الرئيسية » ثقافة » الثقافة العربية بعد الربيع العربي: جيل من المبدعين.. وأشكال فنية ومفاهيم نقدية جديدة

الثقافة العربية بعد الربيع العربي: جيل من المبدعين.. وأشكال فنية ومفاهيم نقدية جديدة

أحمد إبراهيم الفقيه
أحمد إبراهيم الفقيه

كتبت هازار يتيم:
رأى مجموعة من المثقفين والكُتاب، أن الربيع العربي أوجد أشكالاً فنية ومفاهيم نقدية جمالية جديدة، وبالتالي نوعية مغايرة من القرُّاء، وجيلا جديدا من الكُتاب المبدعين.

وأكدوا لـ«الطليعة»، على هامش الملتقى الثالث عشر لمجلة العربي، أن ثورات الربيع العربي نجحت في الإطاحة بالمنظومات التقليدية التي حكمت المناخ الفكري والسياسي في هذه البلدان، وكذلك باستبداد الدولة، كنتيجة للإطاحة بالحاكم الطاغية المستبد.

وشددوا على أن مجيء الربيع العربي، ساهم بخلق أشكال فنية من رحم اللحظة، وأثر في الإبداع العربي تأثيراً جوهرياً، فأزاح سلطة الرقابة عن الكاتب وعن الناشر بالطبع.

منظومات تقليدية

في البداية، أكد الكاتب الليبي د.أحمد إبراهيم الفقيه، أنه يؤمن إيماناً راسخاً بأن للمثقف دورا في الحياة، وخاصة إذا كان مثقفاً ينتمي للعالم النامي مثلنا، مشيراً إلى أن هذا الدور ليس دوراً طارئاً ولا عارضاً ولا يرتبط بمناسبة ما، فهو دور يأتي قبل الربيع العربي، وأثناء ثورات الربيع العربي، وبعد هذه الثورات، وإن اختلفت بالضرورة قوة أو ضعف التأثير الذي يمارسه المثقف في كل مرحلة من هذه المراحل، أو قوة وضعف الفاعلية الحقيقية لهذا الدور، لأنني أرى أن هذه الفاعلية يجب أن تزداد قوة بعد ثورات الربيع العربي.

ورأى أن هناك منظومات تقليدية حكمت المناخ الفكري والسياسي في هذه البلدان، نجحت ثورات الربيع العربي في الإطاحة بها، وباستبداد الدولة، كنتيجة للإطاحة بالحاكم الطاغية المستبد، متسائلاً: ولكن ماذا عمَّا رأيناه من ظهور هذا الاستبداد الجديد النابع من التطرُّف الديني وجماعات الإسلام السياسي؟ هل هي ظاهرة طارئة ترافق مراحل التحول وتنتهي بانتهاء إكمال أركان الدولة ومؤسساتها الدستورية؟

حالة شلل مؤقتة

مصطفى عبد الله
مصطفى عبد الله

من جهته، اعتبر رئيس تحرير جريدة «أخبار الأدب» الأسبق الكاتب الصحافي مصطفى عبدالله، أن الربيع العربي أصاب الإبداع العربي، في البداية، بحالة شلل لازمت المبدعين من كتاب الرواية والقصة، على سبيل التحديد، ممن احتاجوا إلى زمن لاستعادة توازنهم، وتكوين رؤاهم وامتلاك القدرة، من جديد، على خوض مغامرة الكتابة عن زلزال لايزال يهز العقول ويعصف بالوجدان في آن واحد.

ولفت إلى «أنه حتى هذه اللحظة، التي تأتي بعد مضي أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع ثورات الربيع العربي، التي بدأت بسيدي بوزيد في تونس عندما أضرم الشاب محمد بوعزيزي النار في نفسه، بعد تعرضه للإهانة من شرطية، لا أزال أسأل نفسي: كيف كتب محمد سلماوي روايته العجيبة «أجنحة الفراشة»، وكيف نشرها قبل شهور من اندلاع ثورة 25 يناير في مصر، وهي الرواية التي تكاد تسجل أحداث هذه الثورة قبل أن تحدث؟».

وشدد على أن مجيء الربيع العربي، ساهم بخلق أشكال فنية من رحم اللحظة، مثل الشعارات الحماسية الغاضبة التي تسعى إلى توصيل رسالة آنية من حناجر الملايين التي هي وقود الثورات، وإلى جانبها تأتي الشعارات التي تتسم بخفة الظل والمفارقة والرغبة في التهكم، ثم الرسوم العفوية على الجدران والأرصفة وفوق الأسفلت وداخل محطات مترو الأنفاق، وهي إلى جانب القصائد، لا يمكن أن تقيم بالمعايير النقدية، أو الجمالية المتواضع عليها، ومن هنا خلق إبداع هذا الربيع العربي مفاهيمه النقدية وجمالياته، بعد أن خلق منابره ووسائط نشره التي لم تعد بالضرورة تقتصر على الكتاب أو المجلة.

نوعية جديدة من القراء

وأضاف: بناءً على ذلك، يمكنني القول بأن هذا الربيع العربي أثر في الإبداع العربي تأثيراً جوهرياً، فأزاح سلطة الرقابة عن الكاتب وعن الناشر بالطبع، فكيف يمكن أن تستمر الرقابة على عقل المبدع وعلى المصنفات الفنية إذا كانت الثورة تجتاح البشر ولا تترك أحداً في وجهها؟

وأكد عبدالله أن الربيع العربي مكَّن جيلاً جديداً من المبدعين من أن يطل على قرائه من دون الحاجة إلى من يقدّمه للقارئ أو يمنحه «كارت» توصية.

وفي المقابل، نجد أعمالاً إبداعية فاترة تتخذ من أحداث هذا الربيع العربي متكأ للنشر، مشدداً على أن هذا الإبداع الذي أثمره الربيع العربي توجه إلى نوعية مغايرة من القراء.

حسام عمار
حسام عمار

بدوره، كشف القاص والروائي المصري حسام عمار أن الثقافة العربية ثقافة قوية، وقادرة على استيعاب كل ما يطرأ من تغيرات في ظل عالم متسارع، وخصوصاً أن جذورها قوية، وجذوتها مشتعلة دوماً، تعيد إنتاج منظومة القيم وتعطيها بريقاً مختلفاً قادراً على المواءمة مع كل ما هو مستجد.

وأشار إلى أن الثقافة العربية تأثرت بثورات الربيع العربي، وإن كان هذا لا يعني أنها بعيدة عن فكر الثورة أو مفاهيم الحرية والعدالة والمساواة، «وأعني هنا الأدب والفن تحديداً، فقد تمخضت ثورة 25 يناير في مصر عن أعمال أدبية هائلة، اتفقنا أو اختلفنا على جودتها الفنية، إلا أنها مادة خام رائعة نترك الحكم عليها لسنوات مقبلة، شعراً ونثراً وأفلام سينمائية ودراسات..إلخ، كلها ستكون من مكونات منظومة التفكير والإبداع للأجيال القادمة».

وقال: تناولت في روايتي (يوم يصلح للرحيل) الفائزة بالمركز الثالث – مسابقة الصاوي للرواية القصيرة – دور بهاء طاهر 2012 رؤية – جانباً مهملاً من الحراك المصري الذي تم تصنيفه على أنه (حزب الكنبة) اللامبالي، وكشفت عن دوره في الثورة، حيث دارت أحداث الرواية ما بين القاهرة والغردقة في 18 يوماً، هي أيام ثورة 25 يناير، لتستعرض هموم وطن متجاوزة أحداث الميدان في حد ذاته، من خلال شخصية البطل الذي يعده الكثيرون منتميا لأغلبية صامتة أو حزب الكنبة، ويصنف نفسه على أنه موظف حكومي، وينتمي للطبقة الوسطى.

وأضاف عمار: تشاء الظروف أن تحدث الثورة، ويكون هو من العالقين في الغردقة، ثم يعود للقاهرة قبل التنحي، ليلتقي نماذج من البشر وقتها، ويستدعي أشخاصاً من تاريخه، وأحلامه. وإذا كانت الرواية تستعرض في الخلفية 18 يوماً من الثورة، إلا أنها في الحقيقة تروي تاريخ وطن بأكمله، بأفراحه وأحزانه، عبر رؤية قيل عنها إنها فنية مختلفة.

ثوابت راسخة

السيد نجم
السيد نجم

إلى ذلك، أكد الروائي السيد نجم (صاحب 6 كتب دراسات في أدب المقاومة)، أن الثقافة بحكم عناصر تكوينها وتشكيلها وليدة البيئة (بالمعنى الحديث للبيئة الذي يتضمن الجمادات والبشر).. وبينما هي هكذا تتشكل بالإضافة والحذف، هي في حاجة إلى «زمن» طويل، كي تترسخ، هذا من جانب، وعلى الجانب الآخر هناك ثوابت للقيم المختلفة لدى الجماعة البشرية، وقيم ثابتة لدى الجماعات المختلفة، كل وفق خبراته الجماعية ومعتقداته الدينية وغيرها.

واعتبر أن تلك الكلمات ضرورية لأكثر من سبب.. منها التأكيد أن ثوابت ثقافاتنا غير قابلة للزحزحة، ومنها أن هناك العديد من العوامل التي تعمل على الحذف والإضافة إليها، هي في الحقيقة طبيعية وعادية من حيث المبدأ، إلا أن هناك تجارب كبرى تمر بها الشعوب، هي في الواقع التحدي الحقيقي لتلك الثقافة، حيث تتسارع فيها ومعها المتغيرات المتوقعة في الواقع الثقافي في أي بلد من البلدان منها تجربة الحرب وتجربة الثورة. والأخيرة هي التي تتفاعل معنا الآن في مصر، وربما في المنطقة العربية.

ثورة ثقافية

وتساءل: الآن، ماذا عن وضع ثقافتنا العربية بعد الربيع العربي منذ أوائل عام 2011؟

ربما التساؤل اليوم يدور حول صورة الثقافة العربية ومدى فاعليتها مع رجل الشارع وصاحب القرار والمثقف معاً، وحتى صورتها الثقافية، خارجياً ودولياً، وربما التساؤل حول دور المثقف الفرد، ومدى فاعليته وتفاعله مع واقع الحال الآن.
لقد ولدت المعارك الثقافية منذ يناير 2011، وأظن، بل أنا على يقين بأن تلك الثورات يجدر بها أن توصف بالثورة الثقافية (وهو ما بررته وتحدثت عنه في كتابي «ثورة 25 يناير.. رؤية ثقافية»، وهو ما تمثل في القوى الثورية الشابة (المثقفة- البرجوازية) التي بدت كشعلة أولى تقدَّمت بعدها جموع الشعوب، إلا أن تلك القوى الجديدة بدت وكأنها جسد بلا رأس، بلا قيادة فاعلة ولا توجه نحو مبادئ مقننة بمنهج كي تتحقق على أرض الواقع.

وأوضح نجم أن السمة الثقافية مازالت تتجدد، حيث بدت معارك ثقافية مختلفة، تلك التي تمثلت في غلبة التيار الإسلامي السياسي وهيمنة أو محاولة هيمنة بعض أفكاره، بعد أن تولى مقاليد الحكم في مصر وتونس (مثلاً). تلك الأفكار التي تبدو في بعدها السياسي إضافة مفاهيم ثقافية جديدة لم تكن تثار إلا داخل الجدران والغرف المغلقة، مثل «مفهوم رفض الآخر المتمثل في من يختلف فكرياً معها أو عقائدياً».. مع الترويج لأفكار على اعتبار كونها من جوهر الشريعة الإسلامية، والمتمثلة بـ«النظرة الدونية إلى دور وأهمية وتفعيل دور المرأة فى المجتمع».. وغيره.
وتابع: هذا هو ما أفرز مشهداً جديداً، ويمكن أن يوصف بالمخاض لواقع ثقافي جديد، بدت معه ولفترة غير قصيرة قادمة.. تصارع فكري تختبر معه كل الشعارات والمبادئ والأفكار.. وهو صورة المشهد الآن ثقافياً (بعد أن سقطت سلطة الإسلام السياسي في مصر وتونس على الأقل). وكما كل المعارك المماثلة ثقافياً (لا سياسياً أو استخدام العنف المادي بها) سوف تنتهي إلى إدخال أفكار وزحزحة أفكار أخرى (لا يمكنني أن أتنبأ بطبيعتها)، ولكنني أراهن على «المقاومة» الجادة الفكرية، تلك التي تتوقف على جدية المثقف بالدرجة الأولى.. ولا أراهن على المؤسسات بالصمود طويلا، نظراً لتبعيتها للسلطة الحاكمة غالباً.. كما الإعلام العربي.

وختم نجم قائلاً: مثل تلك المعارك مفصلية في تاريخ الشعوب، لا حلول بالعنف الثقافي أو المادي، ولا رهان على سلطة.. لنختلف ولا نتعارك، نوظف الكلمة ولا نوظف المولوتوف، وليبقى الحوار منطلقا، ليحاول كل من موقعهذ لكي يتشكل الوعي الجمعي الجديد القادر على المواجهة الأكثر فاعلية (أشير هنا إلى أن حكم الفاطميين الذي استمر 200سنة، لم يجعل المصريين يتبعون المذهب الشيعي.. كما أذكر بمقولة عبدالناصر، رداً على تخوف البعض من انتشار الشيوعية بمصر أثناء بناء السد العالي، «تعلم الروس شرب الحشيش ولم يعرف أهل أسوان الشيوعية».

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *