الرئيسية » شيخة البهاويد » شيخة البهاويد : عينك بورقتك!

شيخة البهاويد : عينك بورقتك!

شيخة البهاويد
شيخة البهاويد

«العالم الذي أنشأناه ما هو إلا نتاج تفكيرنا، فإنه لا يمكن تغييره دون تغيير تفكيرنا».
ألبرت آينشتاين

(1)
في طفولتي كانت تجرى لنا في المدرسة اختبارات تقيس نسبة ذكاء الطالب، وإذا ما حصل على نسبة ذكاء معينة يتم تسجيله في مدرسة تسمى بالمدرسة الإثرائية للطلبة المتفوقين، كنت إحدى الذين تعدوا النسبة المطلوبة، وصرنا نتعلم في المدارس العادية صباحاً، وبالمدرسة الإثرائية في المساء، وكان هذا ابتداءً من المرحلة الابتدائية حتى المتوسطة.. كنا نأخذ حصصاً إبداعية للتحفيز على التفكير غير التقليدي ، نظريات علمية أكبر مما يدرسها أقراننا، رياضيات يعتمد فيها على قدرتنا على اكتشاف القاعدة الحسابية، لا العكس، كما ندرس في المدارس التقليدية، حصص بحثية وأخرى فنية ولغوية، كانوا يقولون لنا إن هذا في سبيل تنمية ذكائنا.. إنهم يعرفون جيداً أن المدارس التقليدية لا تفعل، وأنها بدلاً عن تنمية أي بذرة تفكير ضئيلة تقتل فيك كل حس إبداعي!
اليوم لا أسمع شيئاً عن مدارس إثرائية، يبدو أن مشروعها قد توقف ككل شيء في البلد، حسناً من يهتم بالتفكير والإبداع والتعلم.. لا داعي لهذه الرفاهية.
(٢)
أثناء تدريسي لابن أخي مادة اللغة العربية، شدتني عبارة مهمة جداً، كانت نصيحة للطلبة ضمن درس نصائحي تقول «لا تدع التفكير يشغلك عن الدراسة».
يبدو الأمر منطقياً الآن شوف إهمال الطالب.. يبي يفكر أثناء الدراسة الهيس».

(٣)
«خذ لفة» صغيرة على المناهج الدراسية، وانظر إلى ما يتلقنه الأجيال وكيف تتلقنه.

مادة التربية الوطنية

يفترض في هذه المادة أن تعلمك معنى الوطن والمواطنة، الكتاب مليء بألوان العلم وحكايات التراث والقرقيعان وشخصيات الدولة وتواريخ المناسبات الوطنية، هل هذا هو الوطن؟ مجموعة شكليات ورموز؟ أهذا ما يفترض أن نموت من أجله ونفديه بأرواحنا؟ ألا يجب أن يتعلم الطفل أن المواطنة حقوق وواجبات وعدالة ومساواة وحرية؟ وأن هذه الأشياء هي التي تصنع الوطن لا الحجر ولا الألوان ولا الأشخاص ولا أغاني القرقيعان، وأن وحدها تلك القيم هي التي تدفعك للقتال وللدفاع عن الوطن للحفاظ عليها؟

مادة الفلسفة

في «زماناتي» كنا نقضي في حصص الفلسفة وقتاً جميلاً من التحفيز الذهني، يتم فيها استفزاز عقلك بأسئلة لتفكر بطريقة مختلفة تعلمنا فيها أن نبدي آراءنا الخاصة، لا المنقولة ولا الملقنة، هذه الحصص تم تقليص ساعاتها الآن، التفكير لساعات مطولة مضر بالصحة كما يبدو.

مادة الرياضيات

في المواد الرياضية يفترض أن يتعلم الطالب «القاعدة جيداً، حتى يكسرها بشكل ممتاز».. كما يقول قاسم حداد. يفترض أن تكون هناك مساحة للطالب للابتكار، من أجل التوصل إلى النتائج بطرق مختلفة، الرياضيات بالنهاية ليست مادة تعتمد على حفظ الطالب، بقدر ما تعتمد على قدرته التحليلية والاستنتاجية، هذا لا يحصل في المدارس الكويتية، بل العكس تماما، الطالب مهدد بأن تنقص درجاته لو أتى بشيء مختلف عما في الكتاب أو ما هو مخطوط على اللوح، الابتكار ممنوع، الاستنتاج الشخصي جريمة، التفكير غير مرغوب فيه.. احفظ، اصمت، كن صندوقاً .

مادة اللغة العربية

«أنا كاتبة اليوم وصحافية».. هذا خبر سيفاجئ معظم معلمات اللغه العربية اللاتي درسنني، كيف للطالبة التي كانت تكره حصص اللغة العربية إلى هذه الدرجة أن تصبح كاتبة يوماً؟
خبر لكنّ سيداتي: ما تدرسنّه ليس لغة عربية.

ما يدرّس شيء سمج جداً غليظ، ممل ثقيل الدم يشبه جداً بعض كومديانات انستغرام، شيء صعب الابتلاع.

اللغه العربية لغة شعرية جميلة فيها من الموسيقى ما يفوق في تعلمها لذة تعلم أي لغة أخرى، المناهج تشوهها، تجعلها كلغة لا نعرفها ولا ننتمي إليها، أضف إلى ذلك وضعها في قالب محدد يجب عدم الخروج عنه، « يجب ألا تجلب للصف كلمات غير موجودة بالمنهج، حتى وإن جئت بها من أضخم المعاجم»، « يجب ألا تكتب تعبيراً يعبر عن رأيك الشخصي، بل عما تريد المعلمة، فنأتي كلنا بنسخ مستنسخة من تعابير متشابهة إلى حد التفاهة»، أذكر آخر مرة قررت فيها أن أفكر في موضوع التعبير، كان مطلوباً أن نكتب عن الربيع، كتبت أني لا أشعر بالربيع في بلادي كما نسمع عنه في القصائد ونشاهد في التلفاز، فالحر سيد الموقف في الصحراء، كان هذا أسوأ تعبير في الفصل، وحصلت على درجة متدنية، كان يجب أن أكون آلة نسخ، ألا أعترض على فكرة الربيع المليء بالأزهار الملونة ورذاذ المطر، أن أتوقف عن التفكير، وتوقفت وتوقف معي الكثيرون .

أضف إلى هذا أن الاطلاع الخارجي ليس جزءاً من مادة اللغة العربية، حسناً دعني أخبرك:
الورقة الصغيرة التي تعطى للطالب ليحفظ أسئلتها وأجوبتها يجب ألا تسمى اطلاعا خارجيا البتة، لا يجب أبدا، على الإطلاق، ماذا عن تحويل بعض الحصص لأندية قراءة يقترح كتاب ويناقش في الفصل؟ تحبيب الطلبة بالقراءة والاطلاع والتنور، بدلا من إنتاج مدرسي لكراسٍ تجلس على كراسٍ !

مادة التربية الإسلامية

المادة التي تسبب الحساسية للجميع، يجب ألا تناقش شيئاً يأتي في منهج التربية الإسلامية، أنت تحتاج لعلاج نفسي، الأخصائية الاجتماعية ستبحث في موضوعك، وربما تستدعى ولي أمرك، لا يوجد في تاريخ التعليم في الكويت مادة تقتل قدرتك على التفكير مثل التربية الاسلامية، والتي قوامها أن العلم عبادة، وأن الملائكة تحف مجالس العلم، ألم يقل أحد لواضعي مناهج التربية الإسلامية أو معلميها أن أساس العلم هو النقاش؟ يقول غاليليو: «أنا لا أشعر بأنني ملزم بالاعتقاد بأن نفس الله الذي وهب لنا الشعور والعقل والفكر أرادنا أن نتخلى عن استخدامها» !

إن مناهج التربية الإسلامية تعاني الكثير من المشاكل، فهي ركيكة ساذجة تطرح الدين بشكل سطحي جداً.

لا أعرف إن كان هذا لا يزال موجوداً لكن في أيامي بالثانوية (نظام المقررات) كان يجب أن نحفظ كيفية الرد على الملحدين، أسئلة إلحادية عن وجود الله وإجابات ساذجة نحفظها عن ظهر قلب، والحقيقة كنا نشعر بالنشوة والانتصار، لأننا نملك الأجوبة، الأجوبة المعلبة لنا، أليس إيماننا الخالص بالله هو الذي يفترض أن يجيب؟

زد على هذا أنني كامرأة كان منهج التربية الإسلامية يصنع مني كائناً منحطاً بلا كرامة بلا قيمة بلا داعٍ عبدة موجودة لخدمة الآخرين، مخلوقة لأكون سجادة welcome التي يمسح بها الرجل قدميه قبل دخول البيت، هناك كمية احتقار كبيرة للأنثى في المناهج، وتركيز كبير على جوانب الفوارق بين الذكر والأنثى، وكأن الدين جاء من أجل ذلك، مواضيع الزواج والطلاق والتعدد والقوامة تأخذ حيزاً أكبر بكثير من مواضيع كالعدل والظلم والعلم والتسامح، لم تنجُ المناهج التعليمية من تحويل الدين لأداة تحقير وظلم وطائفية.
يفترض في مادة التربية الإسلامية أن تذكر آراء فقهاء عدة في المسألة الواحدة، الأئمة الأربعة وأئمة الشيعة، من دون ترجيح لرأي من دون الآخر، حتى يتعلم الطالب أنه حتى في الدين ثمة مجال للاجتهاد وإبداء الرأي، وأن تقديم رأي يخالف آخر ليس أمراً سيئاً، وليس مدعاة للتقاتل كما يخبرك بعض الشيوخ .

مادة اللغة الإنجليزية

كل الذين يجيدون اللغة الإنجليزية اليوم لم يتعلموها في المدارس الحكومية، بل إما في مدارس أهلية أو بالممارسة والتعلم خارج المدرسة، ما تعلّمه المناهج الإنجليزية في الكويت هو الركاكة بعينها وأنفها وكل أشباه أمها، اللغة ترقيعية «حته إنجليزي وحته أمريكاني» وتقديم لغوي غير سلس تنفر الطالب من اللغة، أن تجعل الكتاب ملوناً ومليئاً بالصور والحكايات غير كافٍ لجذب الطالب نحو لغة جديدة لا يتحدثها خارج أسوار المدرسة وأسلاكها الشائكة .

مادة الاجتماعيات والتاريخ

الكذب حرام، وتقديم أنصاف الحقائق يعد كذباً أيضاً.

(٤)
كيف تتوقع من مجتمع أن ينتج، يبدع، ويبتكر فيما يتعلم فيه الفرد منذ طفولته بألا يفكر، وأن يتوقف عن استعمال العقل العضو الذي ميزه الله به عن الحيوانات؟
الذين نجوا من تحويلهم في المدارس إلى مجموعة صناديق قلة، قرروا أن يفكروا، أن يعبروا إلى الجانب الآخر من عمليات التجهيل، لا تترك نفسك ومن حولك، اقرأ، فكر، أهرب إلى الجهة الأخرى دع المستسلمين «يتصندقون» وانجُ بنفسك.
(٥)
إلى وزارة التربية والتعليم
تحية طيبة وبعد..
أريد عمري الذي ضاع في حصة الاقتصاد المنزلي «ما نفعتني غرزة السلسلة».

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *