الرئيسية » قضايا وآراء » محمد جاد : طوفان «نوح» في مصر

محمد جاد : طوفان «نوح» في مصر

محمد جاد
محمد جاد

كان قد تقرر أن يُعرض فيلم «نوح».. بطولة راسل كرو، ومن إخراج دارين أرنوفسكي، في دور العرض السينمائية بمصر.. والفيلم يستعرض حياة النبي نوح، وفق رؤية الكتاب المقدس للحكاية، كما جاءت بالتوراة. إلا أن الأزهر، والمتمثل في بعض رجاله، عارضوا أخيرا عرض الفيلم، بالحجة القديمة نفسها، وهي عدم جواز تجسيد شخصيات الأنبياء على الشاشة.

هذه القضية تكاد تقترب من تاريخ السينما في مصر، حيث ثار الأزهر ضد يوسف وهبي، حينما صرَّح أنه سيقدّم شخصية نبي الإسلام في السينما.

ورغم أن مصر تعد دولة مؤسسات، ولو على سبيل المجاز هذه الأيام، وهناك جهاز للرقابة على المصنفات هو المسؤول عن منح التصريح بعرض عمل فني أو منعه، فإن المؤسسة الدينية لم تزل ترى نفسها الوصية على الجميع، رغم دعاية الاعتدال الذي يمثله الأزهر، حتى جاهر أحد مشايخه بضرورة هدم دور السينما التي ستفكر في عرض الفيلم، واستجار بالقائد العام للقوات المسلحة، للوقوف معه في رأيه هذا. يترك الرجل كل المشكلات المزمنة التي تعانيها مصر الآن، ولم يتنبه إلا لعمل فني، يرى فيه تهديداً لعقيدته الراسخة.

بداية، نجد أن مسألة تحريم تجسيد الأنبياء هذه اقترفها الفقه، فلا يوجد نص في القرآن يبيح أو يمنع تجسيد الأنبياء، أو تصويرهم. كما أن اليهودية والمسيحية لم تُحرّما تصوير الأنبياء، وفنون عصر النهضة تشهد بذلك، كما أن تاريخ السينما العالمية يشهد العديد من التجارب التي استوحت موضوعاتها من الكتاب المقدس، وعلى رأسها الوصايا العشر لسيسيل دي ميل، وآلام المسيح لميل جيبسون، الذي عُرض بمصر، وهلل له الكثيرون، فأين كان الأزهر وقتها، والفيلم يُجسد شخصية المسيح، ويحكي حكايته وفق الرؤية الإنجيلية، التي تختلف تماماً ورؤية القرآن؟

الأمر لا يعدو حلاوة روح لهؤلاء المشايخ، الذين يصرون على فرض رؤيتهم ووصايتهم على مخاليق الله في ما يرون ويسمعون، وهم في ذلك يصرون أيضاً على صم آذانهم وحجب أعينهم عن التقدم التكنولوجي، الذي أصبح المنع فيه استثناء والقاعدة هي الإباحة. فالفضاء الإلكتروني حلّ الكثير من هذه المشكلات، لكنه حتى الآن عاجز عن حل مشكلة فضاء/خواء العقول المحتجبة أسفل العمائم.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *