الرئيسية » قضايا وآراء » ماجد الشيخ : زمن المخازي العربية

ماجد الشيخ : زمن المخازي العربية

ماجد الشيخ
ماجد الشيخ

في زمن المخازي العربية، تتحوَّل الهزائم والنكسات والنكبات والكوارث، على أنواعها، إلى «انتصارات ربانية» أو «إلهية»، أو ما شاء أصحاب الهوى، والغرض أن يسموها.. يسمون الأشياء والحوادث والأحداث والتواريخ، قديمها والجديد، بغير ما هي عليه، وبغير أسمائها ومواصفاتها وتوصيفاتها الحقيقية، حتى صار «العقل الثيوقراطي» من شدة تأدلجه وتزويره للوقائع العنيدة، يخادع نفسه بنفسه، وقد هانت النفس البشرية على أصحابها، حتى لم تعد تمتلك من سمات وصفات النفس البشرية، أي ملمح من ملامح الجنس الإنساني.

في زمن المخازي، أصبحت لدينا قابلية استبدال الاستبداد السياسي باستبداد ديني، ولا حرج في تحويل الثورة إلى ثورة مضادة، معادية للتغيير، وللتحولات على اختلافها، ومعادية للتقدم وللتنوير ولثقافة الحداثة والنهوض من عثرات التخلف والفوات التاريخي، الذي صار إحدى أبرز السمات الأساس لمجتمعاتنا، التي وجدت من يستظل بها، ليعمل تفتيتا وتجزيئا لمكوناتها الوطنية والطائفية، وكأن وحدتها صارت وبالا على أهدافه ومراميه ومآلات مشروعه الذي بدوره يستظل بتدين خاص، إحدى سماته الأبرز تكفير الآخر واستباحة دمه، وعدم القبول به أو التعايش معه.

في زمن المخازي، صارت وطنيات شعوبنا ومجتمعاتنا ودولنا مرذولة ومدانة، وهناك من يعمل عامدا متعمدا على هدمها وتدمير أسس بنيانها، حتى بدت وتبدو الدولة الوطنية وكأنها أدعى إلى الفشل، نظرا لطبيعتها، وليس بفعل فاعلين دينيين وسياسيين واجتماعيين طبقيا، يسعون سعيا إلى إبراز ذاك الفشل، وكأنه تحصيل حاصل الوطنية ذاتها التي وسمت المكونات المحلية في كل بلد على حدة، وفي كل بلدان المنظومة العربية.. وما هذا بصحيح على الإطلاق. الفشل هذا يرتبط بتغول وتضخم نزعات التعصب وخلق حالات من مترسة الطوائف والمذاهب خلف براميل تعبئتها اللاوطنية، وتبعيتها لخوارج إقليمية لا تعنيها وطنية أو وحدات شعوبنا ومجتمعاتنا ودولنا العربية.

إذن، فقد لعب العامل الديني، بهوامشه ومتونه الطائفية والمذهبية على إبراز فشل الدولة الوطنية في بلادنا، وتلك مقدمة لهدم كياناتنا الوطنية وتدمير نسيجها الوطني مجتمعا وإنسانا، ما يضع على عاتق القوى الخيرة والمستنيرة والنهضوية في مجتمعاتنا مهمات جسام، للحفاظ على الإرث النهضوي والتنويري والحداثي، في مواجهة عبث العصبيات الظلامية والتكفيرية التي تلقى رواجا واسعا هذه الأيام، مستظلة أدلوجات تدينها الخاص وحركات دينية لم يكن من الصعوبة اختراقها، والعبث بمكوناتها واستثمار أهدافها في ما لم يكن في حسبانها، أو حسبان زعاماتها على الأقل.

 في زمن المخازي العربية، حوّل البعض منا هزائمنا الفعلية إلى انتصارات وهمية، وألبسها لبوس الهدايا أو «المكرمات الإلهية» على ما فعل «مجاهدون» في أفغانستان، ومن روج يومها لهم ولادعاءاتهم، في بداية ثمانينات القرن الماضي، وها هي المأساة الأفغانية تمضي في سبيلها، بغض النظر عن مكرمات أو غيرها، حيث إن الوقائع العنيدة، لا تغيرها التمنيات أو الرغبات، حتى لو ارتدت أردية دينية.

لهذا تشكل المهمة الإنقاذية الراهنة من الاستمرار بالتردي والغرق في مستنقعات المخازي التي تراكمت منذ عصور الانحطاط الأولى، وحتى الوقت الراهن، ضرورة المضي بالعمل على إحداث تحولات وطنية واجتماعية وسياسية، لها طابع وسمات التغيير، كجزء من ثورات وتحولات الربيع العربي، بعيداً من تأثيرات ومتناول قوى التفتيت الطائفية والمذهبية، الجاهزة لإجهاض كل تحرك نحو المستقبل، للبقاء عند حد المخازي انشداها وانشدادا نحو الماضي.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *