الرئيسية » قضايا وآراء » ماجد الشيخ : ضرورة بناء المفاهيم السياسية المعاصرة

ماجد الشيخ : ضرورة بناء المفاهيم السياسية المعاصرة

ماجد الشيخ
ماجد الشيخ

بين العقل والفلسفة أكثر من رابط، أهمها رابطة اشتغالهما وفق معايير إبداعية لا سابق لها في مجالات عملهما، وإلا لاعتبرا في عداد الأعمال النقلية، ولانتفت عنهما صفة وسمات الإبداع. كذلك بين الثورة والتحولات الكبرى أكثر من رابط، يعصمهما عن الوقوع في زلل المفاهيم التقليدية، وتكرارات واجترارات التجربة والخطأ، الدائمة التي لا تخرج من سكة المعضلات، إلا لكي تدخل في سردية من مشكلات تتكرر، وتتكرر معها سلوكيات طفولية، أكثر مراهقة من مراهقات الطفولة العمرية، ما جعل ويجعل من مهمة التغيير في بلادنا وما يشابهها من بلاد تخضع لتقاليد المجتمعات والدول التقليدية البدائية، أكثر صعوبة، إن لم نقل أكثر استحالة، في ظل استحكام المفاهيم الدينية وانغلاقها، والخضوع الأعمى من قبل الغالبية لفطرة الدين أو التدين نفسه، وهو ما يجعل من عملية التدين وكأنها الأصل، في وقت يجري تهميش الدين وفطرته على حد سواء.

لذا، لا تقتصر مهمة الفلسفة والتفلسف، كما مهمة اشتغال العقل النقدي على نقد ونقض المساهمة في عملية استمرار «الدعة» و»الاستقرار»، والعيش تحت ظلال احترام التقليد وتقديس التقاليد.
إن المهمة الأساس تقوم على مبدأ المساهمة الخلاقة في إجراء التحولات اللازمة، من أجل تغيير جذري وثوري في الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، لدول من فرط تقليديتها، لم يعد كيانها ومكوناتها تشبه أياً من الدول الحقيقية.

إن أهمية اشتغال العقل الفلسفي، كما العقل النقدي، أنه الأقدر على فضح موات العقل النقلي التابع، الخاضع لسلطة هي الأخرى تعادي كل عقل مستقل، لا يسير في ركابها، أو يبرر لها كل أفعالها وفعالياتها العاملة والعامدة إلى تغييب العقل وترذيل النقد، وإخضاع السياسة وتأميمها، وتخوين كل محاولة للتغيير، وخصوصا تلك التي تشمل كل أبنية السلطة، قديمها والجديد غير المتغير، المحافظ والأكثر استمساكا بالماضي، وبأفكار ماضوية لا يمكنها الانتساب إلى الحداثة والمعاصرة والتنوير.. وبالتالي، فإن وضعها في صف قوى التغيير والثورة، وإمكانية مضيّها حتى النهاية لتحقيق أهداف التغيير المنشود، وهم ما بعده وهم، الوهم الذي قد يقود إذا ما استحكم إلى هدم هيكل الثورة، وقطع الطريق عليها، وعلى مهمة التغيير، كما على أي تحولات ممكنة.

لهذا، وطالما أن هدف عملية الإصلاح والتغيير والتحولات والثورة، يتجاوز بناء دولة تقليدية، موروثة بناها الهيكلية من تاريخ غابر، فإن التحدي الراهن المطروح أمام العقل النقدي التغييري، المنشود اليوم وفي المستقبل، مستقبل حراكات الشعوب العربية ومجتمعاتها في ميادين الكفاح التحرري لإراداتها، يحتم توسيع آفاق العمل والقوى والأدوات الصانعة للتغيير، وإدراجها جميعا في أتون كفاح ثقافي مدني ومجتمعي، إضافة إلى ما هو سياسي، بمعنى التهيئة لبناء نظام سياسي جديد لدولة مدنية حديثة، تقطع قطعا تاريخيا مع تلك الدولة التي ورثناها عن الاستعمار، أو تلك التي سوف تورثنا إياها حديثا قوى الاستبداد السياسي أو الديني.

إن إعادة بناء المفاهيم السياسية المعاصرة، هي المهمة الأبرز لمجموع القوى ذات المصلحة العليا في التغيير المنشود، ففي ظل مهمة الهدم التي تقوم بها الثورة بمجموع قواها الفاعلة والمؤثرة، ضد سلطة النظام/الأنظمة الطغيانية الاستبدادية، تقوم مهمة بناء الدولة الجديدة، دولة القانون والمؤسسات المدنية الحديثة. على أن شرط التغيير والتحولات الضرورية اللازمة في بلادنا تحتم عدم النكوص والتضاد مع أهداف التقدم والبناء العقلاني الراشد للدولة الوطنية الحديثة أو للدولة /الأمة، بعد تجاوز هذا القطوع التاريخي الراهن الذي يغيّب الدولة لمصلحة كل ما يُضادها، ويُضاد أسسها وبناها الفوقية والتحتية على حد سواء.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *