات دينار فقط، بنسبة تبلغ نحو 15.2 في المائة، وباقي المصروفات تقدر بنحو 2.5 مليار دينار، بنسبة 12.2 في المائة، من إجمالي المصروفات.

وبقياس المرتبات والدعم على أساس الإيرادات النفطية، نجد أن المرتبات، وما في حكمها تأكل نحو 61.7 في المائة من الإيرادات النفطية المقدرة بنحو 16.8 مليار دينار – على أساس 70 دولاراً للبرميل -، أما الدعم، فيأكل نحو 28.5 في المائة من الايرادات النفطية، ليصل إجمالي المرتبات والدعم إلى نحو 90.2 في المائة من الإيرادات النفطية.

وفي النهاية لا نحتاج إلى القول بأن ميزانية الكويت تعاني خللاً حقيقياً، يتمثل في تزايد المصروفات عن الإيرادات، فالكل يعرف هذه الحقيقة، إلا أن هذا الأمر يبدو أنه لم يلفت أبداً انتباه بعض أعضاء مجلس الأمة، الذين يقاتلون وبشراسة من أجل اقرار مزيد من القوانين “الشعبوبية”، التي تضمن لهم كرسيا تحت قبة البرلمان، من دون التنبه إلى الخطر الحقيقي، في حال هبوط سعر برميل النفط إلى مستوى دون المقدر في الميزانية، وفي هذه الحالة سيتحول العجز المقدر في الميزانية إلى واقعي حقيقي، وهذا أمر أصبح وارداً جدا، في ظل ثورة النفط الصخري، والاستفادة من التقدم التكنولوجي في إيجاد بدائل جديدة للطاقة.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *