الرئيسية » الأولى » انطلاقاً من مبادرة مؤتمر الإسكان.. المطلوب تغيير العقلية قبل الحل

انطلاقاً من مبادرة مؤتمر الإسكان.. المطلوب تغيير العقلية قبل الحل

القضية-الاسكانيةكتب محرر الشؤون المحلية:
البعض انتقد عقد مؤتمر الإسكان الذي تم بمبادرة من مجلس الأمة، كونه جهة تشريعية، ليس لها يد في الأمور والقضايا التنفيذية الموكلة للحكومة ولمؤسساتها المعنية بتولي تنفيذ الرعاية السكنية.. آخرون صوروه على أنه نوع من البهرجة الإعلامية التي لن تقود إلى فعل ملموس لمعالجة المعضلة الإسكانية في الكويت، وما المؤتمر إلا لتحسين صورة مجلس الأمة الحالي وأدائه الذي يعمل على حل المشاكل. بغض النظر عن كل هذه الآراء، وقد نتفق مع جزء منها، إلا أن هذه المبادرة كان يمكن أن يتولاها بنك التسليف والادخار بمسماه السابق، ولا سيما أن البنك من المؤسسات القديمة التي قامت بتنفيذ الرعاية السكنية عن طريق منح القروض والأراضي السكنية خلال سنوات سابقة، كما كان يمكن أن تقوم به الهيئة العامة للإسكان، وهي الجهة المعنية بشكل مباشر بالقيام بتلبية طلبات الرعاية السكنية للمستحقين لها.

مؤسستان عاجزتان

لا هذه المؤسسة ولا تلك قامتا بتلك المبادرة، وهما الجهتان المعنيتان بالرعاية السكنية.. فكلتا المؤسستين – بنك التسليف والهيئة العامة للإسكان – أصابتهما عدة أمراض ومشاكل قادت بالنسبة للجهة الأولى إلى المحاكم والاستقالات وغيرها، والجهة الثانية، ممثلة بالهيئة، أوضاعها الإدارية مخلخلة، بعد استقالة المدير العام المسببة التي قدمها العام الماضي، احتجاجاً على السياسات الإدارية للوزير السابق، إضافة لحالة الصراع الداخلي ما بين الإدارة وحالة الإهمال الإداري في ملء الشواغر لعدد من الوظائف القيادية فيها.. نوع من التردي في الأداء انعكس داخليا بأجواء غير صحية بالعمل.

لغة الأرقام

المهم أتت المبادرة من مجلس الأمة وعقد المؤتمر لبحث موضوع المشكلة الإسكانية على مستوى واسع يتعدى السلطتين التنفيذية والتشريعية، ليضم جهات أخرى.. وبعيداً عن الدراسات التي قدمت خلال المؤتمر المتعلق بالإسكان، نعرف أن لغة الأرقام معيار مهم لأي مشكلة أو ظاهرة أو فعالية ما.. فمثلاً فرق كبير بين تظاهرة سياسية أو مطلبية تضم مئات من المتظاهرين، وأخرى تضم الآلاف وقد تصل إلى ملايين، فتأثير مثل هذه التظاهرات يختلف بموجب أعداد المتظاهرين، وهذا ما لفت الإعلام والأنظار بشأن التظاهرات المليونية التي جرت في مصر منذ ثورة 25 يناير.. فالأرقام هي أحد أركان أي ظاهرة أو مشكلة ما.. فقد تناقلت الأنباء في أغسطس من العام الماضي، على رأس أخبارها الأولى، خبراً طريفاً عن ليبيريا، عندما تقدم 25 ألف طالب لدخول جامعة مونروفيا هناك، ولم ينجح أي طالب في امتحانات القبول، وهذا ما أدَّى لقيام رئيسة ليبيريا بزيارة الجامعة، والطلب من الإدارة معاودة الامتحان مرة أخرى، ولم ينحج إلا 1500 طالب من أصل 25 ألفاً من المتقدمين لدخول الجامعة.. لم يكن الأمر مهما لتتناقله وكلات الأنباء العالمية، لولا هذا العدد الكبير في رسوب الطلبة في قبولهم في جامعة مونروفيا.. ولو كان العدد بالعشرات أو المئات لما تناقلته وكالات الأنباء ضمن الأخبار الغريبة.. وهكذا، فإن العدد عامل مؤثر في أي قضية أو مشكلة ما.. وفي مؤتمر الإسكان هذا أنتجت الجهة المنظمة له فيلما يتحدث عن المشكلة الإسكانية التي تعانيها الكويت.. فيلم يعرض أرقاما محددة، ليس بهدف وضع عوائق أو صعوبات لمعالجة المشكلة في الكويت، بل نوع من التشريح لهذه القضية، بغرض إيجاد الحلول الواقعية لها، وفق ما جاء في نهايته.. يذكر الفيلم أن عدد المتقدمين للرعاية السكنية عام 2003 بلغ 73379 طلبا، وووصل عدد المتقدمين في عام 2013 إلى 108288 طلبا، وهذا يعني أن الطلبات الإسكانية زادت خلال عشر سنوات بنسبة 47.5 في المائة، ما يعطي مؤشرا على تدني تلبية الطلبات من قبل الجهة المعنية، ممثلة بالسلطة التنفيذية ووزاراتها الخدمية، فالمشكلة لا تتزايد بصورة أوتوماتيكية، بل بسبب خلل الأداء الذي يكتنف السلطة التنفيذية طوال عقود من الزمن.. رقم آخر يأتي به الفيلم، بأن المناطق الحضرية في الوقت الحالي، ويعني بذلك المناطق التي حدد البناء إليها مع وصول الشوارع والخدمات، لا تلبي إلا 10 في المائة من الطلبات الحالية، وهذا يعني إيجاد كويت جديدة لا يقل حجم السكن فيها عن الكويت الحالية بشأن الامتداد العمراني.

كما يلقي الفيلم الضوء على مساحة البناء للمساكن الأسرية في بعض دول العالم، مقارنة بالكويت، فيبلغ متوسط مساحة البناء في الكويت بما في ذلك السرداب 1569 مترا مربعا، وفي أستراليا يبلغ متوسط البناء 214 مترا مربعا، وفي كندا تبلغ المساحة 181 مترا مربعا، وفي أميركا تبلغ المساحة 221 مترا مربعا، وهذا يؤدي في النهاية إلى مزيد من استهلاك الكهرباء والطاقة للمنازل السكنية وفي الاحتساب على أساس استمرار مثل هذه المساحة، ستصل كلفة تزويد المنازل السكنية بالكهرباء في عام 2033 إلى 44 بليون دينار لإيصال التيار الكهربائي.. وهكذا، تذهب الأرقام في هذا الفيلم الذي يصل إلى النهاية ليس بلقاء الحبيبين، كحال الأفلام العربية، بل اختتم بجملة تقول «طرح هذه الحقائق ليس من باب إدخال اليأس والإحباط إلى المواطن، بل من باب أن تشخيص المشكلة بشكل سليم هو نصف الحل، وهو مفتاح خارطة الطريق التي نعمل على تقديمها».. وينتهي الفيلم عند هذه الفقرة بشكل يشبه الطبيب الذي يشخص حالة مريض، ويقول إنه مصاب بهشاشة عظام وكسور وضيق بالتنفس وأمراض قلبية في الصمام وفشل كلوي وأمراض جلدية متنوعة.. وغيرها من الأمراض الأخرى، لكنه في النهاية يطمئن أسرته بألا ييأسوا من هذا التصنيف عن حال المريض!

مشاكل أخرى

بالإضافة إلى أرقام الفيلم التي نشرت أجواء التشاؤم، غفل الفيلم عن عدة أمور، منها أن الكويت لا تعاني المشكلة الإسكانية فقط، فجامعة الشدادية لايزال التأخير في إنجازها مستمراً، وآخرها طلب وزير التربية وموافقة مجلس الأمة على تمديد فترة الانتهاء منها لخمس سنوات مقبلة، ما يؤدي إلى عدم استيعاب المتقدمين لاستكمال دراستهم الجامعية، ويدفعهم للتوجه إلى جامعات في الخارج، وما ينتج عن ذلك من مشاكل قد يعانيها الطلاب أو الطالبات.

هناك مشكلة كبيرة أيضا تتمثل في تدني أعداد الأسرّة المتاحة للمرضى أو المواعيد البعيدة جداً في بعض المعالجات الطبية، جراء الازدحام والتأخير في إنجاز المراكز الصحية، ومستشفى جابر خير شاهد.

وفي كل مرفق هناك مشكلة تتفاقم من دون حلول، بما في ذلك الرياضة، وما أصابها من مشاكل وفساد ويعرفها رئيس مجلس الأمة حق المعرفة، لملامسته لها منذ عقود.. ولاتزال العقلية هي السائدة حتى يومنا هذا في عمليات التنفيع عند إنجاز مشروع ما لمعالجة المشاكل، وآخرها عملية إسناد مشروع مستشفى الجهراء لأحد المقاولين مع مدّ الفترة الزمنية لإنجاز المشروع.

الاستحواذ على الأراضي

إذن، في كل قطاع من تلك القطاعات هناك مشكلة، وعلينا البحث عن الطريق الصحيح لمنع حدوثها، وليس لتكرارها، نظراً للعقلية السائدة في معالجة وإدارة أمور البلد.. وعودة لفيلم الرعاية السكنية، نقول إن القضية الإسكانية ليست وليدة اليوم، بل منذ عقود طويلة، ولا توجد إرادة حقيقية لحلها، إلا عن طريق مصالح خاصة تتم مراعاتها قبل المباشرة بتنفيذ بناء السكن، كما أن الفيلم لم يتحدث عن الاستحواذات الكبيرة للأراضي السكنية من أطراف نافذة همّها الرئيسي زيادة أسعار المتر للأراضي المستحوذ عليها قبل عرضها للبيع.. لم يتحدث الفيلم مادام يسير بلغة الأرقام عن أعداد الجهات أو الأشخاص الذين يملكون الآلاف من الأمتار من الأراضي السكنية، ما أدَّى إلى ما يشبه الاحتكار، بغرض رفع أسعار أراضيهم، لنصل في النهاية إلى أن من خلق الأرقام التشاؤمية التي وردت في هذا الفيلم ليس من فعل المواطن العادي البسيط، بل من فعل النافذين في الدولة الذين مارسوا ما يحلو لهم منذ عقود ولايزالون.

قناعة المواطن

إن يقين المواطن العادي وقناعته التامة أن من جلسوا في المنصة طوال أيام المؤتمر لم يعانوا مشكلة السكن في حياتهم، فلديهم الأراضي والمساكن داخل الكويت أو خارجها.. فالمعاناة اليومية يتحمَّلها متوسطو الدخل الذين وجدوا أنفسهم خارج نطاق شراء قطعة أرض لبناء منزلهم العائلي وسط ارتفاعات متواصلة في عملية الإيجار، وما يترتب عليه من إنهاك لميزانيتهم الشهرية.

نصل في النهاية لقناعة المواطن العادي، أن هذا المؤتمر نوع من الترف الذي ينتهجه المجلس أو الجهاز التنفيذي للحكومة.. وما نحتاجه بالفعل هو تغيير العقلية قبل البدء في توصيف المشكلة أو المشاكل التي تعانيها البلاد في كل قطاع ومرفق.

وهذه العقلية يمكن أن تتغيَّر، لو كان أمامها سلطة تشريعية، كما يفترض.. أما ما نشاهده من مسرحيات في جلسات المجلس، فما هو إلا تعبير عن حالة التردي التي يعيشها، والتي قادت أحد النواب المتحدثين في جلسة الأسبوع الماضي عند مناقشة موضوع جامعة الشدادية للقول «لمن أتحدث؟ للمايكروفونات أو لشاشات الكمبيوتر، مادام لا يوجد في قاعة عبدالله السالم إلا عدد لا يزيد على الـ 15 نائبا؟!». وأظهرت صورة الكاميرا التلفزيونية الكراسي الخالية من البشر.. وكأن القاعة تحوَّلت إلى مكان استراحة أو مقهى بانتظار الزبائن.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *