الرئيسية » قضايا وآراء » ماجد الشيخ : في فضاءات الصدام.. وتصادم الرموز

ماجد الشيخ : في فضاءات الصدام.. وتصادم الرموز

ماجد الشيخ
ماجد الشيخ09

في بلادنا كثيراً ما تتماهى الرموز وتتصادم، أو يتصادم الناس بسببها، حتى لم يعد بمقدورهم تحييدها أو التعالي بها ومعها عن سفاسف ما يريد ويتمنى ويشتهي العصابيون والمتعصبون، لما يعتبرونه «رموزهم المقدسة». وبهذا، تأسست وتتأسس سرديات الحروب الأهلية من صدام وتصادم الناس، انحيازا وانتصارا لتلك الرموز.

 وما نتج وينتج جراء ذلك، ينطوي على أنه بين انفجار الهويات الدينية والقومية، وفق أبرز تجلياتها الأيديولوجية، وتصادمها، ذاتيا وبينيا، وبين ادعاء الطهارة والقداسة الأيديولوجية للأصوليات الدينية، ومزايداتها، كل في مواجهة الأخرى، تكمن مسيرة طويلة من سرديات الادعاء والتعالي والصلف والغرور، الممزوجة بقدر عالٍ من الفصام والأيديولوجيا المريضة، حتى أن ادعاءات بعض «المتأسلمين» في الغرب عن طبيعة مجتمعاتهم ودولهم، البعيدة عن شوائب المجتمعات الغربية، تفضحها تلك الممارسات والسلوكيات التصادمية والانتحارية للفرد وللجماعة الدينية في «الفضاء الإسلامي»، حيث تحوَّلت المجتمعات والدول إلى أشتات، متواجهة ومتناحرة، في خلاف يستعيد إرث الماضي كله، برموزه وبسردياته الخرافية والأسطورية، وتبجيلية ذاك التراث «المنتقى» و«المصفّى» الذي لم يجر الحفاظ إلاّ على سيمائه وسماته التقليدية، كمرتع للخلاف والاختلاف، وعدم الاتفاق إلاّ على أقل القليل من العبادات والتشريعات والطقوس التي تحولت هي الأخرى إلى عناوين رمزية، وكمؤشر لتصادم الذات مع ذاتها، والذوات المتشابهة مع المتشابه والمتنافر من الذوات ذاتها والذوات الأخرى، حتى بلغت الحروب الأهلية أمداء لم يعد معها من مجال لأي إصلاح، لا للنصوص الدينية ولا للبشر، فأي أمل باستعادة ألق الوحدة السياسية أو المجتمعية أو الأهلية في بلاد أسس الدين الواحد بطوائفه ومذاهبه لانقساماتها، وللفتن المتناسلة من فرقها وتياراتها وأحزابها التي لم تنجُ من التمزيق البيني الداخلي، استناداً إلى تأويلات ما أنزل الله بها من سلطان، ومنها من صارت بقوة القائلين بالتأويل الإسنادي /العنعني هي السلطان.

لهذا.. من البداهة القول بأن الإنسان منذور للانتصار لقيم العقل والتنوير والاستنهاض والحداثة والتسامح، والمساهمة في السلم الأهلي والدولي، أي للانحياز لقيم العقل والعلم التي لا يمكنها الوقوع في حبائل الأصوليات المتناحرة والمتقاتلة في داخلها وفي ما بينها، تلك القيم ليست قمينة بسلوك طرق الاستتباع للآخر، أو الخضوع لمنطق رفض العلمانية من قبل أعدائها المتسربلين بالدين وبأقنعة مقاومة الاحتضار والانحطاط، على ما صارت تجارة بعض متدينينا، وهم يلبسون ألبسة غير ألبستهم، فالمقاومة والإرهاب والاستبداد والتغول السلطوي وطغيان القيم التقليدية.. كل هذه الأقانيم لا يمكنها أن تلتقي أو تتعايش فوق سطح واحد، مع ما تعيشه البشرية اليوم من قيم عالمية لا يشق لها غبار.

كما أن الحداثة، بقيمها الكونية، لا يمكن إخضاعها لإحالات ومجالات التفكير الخرافي أو الأسطوري، على أن المقاومة.. إما أن تكون عامة ووطنية بالضرورة، وإما أن فئويتها والذهاب للأقاصي المذهبية، لن يكون من شأنه سوى تكريس الاحتلالات الأجنبية، مضافا إليها تلك الاحتلالات المكشوفة للفضاء العام، والاختلالات البنيوية، واستبعاد السياسة، وإقصاء المختلفين، واستبعاد الحوار، وترذيل قيم التسامح، وجماع هذا كله تلك الوصفة المؤكدة لتخليق واقع تعصّبي تُدميه الحروب الأهلية، وتملأ فضاؤه العام معطيات صراع الهويات القاتلة المتذابحة والمتحاربة، من أجل إحلال الرموز التقليدية، بديلا لقيم الحياة المتجددة العصرية والأكثر حداثة، في مواجهة «الموات العظيم»، ذاك الذي أفشته وأشاعته البنى الخرافية وأساطيرها المؤسسة، في بنية مجتمعاتنا و سلطاتنا الأهلية و«الدولتية» الاستبدادية.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *