الرئيسية » محليات » الإطار السياسي للاتفاقية الأمنية

الإطار السياسي للاتفاقية الأمنية

جانب من احتجاجات البدون بتيماء
جانب من احتجاجات البدون بتيماء

كتب محرر الشؤون المحلية:
وقفت وزيرة الخارجية الفرنسية السابقة، ميشل اليوماري، في المجلس الوطني الفرنسي في يوم الثلاثاء الحادي عشر من يناير 2011 تبيّن وجهة نظر الحكومة الفرنسية تحت رئاسة الرئيس الفرنسي السابق ساركوزي، تجاه متابعة فرنسا للأحدث والاضطرابات التي تجري في تونس، وتعلن أنها اتصلت بالرئيس التونسي آنذاك بن علي، لتعرب عن استعداد فرنسا لتقديم المعونة والخبراء الأمنيين لمواجهة التحركات الشعبية في تونس، بعد أن قام محمد البوعزيزي بإحراق نفسه، جراء اضطهاد الشرطة التونسية له وتلقيه الصفعات.. تحدثت وزيرة الخارجية الفرنسية وهي كانت على ارتباط جيد مع تونس، وكانت تقضي أغلب إجازاتها هناك، وأكدت في مداخلتها البرلمانية تلك استعداد فرنسا لتقديم كل العون لـ«بن علي».. قد يكون هناك ارتباط أمني ما بين البلدين، كاتفاقية أمنية، أو ما شابه ذلك، لتقف وزيرة الخارجية لتعلن موقف الحكومة الفرنسية أمام الاضطربات التي يواجهها الرئيس بن علي.. مضى بعد ذلك يوما الأربعاء والخميس بعد المداخلة البرلمانية تلك، لتفاجأ الدائرة الفرنسية الحاكمة، كما النواب الذين استمعوا لمداخلتها، أن بن علي غادر العاصمة تونس يوم الجمعة 14 يناير! يومان يفصلان ما بين المداخلة البرلمانية والمغادرة الرئاسية.. وظهر دليل دامغ على أن الخارجية الفرنسية آخر جهة تتابع الأحداث وتصاعد وتيرتها، وعلى أن تصريح وزيرة الخارجية الفرنسية في جهة، وتفاقم الأحداث التونسية في جهة أخرى، لم تتأخر الوزيرة في ترك منصبها الذي تولته خلاف المناصب الأخرى التي احتلتها في وزارات فرنسية سابقة، واستقالت في 27 فبراير من 2011، ولم تعد إلى المنصب الحكومي بعد ذلك، حتى تشكيل الحكومة الحالية برئاسة فرنسية جديدة.. أكثر الجهات التي تعرف على المكشوف ما يدور في تونس هي فرنسا.. وتعلم حالات الفساد الدائرة هناك منذ سنوات، بما في ذلك تهريب المخدرات بواسطة يخوت نافذين مقربين من السلطة.. كما تعلم تماماً الأجواء البوليسية الصارمة ضد الشعب التونسي وأعداد رجال الشرطة والأمن الذين يقارب عددهم في فرنسا.. قوة بطش أمنية هائلة وكبيرة العدد تعد حتى أنفاس التونسيين، ولا بأس من تلفيق الاتهامات لهم وزجهم بالسجون، كما جرى لتوفيق بن بريك المعارض التونسي لسياسة بن علي.

إرادة الشعب

وعلى الرغم من تلك المعرفة والحالة الأمنية المهيمنة لم يستطع النظام مواجهة الحراك الشعبي، كما لم تستطع الإدارة الفرنسية الحاكمة قراءة الواقع الشعبي التونسي وحالة الغليان التي كان يعتمل بها طوال سنوات تحت ستار البطش الأمني وأدواته.. وكان الانفجار وكان الهروب، ومن كان يريد مد العون لبني علي لمواجهة الاضطرابات الشعبية اعتذر عن استقباله، أو أن تحط طائرته الرئاسية في أراضيه، حتى وجد ملاذا آمنا لجأ إليه.. لم تنفع بن علي شبكته الأمنية التي امتدت على طول البلاد وعرضها، كما لم تنفعه علاقته المميزة مع فرنسا وتعاونهما المشترك في المجال الأمني.. صيرورة الأمور باتت واضحة، وبداية خطوات الربيع العربي بدأت في تونس، وامتدت إلى أقطار عربية أخرى، وقد تستمر وتتصاعد، مادامت الشعوب تنوء تحت ثقل ممارسات قهرية، وتقليص حرياتها وسلب حقوقها في المواطنة.

غطاء قانوني

نقول هذا الحديث، ونبدأ به على هامش العودة مجدداً للاتفاقية الأمنية، والاتفاقية الأخرى التي تحدث عنها رئيس مجلس الأمة السابق السيد عبدالعزيز السعدون، في مقابلة تلفزيوينة أجريت معه الأسبوع الماضي.. ويفترض أيضا أن تتم مناقشتها، بعد تأجيلها المتكرر في مجلس الأمة، كما أشار إليه السيد السعدون، أو الاتفاقية بين دول الخليج التي تم التصديق عليها من خمس دول خليجية بانتظار تصديق الكويت عليها.. بداية أُعيد صياغة هذه الاتفاقية بعد الحراك الشعبي في الدول العربية منذ نهاية عام 2010، فالشعوب العربية تعيش أوضاعاً مماثلة، إن كان ذلك لجهة السلطة الحاكمة أو الظروف المعيشية ولا حال أحسن من حال آخر.. ولعل المادة العاشرة التي استحدثت في هذه الاتفاقية خير تعبير عن انعكاس الحراك الجماهيري في بعض الدول الخليجية التي وضعت غطاء قانونيا تعاقديا للاستعانة بالقوات الأمنية من دولة لدولة أخرى.. إضافة لذلك، يفترض ألا تعالج هذه الاتفاقية من منظور قانوني، وكأننا أمام قانون مرور، أو أمر متعلق بشأن مشابه، فهي تمثل في الحقيقة انعكاسا سياسيا، وليس إطارا قانونيا بحتا.

وسيلة للهيمنة

ثالث الأمور التي يمكن أن تحدد اتجاه هذه الاتفاقية أنها وسيلة وليست غاية بحد ذاتها، فهي وسيلة لبسط الهيمنة الأمنية المشتركة ما بين دول الخليج، بغض النظر عن التفاوت الطفيف ما بين أوضاعها، كما أنها تأتي ضمن منظومة واحدة، والمنظومة تلك تعمل على تقليص الدور الشعبي في المساهمة بإدارة أمور البلد.. هي ليست إطارا منفصلاً عن باقي الإجراءات التي اتخذتها الإدارة الحكومية من تقليص دور الخيار الشعبي والمشاركة في الحكم بقيامها بصورة انفرادية بتغيير آلية الانتخابات، بما يتيح لها تقليص دور مجلس الأمة إلى الحال التي وصلنا إليها وما يشاهده المتابع من أداء.. هي السلسلة ذاتها أيضا عندما عزمت الحكومة على تعديل قانون المطبوعات، ولولا التصدي لها ومناهضتها، لتسنى لها الأمر في اتمام ذلك، مع ملاحظة أنه على الرغم من عدم تعديل القانون، فإن صحافتنا اليومية غدت متشابهة العناوين، وكأنها تصدر من جهة رسمية واحدة، أو كأن هناك قدرا من التوجيه بنشر أو عدم نشر أحداث لا ترغب بمتابعتها.. ولعل الأحداث والتظاهرات التي جرت في فبراير في تيماء من البدون خير شاهد على ذلك، عندما تم التباري بإظهار حفلات هلا فبراير الغنائية.. أما حوادث البدون وحركتهم الاحتجاجية، ففيه ما يشبه الإغفال المتعمد لما يعانونه من أوضاع يومية.. إعلامنا غفل عنهم في ما يشبه التعمُّد، ولم يسمع عنه عدا التغطيات في أدوات التواصل الاجتماعي من صور وأفلام.

حلقة مترابطة

هي حلقة مترابطة ما بين هذه الاتفاقيات والإجراءات التي اتخذت لتكون شاملة ومتكاملة، ضمن إطار الدولة لتتوسع أكثر ضمن الاطار الخليجي.

لا نفهم في الحقيقة هؤلاء المنددين بالاتفاقية الأمنية والمصفقين في الوقت ذاته عند تعديل آلية التصويت الانتخابي، ليصل أداء مجلس الأمة إلى الحال التي وصلنا إليها، وهي تهدف أساساً إلى تقليص المشاركة الشعبية وتفتيتها، ليكون المجلس انعكاسا لأداء الشخص الفرد، وليس انعكاسا لقوى سياسية فاعلة.. وهي أيضا عملية متواصلة مع الملاحقات الأمنية التي وصلت إلى إلقاء القبض والخروج بكفالة لحدث صغير السن بتهم لا يقدر عليها حتى «شمشون الجبار».. هي سلسلة متواصلة من الإجراءات المبرمجة في تعقب الناشطين أو المنادين بحقوق المواطنة، كما يفترض أن تكون، لتأتي هذه الاتفاقية وفق هذا المنظور وتصبح مكملة وتأخذ الاتساع الجغرافي ما بين دولها الموقعة.. في الوقت ذاته الذي تزداد فيه التجاوزات والفساد والانتهاكات ضمن عقلية تعمل على إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.

حلقة واحدة

لا يوجد جهاز أمني أكبر من الجهاز الأمني المصري، عدداً وعدة، على مستوى جهاز الأمن المركزي أو مباحث أمن الدولة.. وغيرها من الأدوات الأمنية الأخرى.. ولا توجد قوانين تشرّع على مقاسات النظام ومراميه، كما كان في مصر، ومع ذلك تحرك الشعب المصري عندما وصل إلى درجة الغليان العظمى، لينسف الوعاء الأمني الذي غطي به لعقود.. وهكذا تعلمنا الأيام التي هي جزء من التاريخ.
وأخيراً، علينا وضع الاتفاقية الأمنية ضمن إطارها الواسع عندما تم اتخاذ جملة من التدابير لتقليص صلاحيات الشعب والأمة وتفريغ الدستور من واقعه المفترض أن تتم ترجمة مواده، عدا -كما ذكرنا- الملاحقات القضائية، وتعزيز أدوات البطش لمن يرفض هذا الاتجاه.. فهي ليست حالة معزولة عما تم، ولا يمكن مناهضة الاتفاقية في الوقت ذاته الذي يفرح ويصفق فيه البعض للإجراءات والقوانين المنافية للحريات.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *