الرئيسية » ثقافة » ملتقى مجلة العربي «الثقافة العربية على طريق الحرير»: الحدود السياسية والنزاعات العرقية تجعل حلم استعادة طريق الحرير مستحيلا

ملتقى مجلة العربي «الثقافة العربية على طريق الحرير»: الحدود السياسية والنزاعات العرقية تجعل حلم استعادة طريق الحرير مستحيلا

ليلى السبعان تلقي كلمتها في الملتقى
ليلى السبعان تلقي كلمتها في الملتقى

كتبت هازار يتيم:
عقدت مجلة العربي ملتقاها الثالث عشر تحت عنوان «الثقافة العربية على طريق الحرير»، على مدار 3 أيام، بمشاركة أكثر من 82 باحثاً ومفكراً وإعلامياً، قدَّموا من 21 دولة، يحملون 18 جنسية، فضلاً عن 20 ورقة بحثية توزعت على 8 جلسات، بالإضافة إلى 4 أمسيات حرة تنوَّعت بين الفن الأصيل والسينما التوثيقية التسجيلة والروائية، ومنها سهرة سينمائية على طريق الحرير، وهو فيلم تسجيلي للمخرج الهندي برامود ماتو، وسهرة موسيقية لقصائد الخيام وصوت أم كثلوم أعدها قدمها بشير عياد.

وينضوي الملتقى تحت مبادرة صاحب السمو أمير البلاد بشأن القمة الآسيوية التي عقدت في الكويت، وقد افتتحه وزير الإعلام وزير الدولة لشؤون الشباب الشيخ سلمان الحمود، ممثلاً سمو رئيس مجلس الوزراء الشيخ جابر المبارك.

العرب يتجهون شرقاً

ويأتي الملتقى -وفق الكاتب إبراهيم المليفي- استكمالاً لندوة العام الماضي (العرب يتجهون شرقاً)، مشيراً إلى أن الملتقى سيقوم بتحديث للمدن التي مرَّ بها طريق الحرير.

واعتبر أن الملتقى يُعد استكمالاً لجهد مجلة العربي في الاتجاه شرقاً نحو آسيا، والنظر في تجارب التحديث فيها والاستفادة كويتياً وعربياً من هذه التجارب عن طريق جسر الثقافة.

أنشطة تثقيفية وتكريمية

شهد الملتقى العديد من الفعاليات والأنشطة التثقيفية والتكريمية، حيث أكدت رئيس تحرير مجلة العربي ومقررة الملتقى الـ 13، د.ليلى السبعان، أن مجلة العربي تجسد ديوان الرحلة العربية المعاصرة، إذ نقشت اسمها على محطات تاريخية وجغرافية كثيرة، لعل من أهمها طريق الحرير الذي امتد قديماً ولمئات السنين من الصين إلى قلب أوروبا. وقالت: نحن نجتمع اليوم لقراءة «الثقافة العربية على طريق الحرير»، والذي لا يتقصى التاريخ وحسب، وإنما يقدم رؤية ثقافية لمشروع اقتصادي، مثل: المشروع الطموح لمدينة الحرير التي ستقام في الكويت.

جلسات بمواضيع متنوعة

تناولت الجلسات العديد من المواضيع التي تتعلق بطريق الحرير كأدب الرحالات والإرث المتنوع من المخطوطات، إضافة إلى رصد دقيق، لشكل العلاقة التاريخية بين العرب والشعوب التي تقطن على جنبات طريق الحرير.

وتطرَّقت إحدى الجلسات التي أدارتها الوكيلة المساعدة لشؤون التخطيط والتنمية في وزارة الإعلام د.هيلة المكيمي إلى محتوى جلسة الأدب الجغرافي على طريق الحرير وطرحت أسئلة متعددة تتعلق بتحول مسار أدب الرحلات وتخلصه من الكتابة الكلاسيكية، ليتخذ شكلاً جديداً يمزج بين الواقع والخيال والبحث ضمن لغة أدبية شعرية.

حلم مستحيل

وتحدث في الجلسة الكاتب أشرف أبواليزيد، الذي أشار إلى أن «التوثيق المصوّر لطريق الحرير قد بدأ بعد اندثار ذلك الدرب الشهير بقرون، فنحن نتحدث عن عصر بدأت فيه الحدود السياسية، والنزاعات العرقية، والهيمنة المعولمة تتحكم في جسد البشرية، فتقطع أوصالاً وتزرع جيوباً ناتئة فتتت هذا التواصل. صحيح أن هناك محاولات لاستعادة طريق الحرير، سياسياً وتجارياً ورياضياً وفنياً، إلا أنها لا تنكر جميعها أن حلم استعادة الطريق كأنه أصبح مستحيلاً».

ولفت أبواليزيد في ورقته البحثية «مدونات الرحلة المصورة على طريق الحرير» إلى أن طريق الحرير كان محفوفاً بالمخاطر والمتاعب في بعض أجزائه، ولاسيما في وجود التقلبات السياسية المتنوعة، وقد سبق للصينيين بأقوامهم الغالبة وأقلياتهم على حد سواء، ممارسة التبادل الاقتصادي والثقافي مع الأمم القاطنة في آسيا الوسطى، وغربها حاملين مع قوافل الإبل أفضل المنتجات لكل بر تعبره. فمن الصين جاء الحرير والمخترعات الأربعة «البوصلة والبارود والورق والطباعة»، وإلى الصين ستعود القوافل بالعنب والجوز.

أدب الرحلة

بدوره، تحدث الباحث نوري الجراح في ورقته البحثية «ارتياد الآفاق أدب الرحلة بوصفه فضاء للتواصل والتعارف عبر التجارة والعلم»، حيث أوضح أن هذا النوع من الأدب لعب دوراً أساسياً في توثيق الصلات الثقافية مع الآخر، ممتدحاً تجربة مجلة العربي ضمن هذا السياق، ومتسائلاً: هل ما نناقشه اليوم ترف فكري أو مسألة حيوية؟

ورأى أن محتوى أدب الرحلات شهد مخاضات متنوعة وأوهاماً وعلوماً وخيالاً عكست النصوص الأساسية، إذ إنها ليست لمجرد التوثيق للمكان أو الزمان، بل هي رصد دقيق لمكونات الحضارة الإنسانية.
ولفت الجراح إلى أن نص القافلة لم يعد حاضراً في ظل وجود البواخر والطائرات والكاميرات، مؤكداً أن أدب الرحلات لم يتم تبنيه من جهة معينة، بل استمر بفضل الجهد الفردي بعيداً عن مظلة أي مشروع لدولة ما أو جهة خاصة.

الرحالة المهملون

وأشار الكاتب عبدالمحسن مظفر إلى أن ثمة مجموعة من الكويتيين واليمنيين استقروا في بلدان، كالهند وإندونيسيا، أثناء رحلاتهم، متمنياً تسليط الضوء على هذه النماذج.

في المقابل، قال الشاعر السعودي محمد الجلواح إن السفراء راهناً يكتبون أدب الرحلات، فيما استعرض الباحث صالح المسباح مشواره مع التوثيق، مبيناً أنه قدَّم 13 حلقة إذاعية تعنى بأدب رحلات الحج، وفي مداخلته ركز يوسف بكار على إهمال الرحالة المعاصرين، وكذلك الرحالة المسلمين من غير العرب.

عبق تراث السنين لحضارات مزدهرة

وفي جلسة أخرى، أدارها رئيس مجلس أمناء «مؤسسة جائزة البابطين»، عبدالعزيز سعود البابطين، أكد د.سعود العصفور أن الحديث عن المخطوطات والوثائق يشتم منه الباحث والمراقب عبق تراث السنين لحضارات زاهرة، ساهمت مدنها في دور فاعل في شتى العلوم الإنسانية، معتبراً أن عبور القوافل التجارية، ذهابا وإياباً، على طريق الحرير وتشعباته التي تكاد تغطي القارة الآسيوية كلها وأجزاء كبيرة من قارات أخرى، أضحى معبراً لتداول كل حاصلات الشرق والغرب، وكانت المخطوطات تنقل معها.

وأضاف العصفور: إذا كان الحرير هو السلعة الرائجة في طريقها هذا، فإن المخطوطات والوثائق لا تقل رواجاً عن الحرير، فلا تكاد تخلو مدينة من مدن ما وراء النهر كطقشند، وسمرقند، وفرغانة، وبخارى، وترمذ، ومرو، وبلخ، وهرات، ونيسابور، وجرجانية، من خزائن تحتوي على نفائس المخطوطات وأقدمها، ولايزال الشرق والغرب يستفيد منها، ويبدو هذا جلياً للمتخصص في تاريخ تلك المنطقة، وما قامت عليها من حضارات، وتحظى هذه المناطق بمرتبة مرموقة بين الدول الأكثر ثراء بشأن المخطوطات، إذ تأتي بالمرتبة الرابعة عقب تركيا ومصر وإيران.

صمود في وجه التدمير

وأوضح العصفور أن هذه المخطوطات صمدت في وجه التدمير، ولاسيما في فترة الاجتياح المغولي «الهمجي»، إذ تم نقل هذا الإرث إلى جهات أكثر أمناً، لافتاً إلى أن طريق الحرير كان جسراً للتواصل الحضاري بين شعوب المناطق التي سارت عبره، ووصلت إليه وكانت المخطوطات التي ألفت في شتى العلوم أحد جسور التواصل الثقافي قديماً وحديثاً.

وتناول د.طارق عبدالله عبر ورقته رحلة «ماركو بولو»، متوقفاً عند محطات مهمة من هذا المشوار.

تأثير اللغة العربية

تمحورت جلسات ملتقى مجلة العربي في اليوم الثالث حول تأثير اللغة العربية في المناطق التي يمر بها طريق الحرير، وشارك فيها أكاديميان من الهند وإيران، في حين ركزت الدراسات البحثية على رباعيات الخيام، وتأثير العربية في اللغتين الهندية والفارسية، وانتقد المشاركون في الجلسات محاولات طمس الإرث الأدبي والتضييق على حرية التعبير.

كما شهدت فعاليات اليوم الثالث عقد جلستين، الأولى بعنوان «الأدب العربي على طريق الحرير» تحدث فيها كل من د.سيد جهانغير ود.أحمد درويش، فيما حاضر في الجلسة الثانية التي جاءت بعنوان «التثاقف على طريق الحرير» د.موسى أحمد بيدج والناقد بشير عياد.

وفي جلسة «الأدب العربي على طريق الحرير» التي أدارها د.مفيد شهاب، تحدث د.سيد جهانغير عن حضور اللغة العربية في الهند، لافتاً إلى أن الحفريات في جزيرة فيلكا الكويتية اكتشفت مجموعة من الآثار التي تدل على الصلات المذكورة منذ الألفية الرابعة قبل الميلاد، حيث إن الجزيرة تمثل نقطة مرور للسفن القادمة من بلاد الرافدين باتجاه الهند، وتجلَّت تلك الدلائل في أنواع الأختام والحلي والفخار، وغير ذلك من البقايا الأثرية، مشيراً إلى أن البلاد العربية وبلاد الهند الجنوبية لم يكن يفصل بينهما إلا البحر العربي، وهذا البحر كان يربط بين الطرفين بالطرق البحرية وموانئه الكثيرة، فمنذ آلاف السنين كان تجار العرب يأتون إلى سواحل الهند وينقلون منتجاتها وثمارها إلى البلاد العربية، ومنها إلى أوروبا عن طريق الشام، وكانوا يستوردون البضائع العربية إلى الهند، وأيضا كان هذا الطريق التجاري يتحكم فيه العرب قرونا طويلة.

بدوره، تحدث د.أحمد درويش عن رؤيته الحديثة حول طريق الحرير، متوقفاً عند محطات مهمة تساهم في انتشار العربية وتقديم صورة إيجابية عنها لدى الآخر.

التثاقف على طريق الحرير

وفي جلسة «التثاقف على طريق الحرير» التي أدارها الشاعر التونسي المنصف المزغني، قال د.موسى أحمد بيدج من إيران إنه یجب ألا ننسی الأدباء والشعراء والباحثین في مجالات الثقافة المشتركة بین العرب والإیرانیین، الذين قدموا نتاجاً أدبياً متميزاً، وتأثروا بالدین الإسلامي واللغة العربیة، وأضافوا بإبداعهم ونتاجهم الی تلك الثقافة، لتزداد ألقاً وتوهجاً، فالإيرانيون المسلمون عملوا بوجدان علمي وذائقة أدبیة وبجدّ وجهد لتألیف وتدوین أسفار وكتب ورسالات لا تعد ولا تحصی وموسوعات شكلت جانباً مهماً في بنیان الثقافة الإسلامیة.

وتابع: «عندما كنا أمة واحدة، ولم تكن بین حضارتینا حدود موضوعة، اشتغل المئات، إن لم نقل الآلاف، من أهل الكلمة والفكر من الإیرانیین الی جانب إخوانهم العرب في مجالات شتی العلوم، لیصنعوا لنا غداً مشرقاً مكرماً معززاً، في ظل الدین الإسلامي في جغرافیاه الواسعة».

أما المتحدث الثاني في الجلسة الشاعر بشير عياد، فلفت إلى أن العرب لم ينتبهوا إلى رباعيات الخيام في البداية، بل سبقهم إليها الغرب، محدداً بدايات القرن العشرين لأولى المحاولات العربيّة لترجمة الرباعيات.

وأكد الكاتب خليل حيدر في تعقيبه على مضمون الجلسة، أن ثمة جهوداً حثيثة تهدف إلى طمس الإرث الأدبي، إذ إن بعض أفراد المجتمع الإسلامي لا يودون انتشار هذا النوع من الأدب.

«فن المقام الموسيقي على طريق الحرير»

تم خلال الملتقى عرض فيلم مدته ثماني دقائق بعنوان «فن المقام الموسيقي على طريق الحرير» يتحدث عن مدينة «قشغر» التي تعد بوابة طريق الحرير من الصين إلى العالم. ولاتزال هذه المدينة، إلى يومنا هذا، تحتفظ بالفنون القديمة. هذه المدينة، الأشهر في إقليم «شين جيانج»، وهي منطقة إسلامية تحظى بحكم ذاتي شمال غرب الصين، لاتزال تحتفظ بتقاليد فنون المقام الموسيقية، واختارت مجلة العربي تقديم بعض أنواع هذا المقام، الذي تقترب نوتته الموسيقية من قوالبنا الموسيقية في الشرق العربي.

المكرمون

كرَّم الملتقى العديد من الشخصيات والمؤسسات، أبرزها:
– مؤسسة «الفكر العربي- المملكة العربية السعودية»، وتسلم التكريم الأمير بندر بن خالد الفيصل آل سعود.
– مؤسسة جائزة «عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري- الكويت» وتسلم التكريم الشاعر عبدالعزيز سعود البابطين.
– د.مفيد شهاب، وزير التعليم العالي الأسبق، جمهورية مصر العربية.
– المجلس العالمي للغة العربية – جمهورية لبنان.
– مؤسسة «أجا للثقافة والإعلام- كوريا الجنوبية»، وتسلم التكريم سانغ كي.
– مؤسسة مسرح الدولة- جمهورية تتارستان، روسيا الاتحادية.
– أستاذ الأدب العربي بالجامعة الإنجليزية واللغات الأجنبية، في حيدر آباد، الهند د.سيد جهانغير.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *