الرئيسية » مقابلات » مردم بك: السيسي غير مهيأ لقيادة تحوُّل جذري في مصر

مردم بك: السيسي غير مهيأ لقيادة تحوُّل جذري في مصر

فاروق مردم بك
فاروق مردم بك

حوار هازار يتيم:
أكد الناشر والمستشار الثقافي السابق لمعهد العالم العربي في باريس، فاروق مردم بك، أنه لا مخرج في سوريا إلا باتفاق ما بين الأميركان والروس على حل وسط، لتهيئة مرحلة انتقالية، مشدداً على أنه يستحيل بقاء النظام كما هو بعد كل ما جرى من مذابح وغيرها، ولا يمكن للمعارضة الممزقة والمتشعبة أن تنفرد بالسلطة.. لذلك، لابد من حل وسط، يبدأ بتنحي آل الأسد عن السلطة، وتشكيل حكومة انتقالية مطلقة الصلاحيات تشارك فيها المعارضة الديمقراطية، ومن لم تتلوَّث أيديهم بالدماء من أهل النظام، وتكون أولى مهامها تهيئة الظروف لتنظيم انتخابات حُرة بإشراف الأمم المتحدة.

وأشار في حوار مع «الطليعة»، عقب محاضرة له ألقاها في رابطة الأدباء الكويتيين بعنوان «لماذا تأخر التنوير؟»، إلى أن هناك حنيناً في مصر للمرحلة الناصرية، بما تمثله من حرص على الاستقلال الوطني وتحقيق العدالة الاجتماعية، ولكن في إطار ديمقراطي، ومن دون المس بالحريات العامة.

وقال إن المشير السيسي ليس الشخص القادر على قيادة تحوُّل جذري كهذا، مبيناً أن الصراع السياسي والاجتماعي لن يتوقف في مصر، وقد يكون أكثر عنفاً مما كان عليه في الماضي.

وأبدى مردم بك تخوفه من أن يمتد ما يجري في سوريا إلى دول المنطقة، وأولها لبنان، محملاً التيار الديني مسؤولية تعثر الثورات، لأنه عجز عن التطور.

 قضايا كثيرة تناولها الحوار، وإليكم التفاصيل:

● لننطلق من عنوان المحاضرة، ما الذي ترغب في قوله من خلالها؟
– لست من اختار عنوان المحاضرة، لكن الموضوع «لماذا تأخر التنوير؟» يُشغل بال المثقفين العرب أينما كانوا. والسبب الأول لتعسر حركة التنوير، برأيي، هو الدمج في أذهان الكثيرين بين السيطرة الاستعمارية الغربية والثقافة الغربية، لأن العالم العربي عانى ما عاناه من الاستعمار الغربي خلال فترة طويلة، وكانت ردة الفعل في قطاعات واسعة من الرأي العام رفض الغرب ككل، بما فيه ثقافته، والثقافة التنويرية جزء أساسي من هذه الثقافة.

السبب الثاني، هو أن أغلب المستبدين الذين حكموا بالحديد والنار في العالم العربي كانوا يدَّعون أنهم من أنصار التنوير، وجاراهم عدد كبير من المثقفين على أساس أنهم يعملون على تحديث بلادهم، وأساءوا بذلك إساءة هائلة لفكرة التنوير.

خوف من التنوير

● لماذا هناك خوف لدى العرب من كل ما يتعلق بالتنوير؟
– لم يكن العرب يخافون من التنوير في الماضي القريب، فالعالم العربي في فترة الخمسينات، مثلاً، كان أكثر انفتاحاً، أو لنقل إن النزعات الرجعية لم تكن قوية كما هي اليوم، وكانت التيارات السياسية والفكرية السائدة، من ليبرالية وقومية ويسارية، برغم تناقضاتها، تنادي بالتحرر من كل مسببات التخلف الخارجية والداخلية على السواء.

● حالياً، كيف تصف وضع العرب؟
– هناك مسار جديد بدأ من تونس في ديسمبر 2010، وهذا المسار سيتقدَّم ويتأخر ويتعثر، مثل أي مسار ثوري في التاريخ، فالثورة الفرنسية التي قامت عام 1789 مرَّت بعد سنتين أو ثلاث بمرحلة مستبدة قاسية، تبعتها مرحلة رجعية، ثم مرحلة تسلط فردي بعد الانقلاب الذي قاده نابليون بونابرت، إلى أن أعلن نفسه إمبراطوراً، ثم عادت فرنسا إلى النظام الملكي القديم وعرفت ثورات جديدة. إن من السذاجة أن نعتقد بأن العرب يمكن أن ينتقلوا من الظلام إلى النور في غضون سنة واحدة، ويجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن التغيير الثوري مسار صعب ومتعرج وطويل.

استبداد جديد

● هل ما يحدث في العالم العربي حالياً أمر طبيعي، كرد فعل على الثورات؟
– لنأخذ مصر، مثلاً، فبعد 30 سنة من حكم مبارك وصعود جماعة الإخوان المسلمين، باعتبارها المعارضة الأقوى، قامت ثورة 25 يناير التي أشعل شرارتها شبان وشابات لا ينتمون إلى أي حزب من الأحزاب القديمة المعارضة. فقد فاز بعد ذلك «الإخوان المسلمون» في الانتخابات، كما كان منتظراً، وارتكبوا أخطاء جسيمة، ما أدَّى إلى تعبئة شعبية ضخمة ضدهم في 30 يونيو، شاركت فيها أجهزة الدولة كلها، بما فيها القضاء والأزهر وفلول النظام القديم، وانتهز الجيش الفرصة للهيمنة من جديد، مستخدماً العنف ضد «الإخوان المسلمين» على نحو غير مسبوق في مصر. ويتم الآن، بحجة مكافحة الشغب، قمع شباب ثورة يناير في جو ديماغوجي مشحون، ومن هنا نرى أن الثورة المصرية تعرَّضت لانتكاستين، الأولى على يد الإخوان، والثانية على يد «الدولة العميقة»، أي الأجهزة المتجذرة، لكني واثق من أن الشعب المصري لن يستكين بعد اليوم.

هناك من يُطلق على الربيع العربي لقب الخريف العربي، هل تعتقد بأن ما يجري في سوريا ثورة أم لا؟
– أنا منحاز، عقلاً وقلباً، للثورة في سوريا، وأعتبرها ثورة شعبية عظيمة، وإن كانت قد تحوَّلت عن مسارها السلمي، أولاً بسبب القمع الشرس من طرف النظام، وثانياً بسبب التدخلات الخارجية وتسلل الجهاديين الأجانب، ما أوصلنا إلى الوضع المأساوي الذي نحن فيه اليوم، وبات الشعب مطحوناً بين بربرية النظام وبربرية «داعش» وأمثالها من التنظيمات الإرهابية.

إن الشباب الذين أطلقوا الثورة من أنظف وأنضج وأشجع الشباب العرب الوطنيين الديمقراطيين، وقد قتل أكثرهم أو سجن ولا يعرف أحد مصيرهم.

● على من يقع عاتق فشل الثورات التي قامت في بعض الدول العربية؟
– أنا لست مع مصطلح الربيع العربي، لأن الوضع لن يتغيَّر بين ليلة وضحاها، بل هو عملية تاريخية ستأخذ مداها، وقد تمتد إلى عشر سنوات أو أكثر. مهما يكن، لن يعود العالم العربي إلى ما كان عليه قبل الثورة التونسية. لم يستطع «الإخوان المسلمون» في مصر تحقيق أي إنجاز لمصلحة الجماهير الشعبية، ولن يتمكن النظام الجديد الذي انقض عليهم من معالجة أي مشكلة من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية من فقر وبطالة وتهميش للطبقات الشعبية. مخطئ من يعتقد بأن أسباب ما سمي بالربيع العربي سياسية فقط، لأن القضية الأساسية اجتماعية.

عجز «الإخوان المسلمين»

● هل يتحمَّل التيار الديني المسؤولية الأكبر لما يجري في العالم العربي حالياً؟
– الأنظمة الاستبدادية التي نشأت بعد هزيمة 1967، والتي تتميَّز بشراسة لا حد لها وبغربة عن مجتمعاتها وبعصبية شبه قبلية، هي التي تتحمَّل المسؤولية الكبرى عن تردي الأوضاع في العالم العربي خلال السنوات الخمسين الماضية، وهي التي شرعت العنف في العراق وسوريا وليبيا، إلا أن الإسلام السياسي، وأعني «الإخوان المسلمين»، ومن لف لفهم، يتحمَّل هو أيضاً قدراً كبيراً من المسؤولية، لأنه عجز عن التطور والتكيف مع روح العصر.

● هل الشباب قادرون على قيادة الفكر التنويري في العالم العربي؟
– هم الأمل طبعاً، بسبب ما يعانونه في حياتهم اليومية من قمع اجتماعي وسياسي وثقافي، ولأن الأدوات التقنية الحديثة المتوافرة تتيح لهم إمكانات للتواصل بينهم وللانفتاح على الفكر العالمي بصورة أفضل بما لا يقاس بالمقارنة مع الأجيال السابقة.

انتشار الحريق

● كيف ترى الصورة المستقبلية في الدول العربية، ولاسيما تلك التي تعاني وضعا أمنيا متفجرا؟
– من الهواجس الكبيرة اليوم إمكانية انتشار الحريق السوري إلى دول الجوار، وبالأخص إلى لبنان، وتفاقم الصراع العبثي السني – الشيعي، وذلك بسبب الطابع الطائفي لاصطفاف القوى الإقليمية. في سوريا جهاديون جاءوا من بعيد لقتال العلويين، وآخرون أتوا من إيران والعراق ولبنان للانتقام من بني أمية بعد 1400 سنة من زوال دولتهم، ما يذكرنا بقول المتنبي: يا أمة ضحكت من جهلها الأمم!

● هل أنت متفائل أم أن الصورة قاتمة؟
– هناك مقولة معروفة للإيطالي غرامشي، الذي يُعد من قادة الفكر الماركسي، تقول «تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة»، ونحن متفائلون بالإرادة.

● هل هناك حل لما يجري في العالم العربي؟
– لكل بلد شروطه، ففي مصر شاغل الناس اليوم هو الانتخابات الرئاسية، وعلى الأرجح ستكون الرئاسة من نصيب السيسي، فهل سيكون قادراً على الترفع عن ديماغوجية مريديه والتطبيل والتزمير الذي نراه؟ هناك حنين للمرحلة الناصرية من تاريخ مصر الحديث، بما تمثله من حرص على الاستقلال الوطني وسعي للعدالة الاجتماعية، ولكن في إطار ديمقراطي من دون مخابرات وقمع للحريات.

السيسي ليس الرجل المهيأ لقيادة تحوُّل جذري كهذا، وأعتقد بأن الصراع السياسي والاجتماعي سيحتد في مصر، وقد يصبح أكثر عنفاً ودموية مما كان عليه في الماضي، لأن العنف يورث العنف.

ماذا عن سوريا؟

عن الاوضاع في سوريا، قال مردم بك إن مصير سوريا لم يعد بيد السوريين، بمن فيهم السلطة والمعارضة، ولا يوجد أي مخرج إلا باتفاق بين الأميركان والروس، يستحيل بقاء النظام كما هو بعد كل ما ارتكبه من مذابح، وليس باستطاعة المعارضة الممزقة والمتشعبة أن تنفرد بالسلطة، لذلك لابد من حل وسط، يبدأ بتنحي آل الأسد عن السلطة وتشكيل حكومة انتقالية مطلقة الصلاحيات تشارك فيها المعارضة الديمقراطية ومن لم تتلوث أيديهم بالدماء من أهل النظام، وتكون أولى مهامها تهيئة الظروف، وبالأخص السلم الأهلي، لتنظيم انتخابات حُرة بإشراف الأمم المتحدة.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *