الرئيسية » محليات » قانون الـ BOT الجديد.. في ميزان المصلحة العامة والشبهات

قانون الـ BOT الجديد.. في ميزان المصلحة العامة والشبهات

عدم استكمال مشروع مستشفى الجهراء دليل فاقع على هشاشة القطاع الخاص
عدم استكمال مشروع مستشفى الجهراء دليل فاقع على هشاشة القطاع الخاص

كتب محرر الشؤون المحلية:
نشرت صحيفة الجريدة في عددها الصادر 22 مارس الماضي مسودة القانون لمشروع الـBOT، المقرر أن تتم مناقشته في اللجنة المالية، تمهيداً لعرضه في اجتماع قادم على جدول أعمال المجلس.. يأتي هذا القانون، الذي لايزال مشروعا قيد المناقشة، تعديلاً للقانون رقم 2008/7، الذي صدر بشأن الموضوع ذاته في عام 2008، والذي اعتبره البعض من الناحية الفنية أنه قانون صارم لا يشجع المستثمر المحلي أو الدولي على القيام بمشاريع بموجب نظام الـ BOT، ومن هنا أتت مبادرة حكومية بطرح مشروع القانون الحالي على المجلس.

لا نريد أن نحصر أنفسنا بمقارنة بين القانون السابق والمشروع الحالي، قبل أن نتطرَّق بصورة عامة إلى فلسفة القوانين الصادرة، فأي قانون يعد انعكاساً لواقع موضوعي، وأساس النظرية الاقتصادية لنظام الـ BOT، هي أن الدولة غير قادرة – لعجز في موازنتها ومواردها – على توفير مصادر مالية، من أجل تنفيذ مشاريع مهمة لمواطنيها.. لذا، تترك المجال ضمن ضوابط محددة للقطاع الخاص المحلي أو الخارجي للقيام بمثل تلك المشاريع وإدارتها ضمن فترة زمنية محددة، وبعدها تؤول ملكية هذا المشروع للدولة.. وبذا، توفر الدولة الأموال اللازمة لبناء المشروع، وتخلق فرص عمل لمواطني البلد وقت الإنشاء أو بعد ذلك وقت التشغيل، وفي النهاية تستملك المشروع، ليضاف إلى أصولها في ميزانيتها.. هذا هو أساس نظام الـ BOT، ولكن الواقع الكويتي عكس ذلك، فمن يملك المال هي الدولة، ومن يملك الفوائض المالية في ميزانيتها هي الدولة التي لا تشكو عازة أو قصورا ماليا.. أما القطاع الخاص، فتعالوا نستعرض أمثلة على عجزه في العديد من المشاريع، حتى الإنشائية، وفي تسليمها للدولة وفق العقود المبرمة معها، ولا داعي لتكرار مأساة استاد جابر، وما آلت إليه أوضاعه التي وصلت إلى طريق مسدود لا يمكن إصلاحه.

مستشفى الجهراء والقرية التراثية

لنتذكر واقعة حدثت منذ أيام أو شهر وأكثر، عندما تم إسناد بناء مستشفى الجهراء لأحد المقاولين المحليين، بموجب عطائه الذي تقدَّم به، إلا أنه لم يستطع توفير الكفالة النهائية بنسبة 10 في المائة من قيمة المشروع، لامتناع المصارف المحلية وغيرها عن توفير هذه الكفالة، واضطر في النهاية للاعتذار عن بالبدء في مشروع البناء، مع طلب إعفائه من سحب الكفالة المبدئية التي تقدم بها عند تقديم عرضه، وكان له ما أراد.. هي شركات مقاولات كبيرة لم تستطع البدء بالخطوة الأولى المتعلقة بـ»البناء»، فكيف ستتمكن بموجب ذلك من الإدارة وتسليم المبنى بشكل جيد للدولة؟

شركة أخرى أسندت إليها إقامة مشروع القرية التراثية منذ سنوات طويلة، وهي لمن لا يعرف، موقعها على شاطئ الخليج، ويتخلل المشروع بعض الدواوين التراثية التي لاتزال قائمة على الشارع في مدينة الكويت. منذ سنوات والمشروع متوقف على الأسمنت حتى غدا اسمها الفعلي «القرية الأسمنتية»، وبدأت تتآكل مع مرور الزمن.. وهذا ما دعا المجلس البلدي إلى التوصية بسحب المشروع من الشركة، جراء التأخير والعجز عن إنهاء المشروع المسند لها، وكان هذا محور نقاشه في الأسبوع الماضي.

الشركات العقارية

أما الشركات العقارية التي بنت منذ عقود مشاريع عقارية، فقد تم التعامل معها، ومددت فترة إدارتها للمشروع بموجب القانون 2008/7.. ومنها إحدى الشركات العقارية التي أعلنت عن أرباحها السنوية لعام 2013 الأسبوع الماضي، والتي بلغت 6700000 ملايين دينار، وفق ما أعلنه رئيسها، وهي من الشركات التي جددت عقودها كحال الشركات الأخرى.. الشركة تلك ما إن وقعت عقدا جديدا مع أملاك الدولة، حتى باشرت إلى زيادة إيجاراتها على المستأجرين بنسبة تبلغ 100 في المائة، وحتى مواقف السيارات التي كانت تحصل من خلالها على رسوم بمقدار 100 فلس للساعة الأولى، رفعته ليصبح 250 فلسا، حتى لو كانت فترة التوقف عشر دقائق، أي زيادة 150 في المائة والخدمات في المواقف هي ذاتها من دون تطوير أو صيانة بالنسبة للإنارة أو التخطيط، وأي زائر يحتاج إلى أماكن الاستراحة «الحمامات» عليه أن يرفع ثيابه، حتى لا تتبلل بالمياه، فهي في منتهى القذارة، وفيها شبه انعدام للصيانة والنظافة، وكأننا في دولة متخلفة، وبدلاً من التباهي بتحقيق كل هذه الأرباح، كان الأجدر بمسؤول الشركة القيام بزيارة تلك الأماكن، ويقول إن كان تعجبه هذه المناظر! وليت الشركة خصصت مائة ألف دينار للصيانة بدل الاستحواذ على كل الأموال وإهمال مرافقها، والسبب هو غياب الرقابة من أي جهة حكومية، سواء أملاك الدولة التي جددت عقدها، أو أي بلدية الكويت أو غيرها من الجهات لمراقبة صيانة المشروع كما ينبغي.

لا نريد الاسترسال بالأمثلة التي تشكل وقائع بارزة وليس تخمينات قد يجانبها الصواب.. هذه هي حال الدولة المالكة للثروة والفوائض المالية السنوية المتراكمة، وهذه هي حال القطاع الخاص، المفترض أن يقوم بالمشاريع بناءً وإدارة وتسليماً.

حال العمالة الوطنية

وتبقى ملاحظة في غاية الأهمية، وهي تلك المتعلقة بتوفير وظائف لمواطني الدولة.. وما نراه في الوقت الحالي، هو تدني نسبة التوظيف لدى القطاع الخاص من المواطنين في السنوات الأخيرة، على الرغم من الدعم المقدَّم من الدولة، كمعونة لمن يلتحق بالقطاع الخاص، بنوك وشركات وغيرها، ومع ذلك لا توجد زيادة في أعداد العاملين، بل ذهب المؤشر إلى النقصان، نسبة وعدداً، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحدّ، بل ذهبت شركات من القطاع الخاص إلى حد تسريح عدد لا يُستهان به من العاملين لديها، وهذا ما استدعى قيام الدولة بصرف مساعدات مالية للمسرَّحين قسراً، مساعدات تنتهي نهاية هذا الشهر أبريل، ما لم يجدد مجلس الوزراء قراره بالاستمرار في صرفها، إضافة لذلك، هناك الكثير من الشركات الكبيرة أو تلك التي استحوذت على قطاع الخدمات، كمحطات الوقود، تقوم بإبرام عقود منفصلة مع مقاولين أنفار، لتزويدها بالعمالة، بغرض الالتفاف على أعداد العاملين لديها، حتى لا تضطر إلى الالتزام بالنسبة المقررة لتوظيف العمالة الوطنية ضمن عمالتها، كما تنص عليه القرارات الحكومية، وهي تلجأ إلى هذا الأسلوب، لتخفيض عدد عمالتها المدرجة على كادرها الوظيفي بالتعاقد مع شركة أخرى لتوفير العمالة من دون إدراجها على كادرها.

ملاحظة أولى

هذا هو الوضع الحالي في الكويت، وهو وضع ليس مستجدا، بل استمر منذ سنوات طويلة، وترسخ تماماً بحكم النفوذ.. وللمقاربة أكثر مع قانون الـ BOT القادم، فأولى الملاحظات عليه أنه زاد من فترة استخدام المشروع، لتصل إلى 50 عاماً، بدلا من 30، كما كان الأمر بالقانون السابق.. وهي فترة طويلة، إضافة إلى أنه بموجب هذا القانون يمكن تمديد الفترة تلك إلى فترة أخرى.. نعلم تماماً أن استهلاك أي مشروع من الناحية المحاسبية يتراوح ما بين 20 و25 عاماً.. أي لو كان هناك مبنى قيمته مليون دينار، فإن استهلاكه بعد عشرين عاماً سيكون دينارا واحدا، على أساس استهلاك المبنى بنسبة 5 في المائة سنويا.

وبعد هذه المدة الزمنية ستأتي إيرادات من المبنى بكلفة مالية شبه معدومة، لعدم عملية الاستهلاك السنوي. ولا يوجد تناسب ما بين استهلاك أي مشروع والمدة الزمنية المقترحة في هذا القانون.. إذن، هو نوع من الانفتاح وشبه البيع المجاني لأراضي الدولة.

تراخي التنفيذ

جانب آخر ورد في مشروع القانون، وهو المتعلق بإنشاء هيئة خاصة تصدر بمرسوم مع مدير عام لها وأعضاء يتولون ترتيب عملية تنفيذ هذا القانون، ومن ضمن صلاحياتهم ومهامهم إصدار لائحة تنفيذية لعملهم.. هنا نتوقف قليلاً، فمن السهل إيراد هذه المادة في مشروع القانون.. سهل على الحكومة، كما على أعضاء مجلس الأمة، العمل على أن يتضمَّن مشروعهم إنشاء هيئة مستقلة لتولي تنفيذ هذا القانون، ولكن لابد من التذكير أيضا أنه بموجب القانون السابق رقم 2008/7 ورد في المادتين 11 و12 إنشاء لجنة بمرسوم بمسمى اللجنة العليا للمشروعات التي تقام على «أملاك الدولة العقارية»، وأيضا في المادة التالية تم إقرار بمرسوم لإنشاء جهاز بمسمى «الجهاز الفني لدراسة المشروعات التنموية والمبادرات»، ومنذ ذلك التاريخ، أي منذ عام 2008 لم يصار إلى إنشاء اللجنة أو الجهاز.. علما بأن هذا منصوص عليه ليس بمسودة قانون، بل بقانون صادر من الدولة، لكن جهازها غير قادر على إنشائهما.. يكفي التذكير أنه بموجب القانون رقم 2010/6، الخاص بالعمل في القطاع الخاص نصت المادة التاسعة على إنشاء هيئة عامة ذات شخصية اعتبارية وميزانية مستقلة تسمى «الهيئة العامة للقوى العاملة».. وبعد مرور أربع سنوات على صدور هذا القانون، لم يتم إنشاء هذه الهيئة، على الرغم من الحاجة الملحة لإنشاء مثل الهيئة، قياساً بجهاز أو لجنة ذات علاقة بـ الـ BOT.. على كل لم تنشأ مثل تلك الهيئات، وفوق ذلك لاتزال هناك شواغر قيادية في وزارة الشؤون لم يتم تعيين من يتولاها بعد.. سهل جداً إيجاد نص قانوني بعمل كذا وإنشاء كذا، ولكن «الرك» على التنفيذ.. ولدينا عملية التنفيذ في الكويت في منتهى السيولة والتراخي.

ملاحظتان عامتان

وتبقى ملاحظتان عامتان أخريان حول موضوع هذا المشروع، الأولى لا يكفي إصدار قانون مهما كان فيه من شوائب تدور حوله، أو أسئلة وملاحظات عليه، وأي قانون استثماري مدعوة إليه جهات محلية أو خارجية لا يمكن أن ينفذ من دون وجود بنية خاصة وتسهيلات حكومية مميزة لتنفيذ مثل تلك المشاريع.. ولكننا نصطدم في الكويت بجملة من الممنوعات الطاردة والإجراءات المعرقلة التي تجعل المستثمر «يكره عيشته» في حال عزمه على إتمام مشروع بكل أمانة وإخلاص.. ونتذكر قيام وزير الشؤون الاجتماعية السابق بإصدار قرار وزاري يجيز تحويل إقامة العاملين الأجانب بموجب المادة 20 على المادة 18، فـ»عصبت» وزارة الداخلية لهذا القانون، وقام أحد عقدائها بإصدار تعميم يمنع هذا التحويل لفترة زمنية، جراء انعدام التنسيق ما بين الوزارتين.. هذا عدا القرارات التي تصدر بين وقت وآخر، في إطار الممنوعات تجاه أي حادث عارض.

الملاحظة الثانية، الجميع يتخوَّف أن يستخدم هذا القانون، بغرض تنفيع وتحقيق مصالح أطراف بذاتها، وهذا أمر غير مستبعد إطلاقاً، وخاصة في حالة تزاوج الثروة والسلطة، كالتي نشهدها في الوقت الحالي.. ويتم التنفيع من دون عوائق أو رقابة أو تصحيح.. وهاتان سياسة ونهج قائمتان بالنسبة للمشاريع الحكومية عندما يسند تنفيذ مشاريع بناء لشركات متعثرة، ومع ذلك يتم إسناد مشاريع مليونية إليها، على الرغم مما تعانيه من صعوبات مالية جسيمة ورداءة في التنفيذ وتأخر كبير في مدة إنشاء المشروع..

ألا يمكن أن ينطبق ذلك على المشاريع التي ستتم بنظام الـ BOTعند إقراره؟

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *