الرئيسية » محليات » آن الأوان لنظام تأمين صحي اجتماعي غير ربحي

آن الأوان لنظام تأمين صحي اجتماعي غير ربحي

منشآت صحية تحتاج إلى نظام رعاية متكامل
منشآت صحية تحتاج إلى نظام رعاية متكامل

إعداد عزة عثمان:
أكدت دراسة أعدها كل من د.نديم عبدالعزيز الدعيج ود.طارق عبدالمحسن الدويسان، نيابة عن مجموعة من الأطباء والأكاديميين ينتسبون إلى مبادرة الكويت للصحة والمجموعة الاستشارية لتطوير الرعاية الصحية، أن الكويت اليوم تواجه تحديات ضخمة في القطاع الصحي.

وأوضحت الدراسة أن النظام الصحي الحالي في الكويت لا يعد مهيأً لمعالجة مشكلات كبيرة تحتاج إلى حلول فنية، وإجماع سياسي، ومحفزات تغير سلوكيات الأفراد ومقدمي الخدمة معاً.

«الطليعة» تنشر على حلقتين ما جاء في هذه الدراسة، التي ساهم في مراجعة ملخصها د.رنا العبدالرزاق ود.شيخة المحارب.

تقدم الدراسة، التي جاءت تحت عنوان «إصلاح القطاع الصحي الكويتي – مقترح لتعزيز العدالة والكفاءة»، إطاراً مقترحاً لعملية إصلاح القطاع الصحي في دولة الكويت، مؤكدة أن الإصلاح يتحقق من خلاله العدالة والكفاءة والجودة معاً.

وعلى الرغم من تأكيد القائمين على الدراسة أن جهدهم لا يستهدف مشروعاً أو توجهاً معيناً – وخصوصاً أنهم يمثلون جهات بحثية غير ربحية ومحايدة تعنى بالسياسات الصحية وتعمل على تطوير استراتيجيات ترتكز على العدالة والبراهين العلمية – فإن توصيات الدراسة يمكن أن تمثل مدخلاً وأساساً يساعد في تقييم المبادرات الصحية المختلفة التي يتم تداولها وطرحها من حين لآخر.

واستندت هذه الدراسة إلى جملة من المصادر والمراجع شملت دستور دولة الكويت وخطة التنمية 2010 – 2014 وتقرير توني بلير حول رؤية الكويت وأداء نظام الرعاية الصحي في دولة الكويت، بالمقارنة مع دول العالم، وأدلة مختلفة مستقاة من تجارب دولية ومعايير معتمدة في السياسة الصحية تستند إلى توصيات حول الممارسات الجيدة صادرة عن منظمة الصحة العالمية ومجموعة تمويل الصحة التابعة للبنك الدولي، وجامعة هارفارد، ومجموعة من الخبراء المتميزين.

ولتقوية أسس النظام الصحي في دولة الكويت، اقترحت الدراسة كذلك سلسلة من القوانين الأساسية.

تحديات

وأكدت الدراسة أن الكويت تواجه اليوم تحديات ضخمة في القطاع الصحي، فبالإضافة إلى معاناتها من ازدياد عبء الأمراض المزمنة، انحدر مستوى رضا العملاء إلى أدنى مستوياته. ومن الأمثلة الصارخة حول ذلك، معاناة 75 في المائة من النساء الكويتيات و50 في المائة من الرجال من الوزن الزائد، وإصابة 1 من كل 5 كويتيين بمرض السكري.

وفي مواجهة ذلك، لا يوجد أي برنامج وطني متواصل للوقاية أو لغربلة الأسباب الأساسية للوفيات والإعاقات التي يمكن تفاديها، وهناك أيضاً كثير من المشاكل المتعلقة بجودة الرعاية الصحية وإمكانية الحصول على الخدمات الطبية والممارسات الخاطئة من قبل المريض ومقدم الخدمة، وانعدام التركيز على الأولويات، مثل الرعاية الوقائية وإصلاح التمويل.

مشكلات

وترى تلك الدراسة أن النظام الصحي الحالي في الكويت لا يعد مهيأً لمعالجة هذه المشكلات الكبيرة التي تحتاج إلى حلول فنية، وإجماع سياسي، ومحفزات تغير سلوكيات الأفراد ومقدمي الخدمة معاً.

ومن خلال المراجعة الشاملة للقوانين الكويتية، ذات الصلة بالرعاية الصحية، تبين بشكل واضح انعدام الانسجام بين الأطر التشريعية الحالية واحتياجات القطاع الصحي.

خيارات

وأشارت الدراسة إلى أن اللجنة الصحية في مجلس الأمة (خلال النصف الأول من عام 2010)، وبناء على الرؤية العامة المقدمة من وزارة الصحة، وبدعم من مستشارين من القطاع الخاص، قدَّمت مقترحا لقانونين أساسيين: أحدهما هو قانون الضمان الصحي الخاص، والذي سينقل الجزء الأكبر من الأموال العامة للقطاع الخاص. والثاني، وهو مكمل للقانون الأول، سيقوم بتوزيع مسؤوليات وزارة الصحة الحالية على جهتين حكوميتين.

لكن القائمين على الدراسة رأوا أن كلا المقترحين التشريعيين سيضعف من سيطرة المجتمع والبرلمان على القطاع الصحي، وسيؤدي إلى جعل الوضع الصحي الحالي أقل قابلية للإصلاح، كما أنه لا توجد سابقة أو دليل على أن التعديلات التشريعية المقترحة ستحسن من النتائج الصحية، وتقي من المرض، وترتقي بجودة الرعاية الصحية.

المطلوب

وبينت الدراسة أنه بالنظر إلى مستوى التنمية في دولة الكويت، والحاجة إلى تطوير الإمكانات المحلية، لابد من التأكيد على أهمية تبني استراتيجيات إصلاحية أساسية تم اختبارها وتجربتها بشكل جيد، وفي الوقت نفسه هناك دعوة للحذر من المبادرات الحديثة الجذابة التي لم تبرهن على جدواها صحياً.

وفي هذا الصدد، حرص القائمون على الدراسة على إزالة الاعتقاد السائد عند الكثيرين، والذي يتم الترويج له بقوة في العديد من المقترحات، بأن التكنولوجيا تستطيع أن توفر حلولاً شاملة لعثرات القطاع الصحي، فتبني مثل تلك التكنولوجيا، حتى وإن صممت وطبقت بشكل مناسب، ربما يساهم في تقليل الأخطاء الطبية، لكنه حتماً لن يحل مشكلات الجودة أو القضايا التي تنشأ عن عدم فاعلية الإدارة، كما أن تطبيق وتشغيل تلك النظم التكنولوجية يُعد أمراً معقداً وعالي التكلفة، وتجاربنا في هذا الأمر في الكويت غير مشجعة.

ركيزتان

وخلصت الدراسة إلى ركيزتين أساسيتين لإصلاح النظام الصحي، هما:

ـ الأخذ بنظام التأمين الصحي الاجتماعي غير الربحي (Social Health Insurance) في توفير خدمات الرعاية الصحية الأساسية لجميع السكان.

ـ تبني نهج شامل ومتكامل في إصلاح النظام الصحي يرتكز على مقابض التحكم الخمسة، وهي: التمويل، والرقابة، والتنظيم، والدفع، والسلوك.

هيئة وطنية للصحة

واقترحت هذه الدراسة تأسيس هيئة وطنية للصحة تُمثل كل المعنيين بالشأن الصحي للإشراف على عملية حوكمة وإصلاح النظام الصحي في دولة الكويت، وتمكين هذه الهيئة، من خلال تعزيزها بفريق مهني مستقل من الخبراء المحليين والدوليين من ذوي الخبرات والمؤهلات التي تغطي كل جوانب الإصلاح الصحي، على أن تقوم الهيئة بوضع إطار للحل الشامل المتكامل مع خارطة طريق تنفيذية يتراوح مداها بين 3 و5 سنوات، بحيث تخضع كل المقترحات والمشاريع المطروحة اليوم، والتي ستطرح مستقبلاً، للمراجعة وفقاً لإطار الحل الشامل قبل البت فيها.

تأمين صحي إلزامي

ويدعو واضعو الدراسة إلى توفير نظام تأمين صحي إلزامي يغطي خدمات الرعاية الصحية الأساسية لجميع المواطنين والوافدين من دون تمييز، من خلال إنشاء مؤسسة غير ربحية للضمان الصحي الاجتماعي ذات شخصية معنوية وميزانية مستقلة (يطلق عليها اسم «المؤسسة العامة للضمان الصحي»)، وتكون مهام تلك المؤسسة توفير التأمين الصحي الإلزامي، ودفع نفقات علاج المؤمن عليهم لمنشآت خدمات العلاج الطبي الحكومية أو الأهلية، ومراقبة هذه المنشآت، وتنظيم حملات التوعية والوقاية، وإدارة شبكة وقاعدة معلومات صحية لتمكين عمليات الرعاية الصحية تقنياً وقياس أداء النظام الصحي.

وتغطي المؤسسة تكلفة أنشطتها عن طريق تحصيل أقساط المشتركين المقدرة بدخلهم (والتي تدفعها الحكومة نيابة عنهم) من العوائد الحكومية والضرائب التي يمكن أن تطبق مستقبلاً على البضائع الضارة (مثل الدخان وبعض الوجبات السريعة) والكمالية، وتحصيل أقساط التأمين على موظفي القطاع الخاص من جهات عملهم، وكذلك تأمين مداخيل إضافية للمؤسسة، من خلال الاستثمار الآمن.
وتقوم المؤسسة بالاستعانة بإحدى منظمات الاعتماد الدولية – ثم المحلية في المستقبل – لتوفير خدمة اعتماد منشآت تقديم خدمات العلاج الطبي الحكومية والأهلية، بحيث لا يتم السماح لأي مستشفى أو مركز صحي، سواء في القطاع الحكومي أو الخاص، بالدخول إلى المنظومة الصحية التي تستقبل المواطنين والوافدين للعلاج ما لم تكن معترف بها.
ويحق للمواطن والمقيم الاختيار بين مقدمي الخدمة الطبية الحكومية والأهلية، ويقوم مقدمو الخدمة بتحصيل قيمة العلاج الذي تشمله وثيقة التأمين الإلزامية من المؤسسة.

ويتاح للمواطن والمقيم الاستفادة من خدمات شركات التأمين الأهلية في المجال الصحي التي لا يشملها التأمين الصحي الأساسي/ الإلزامي، ويمكن لشركات التأمين التنافس في ما بينها من خلال تقديم هذه الخدمات المكملة.

جهاز استشاري

ولضمان فاعلية وكفاءة عمل المؤسسة، وخاصة في مرحلة التأسيس والتشغيل الأولي (خلال السنوات الخمس الأولى)، فإنها تحتاج إلى أن يتوافر لها جهاز استشاري (متخصص في مجال الصحة) يضم خبراء دوليين في مجالات الإدارة والاقتصاد والتأمين والسياسات والقوانين والتحليل المالي والمحاسبي ونظم المعلومات والجودة والسلامة الصحية والأخلاقيات في الرعاية الصحية العامة، لعدم توافر الكثير من تلك الخبرات محلياً.

ويدعو المقترح كذلك إلى توفير أكبر قدر ممكن من الاستقلالية الإدارية والمالية لمراكز تقديم الخدمة الحكومية، كي تستطيع المنافسة مع مراكز الخدمة الأهلية.

معدلات قياسية

وأكدت الدراسة أن الكويت ستواجه في السنوات المقبلة ارتفاعاً هائلاً في تكلفة الرعاية الصحية، نتيجة للمعدلات القياسية لأمراض السكر والسمنة وقصور البرامج الوقائية المستمرة. ولمواجهة ذلك، لابد من تأسيس نظام تمويل صحي قابل للاستمرار في ضخ الأموال المطلوبة.

وفي الوقت ذاته، أثبت أن نهج السوق الحرة المعتمد على نظم ربحية لتمويل الرعاية الصحية هو نهج غير فعال من حيث التكلفة، نظراً لارتفاع التكاليف الإدارية مع ازدياد الطلب، كما أن مثل هذا النهج لا يستند إلى المساواة، كما أنه لا يناسب بيئتنا التي تعاني عدم انتظام الإشراف الرقابي والإساءات التي يمكن أن تنشأ عن ممارسات القطاع الخاص.

ولدولة مثل الكويت، تتمتع بسمات خاصة ديموغرافية وتوزيع الثروة وارتفاع الإنفاق على الرعاية الصحية، من الضروري الأخذ باستراتيجيات تمويل تتسم بالاستمرارية والعدالة وتجميع المخاطر وتوفير تغطية صحية للجميع.
وبينت الدراسة أن الأدلة التجريبية والتوصيات جميعها تدعم نظام الضمان الصحي الاجتماعي إلى تمويل قطاع الرعاية الصحية في دولة الكويت.

أداء أفضل

وبيَّن القائمون على الدراسة، أن الأدلة العملية تدل على أن نظم التأمين الاجتماعية غير الربحية، مثل تلك التي وجدت في أوروبا وأجزاء من أميركا اللاتينية وآسيا، تحقق أداء أفضل في مقاييس الأداء الرئيسة الثلاثة (الشمولية، التكلفة، الجودة) من الأنظمة التي تبنت نهج السوق الحرة، فتلك النظم التي تديرها الحكومات تعمل باستقلالية، ولا تهدف للربح، وتستقي أموالها من استقطاعات رواتب العاملين أو عائدات الضرائب العامة، وتشتري خدماتها الطبية على أساس احتياجات المريض، سواء من مقدمي الخدمات من القطاع العام أو الخاص. وتعد اقتطاعات الدخل المخصصة هي الوسيلة المفضلة لتمويل هذه الصناديق، نظرا لاستقرارها على المدى الطويل. وهذا يغرس أيضا درجة من المسؤولية والشعور بالملكية لدى متلقي الخدمات.

التمويل

ترى الدراسة أنه نظراً لكون التمويل الصحي هو أهم «مقابض التحكم» الخمسة في مفاصل تصميم وتطوير الرعاية الصحية، اقترح القائمون عليها البدء في إخضاعه للبحث المعمق، فالتمويل الصحي يحدد عمل جميع أجزاء النظام الصحي، فهو يؤثر في عدالته وأدائه وكفاءته واستمراريته، كما أن إصلاح نظم التمويل الصحي يهدف إلى ثلاثة أمور أساسية، هي:

ـ الحماية من المخاطر المالية. نظراً لأن المرض هو أمر غير متوقع، ويمكن أن يؤدي إلى تكاليف باهظة، تسعى الحكومات للتخفيف من عبء تلك التكلفة على الفرد، من خلال تقليل الدفعات المطلوبة منه، وهذا يتحقق عادة من خلال إنشاء نظم ضمان صحي عادلة تتجمع فيها الأموال التي مصدرها يكون استقطاعات من مداخيل الأفراد، وإيرادات حكومية أو مصادر أخرى مقبولة للتمويل.

ـ توفير تمويل كاف للصحة. للمحافظة على العدالة في توفير وتقديم الرعاية الصحية، تعمل الحكومات على تحديد مصادر تمويل مستدامة، فارتفاع تكاليف الرعاية الصحية استدعى المؤسسات للتفكير في آليات جديدة في إعادة توجيه الأموال لقطاع الرعاية الصحية، كما أن المساهمات المخصصة، سواء كانت على شكل استقطاعات من مداخيل الأفراد، أم ضرائب خاصة، يمكن أن توفر مصادر دخل مستمر للرعاية الصحية، والتي لا يمكن قانوناً التلاعب بها، سواء أثناء الأزمات الاقتصادية أو عند تغير القيادات في الدولة، كما أن هناك مصادر أخرى إبداعية تشمل ما يسمى «ضرائب المواد الضارة»، التي تفرض على التبغ والمنتجات الكمالية والبنزين على سبيل المثال، وأن توحيد التغطية التأمينية الأساسية تحت نظام واحد يؤدي إلى توسيع حجم الأموال المجمعة، وبالتالي تشكيل قوة شراء أكبر، وهذا الأمر يعد أكبر مبرر لعدم الفصل بين نظم التأمين الصحي للمواطنين والوافدين.

ـ شراء الخدمات الصحية المطلوبة. وفي هذا البند أكدت الدراسة أن تحديد مصادر التمويل لقطاع صحي تزداد تكلفته بشكل مطرد يعد أمراً معقداً، وكذلك الأمر بالنسبة لشراء الخدمات الصحية المناسبة، فهو لا يقل صعوبة، فالاعتقاد الراسخ لدى المجتمع الكويتي في التركيز على الرعاية الثانوية والثالثية (التخصصية) أدَّى بطبيعة الحال إلى اهتمام متخذي القرار بتوفير الإمكانات لتلك الرعايات، لكن من منظور الصحة العامة تعد هذه الرعايات المكلفة أقل مردوداً من منظور تطوير الصحة العامة للسكان، فتدابير الرعاية الصحية الوقائية والأولية البسيطة والرخيصة توفر مردوداً أكبر بكثير على المدى البعيد في تأثيرها على السكان، مقارنة مع التدابير التي تركز على الفئات الأكثر عرضة للإصابة بالأمراض، كما أن المقدرة على شراء الرعاية الصحية، من خلال بوليصة تأمين صحي مناسبة من منشآت الرعاية الصحية الحكومية والخاصة، لها نتائج بعيدة المدى، فسوق الرعاية الصحية حالياً محصور بنسبة 80 في المائة بالقطاع العام.

أما القطاع الخاص، فعلى الرغم من نموه، فإنه يبقى صغيراً، ويخدم بشكل أساسي فئة ذوي المداخيل المتوسطة والعالية، نظراً لمثبط أساسي هو التمويل، فنظراً لاقتصار مصادر الدفوعات لمنشآت الرعاية الصحية الخاصة على الأفراد بشكل أساسي تبقى تلك الخدمات متوافرة للمقتدرين، كما أن الخدمات التي توفرها تلك المنشآت تقتصر على الفئة المربحة منها، (مثل أمراض القلب، والولادة، وبعض الجراحات المختارة).

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *