الرئيسية » ثقافة » «حجر الصبر».. من الأسطورة إلى الواقع المرير

«حجر الصبر».. من الأسطورة إلى الواقع المرير

مصلق الفيلم
مصلق الفيلم

كتب محمد عبدالرحيم:
«حجر الصبر» رواية للأفغاني عتيق رحيمي، تحوَّلت أخيراً إلى فيلم سينمائي بالاسم نفسه، قام بإخراجه عتيق رحيمي، وشاركه في كتابة السيناريو الفرنسي جان كلود كاريير. صدرت الرواية بالفرنسية عام 2008، ونالت جائزة «الجونكور»، أرفع الجوائز الأدبية الفرنسية، في العام نفسه، وقد تم تصوير الفيلم في المغرب، عدا بعض اللقطات التي تم تصويرها في كابول.

أسطورة أفغانية

يأتي عنوان الفيلم من أسطورة أفغانية تحكي عن حجر الصبر، وهو الحجر الذي يلجأ إليه الإنسان، ليبثه شكواه وأسراره، التي حتى يخشى البوح بها بينه وبين نفسه، وعندما ينتهي يتفتت الحجر تحت وطأة الحكايات والأسرار، ليتحرر بعدها الإنسان مما كان يقيده، ويشعر أخيراً بآدميته.

من هذه الأسطورة نسج رحيمي أحداث روايته وفيلمه، وجعل من امرأة شابة لم يطلق عليه اسم، لتصبح رمزاً للكثيرات في مثل هذه البقعة الملعونة من الأرض (أفغانستان)، أو التي تنتمي إلى الشرق عموماً. هذه المرأة التي تبدأ في سرد حياتها بكل تفاصيلها المؤلمة.. ما كانت تعيشه وما تحلم به، وردود أفعالها التي لم تخرج قط عن حكايات حبيسة مثل روحها.

مجتمع البائسات

في بيت شبه مُهدّم من جرّاء القصف والمجاهدين تحت راية الله وشعاراته، تعيش امرأة شابه بين طفلتيها الصغيرتين، وزوجها المُسجى أمامها شِبه الميت، نتيجة رصاصة استقرت في رقبته، لم يزل يتنفس، ولا حياة له سوى في أنبوب الجلوكوز، الذي تستبدله المرأة بين الحين والآخر. فرّت أسرة الرجل، أمه وإخوته، وتركوه للزوجة الشابه، وهم يعلمون أن البيت أصبح في مرمى القصف، وعاجلاً سوف يتحوَّل إلى مقبرة للجميع. تعترف المرأة لزوجها، بأنه لو كان ميتاً بالفعل، لكانوا أخذوها معهم، لتصبح زوجة أحد إخوته، وتتمادى لتحكي عن سلوك إخوته طوال غيابه، فكلهم اشتهوا جسدها، ولطالما تلصصوا عليها عارية.

تفر المرأة بطفلتيها، للبحث عن عمتها، فقد نفدت نقودها، ولا تستطيع شراء علاج أو طعام أو حتى ماء، وتجدها أخيراً في المدينة، لتقترض منها بعض النقود، وتترك الطفلتين، وتعود لتجاور جثة الزوج الحي، وتبدأ في حكاياتها التي لم تحكها أبداً، فهو البطل في نظر قبيلته وأسرته، والذي كان في خطبتها مجرَّد صورة في إطار موضوعة بجانبها، لأنه بعيداً في ساحات القتال في سبيل الله. هذه الصورة الموضوعه الآن فوق رف وحيد بالحجرة بجوار نسخة من القرآن الكريم.

تبدأ المرأة حكاياتها منذ طفولتها في ظِل أب قاسٍ، لا يهتم سوى بطيوره التي يربيها ويهدهدها، ليستخدمها في المراهنة، وعندما يخسر كما في أغلب الأوقات، يحمّل بناته وزوجته تبعة ذلك، فيُعنفهن ويضربهن، حتى أنه يبيع ابنته الطفلة لرجل في الأبعين، ليُعوض ما خسره في رهاناته المزمنة. لتنتقم منه طفلته الأخرى، بطلة الحكاية الآن، وتقدم أحد طيوره الأثيرة طعاماً لقط شرس، وحتى تبعد الشبهة عن نفسها، تجعل القط يقوم بخربشتها، تاركاً علامة في وجهها لن تمحى، وهنا يتوقف سرد الحكاية لتلتفت إلى زوجها المسجى أمامها ناقمة من عدم سؤاله لها عن هذا الجرح القديم. الرجل لم يتعرّفها، حتى الجسد الذي كان يستعمله وفق حقه كزوج، لم يستطع التعرّف إليه، وحفظ خارطته، لتقول عبارتها الانتقامية الأخرى بأن «الذين يُماسون القتال لا يعرفون ممارسة الحب». كل هذا تحوطه خلفية صوتية من طلقات الرصاص ودانات المدافع، وتهليل من فوق منابر المساجد أثناء التوافد إلى المسجد لأخذ الأسلحة للدفاع عن النفس، و»مُلّا» يدخل البيوت الخربة، ليبتهل للزوج المريض، أو يقوم بطقوس دفن البعض في حديقة ما كان بيتاً.

شهرزاد

الحكايات هنا أشبه بحكايات شهرزاد الشهيرة، إلا أن الفارق الذي اكتشفه عتيق رحيمي بأن المرأة تحكي حتى تعيد الحياة إلى الجسد المُسجى أمامها، لا حتى تكتسب يوماً آخر من الحياة كما في شهرزاد ألف ليلة وليلة. فما بين التحرر من سجن الروح بالنسبة للمرأة، هناك الأمل في رد الحياة لجسد الزوج، والأمل في أن يتحرَّك مرّة أخرى. فالمرأة على يقين تام بأن زوجها يستمع لحكاياتها.
الأمر الآخر في هذا المجتمع الذكوري الفج يبدو في امتلاك النساء لمهمة الحكي والتفسير، وخاصة أن الذكور رغم مظهرهم الخشن، هم أكثر هشاشة وضآلة من النساء، الأكثر قوة وقدرة وفهماً للحياة، فالرجل أخيراً أصبح تحت سُلطة زوجته، وكما تقول «أستطيع الآن أن أفعل بك ما أشاء». صوت المرأة المتصدر ناصية الحكي، يُقابله صوت (عمتها) التي تفسر الأحداث، وتسقط عليها حكمتها. هذه المرأة التي فرّت من أسرة زوجها في السابق، وأوهمت الجميع أنها انتحرت، وخاصة بعدما اكتشف زوجها أنها عقيم، وتزوج بأخرى، وأرسلها لخدمة والديه، فما كان من والد زوجها إلا محاولة الاعتداء عليها، فقتلته في النهاية وفرّت، لتعيش في شمال المدينة، بعيداً عن أصوات المدافع، وتصبح صاحبة بيت للهوى، يتحكم نساؤه بأجساد الرجال ورغباتهم وفق هواهن. العمة هي التي أوضحت للمرأة أسطورة (حجر الصبر) وأوحت لها أن تجعل من زوجها حجر صبرها، وأن تعترف وتحكي كل ما يجول بخاطرها، عقاباً له على عدم معرفتها، وانشغاله الدائم ككل الرجال ببطولاته الوهمية، من دون أن يستطيع حتى التعرّف إلى جسد زوجته، وما تريده في علاقتهما الحميمة. هذا الصوت يتردد لحظات أخرى عن طريق جارتها، عندما اكتشفت مقتل زوجها وابنها وابنتها على يد أحد الجنود في إحدى الغارات، فيختل عقلها، وتحكي عن (الملك) الذي قابلها وغازلها ببعض الكلمات، وكأنها عادت شابة، قبل أن تعود إلى واقعها على مشهد جثث أسرتها، وتواصل العويل.

مجتمع الرجال المذعورين

يتقدم بعض المجاهدين من المنزل، فتخبئ الزوجة زوجها خلف إحدى الستائر، وتجلس بجواره، ويسألها كبيرهم عن وحدتها بهذا المكان وماذا تفعل، فترد بأنها «تعمل من بيع جسدها» يُعنفها، ويرجو رجمها، لأنها مسلمة، ثم يتركها ويمضي، تاركاً أحد تابعيه لمراقبة المكان. تطلب الزوجة من زوجها المستور عن الأعين أن يُسامحها لقولها ذلك، فالمحاربون لا يقربون امرأة تهب نفسها للجميع، بل يفضلون النساء العاديات، لشعورهم بأنهن مغنم حرب، إضافة إلى تفضيل العذراوات، لأن مسألة فضهن ترضي غرور المقاتلين. يأتي المقاتل الشاب ويُلقي بجسده المضطرب فوق المرأة، في خوف وذعر وسرعة، ثم يُلقي لها بالنقود ويمضي. لقد أخطات في حساباتها، وها هي الآن أصبحت كما قالت فتاة هوى، لا تختلف عن فتيات الهوى في بيت عمتها. لتحكي لزوجها عن ليلتها الأولى معه، فهو لم يختلف عن هذا الشاب، خائف ومتوتر، رغم مدفعه الآلي الذي لا يُفارقه، وتاريخه المجيد في إراقة دماء أعداء الله. تتواتر علاقتها من الشاب، دائم التلعثم في الكلام، ليأتي إليها ويكشف لها عن تعذيب قائده له، حيث يقوم بإطفاء السجائر بجسده، وقد اختطفه من قارعة الطريق، يتيماً بلا مأوى، فيقوم بتعذيبه في تلذذ بعد ذلك. فتعقد هي مقارنة بين زوجها وهذا القائد، وتتساءل هل فعل بأحد جنوده، كما هذا الشاب؟

تفتت حجر الصبر

تستمر المرأة في حكاياتها.. منذ بداية زواجها وخوفها من أم زوجها، لأن أمارات الحمل لم تظهر عليها، خوفها من هجران زوجها لها، والعودة إلى بيت أبيها.. كل هذا جعلها تأخذ بنصيحة عمتها، بأن عليها الإنجاب في أسرع وقت، حتى لا تخسر حياتها الموعودة، فتأتي لها العمة برجل معصوب العينين في حجرة مظلمة، ليهبها طفل، مرّة وأخرى، حتى أصبح لديها طفلتان، فالزوج هو الذي يُعاني العقم. عند هذه الحكاية يفتح الزوج عينيه، ويُمسك بقوة بيد زوجته، فيما يده الأخرى تمسك برقبتها، وهي غير مُصدقة أنها أعادته للحياة، وقد أصبحت (نبيّة) وأعادت الحياة إلى جسد ميت، إلا أن حجر الصبر الذي استمع إلى كلماتها لابد أن يتفتت لتتحرر روحها، فما كان منها إلا أن طعنته بسكين كانت تحمي به نفسها من الجنود – في الأغلب كانت ستقتل نفسها – ليسقط الزوج بجوارها مفتوح العين على كل حقائق حياتها، بينما هي تبتسم ابتسامة التحرر الغامضة.

الأسلوب

اعتمد رحيمي أسلوباً في الإخراج ينتمي لأساليب الأفلام الأوروبية الكبيرة، وخاصة تلك الأفلام التي تناولت ظاهرة الحرب من دون مباشرة، فقط لتصبح خلفية لأحداث أكثر قسوة من مشاهد الدمار، قسوة على أواح وأجساد الأبطال، نذكر منها فيلم «هيروشيما حبيبي» لآلان رينيه، وفي ما يخص الحوار والمنولوج الطويل لبطلة الفيلم، وكأنه تعليقاً على الأحداث من وجهة نظرها، وانعكاس ذلك على اللحظة التي تحياها. و»روما مدينة مفتوحة» لروبيرتو روسيلليني، في ما يخص آثار الدمار في الطرق والشواع وأسوار البيوت المُهدّمة. أما البلاغة الحوارية، وتصاعد الحوار الدرامي في الموقف الواحد، والانتقال من حالة إلى أخرى هي المقصودة من البداية، فكان التأثير المباشر من «صرخات وهمسات» لبرجمان، وخاصة في ضبط أداء الممثلين – بطلة رحيمي هنا – وتبدل حالتها في لحظة من حال لآخر.

إلا أن رحيمي استطاع بفضل كاتب السيناريو جان كلود كاريير أن يصوغ روايته في مُعادل بصري دالّ – رغم محدودية الأماكن – والإيقاع التأملي، الموحي بالغموض، الذي اختاره أسلوباً لتجسيد حكايته على الشاشة، جعلا الأمر عملاً سينمائياً راقياً إلى حد كبير.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *