الرئيسية » عربي ودولي » تداعيات ما يجري في سوريا أكثر خطورة من الإرهاب!

تداعيات ما يجري في سوريا أكثر خطورة من الإرهاب!

عودة المقاتلين في سوريا إلى بلدانهم تنذر بخطر داهم
عودة المقاتلين في سوريا إلى بلدانهم تنذر بخطر داهم

كتب محمد الغربللي:
تعمل وكالة الاستخبارات الداخلية الفرنسية (DST) على تقصي أنشطة الشبكة، التي تعمل في محيط فرنسا لتجنيد شبان وإرسالهم إلى سوريا، عن طريق الدول المحيطة، تركيا أو لبنان أو الأردن.. وقد أصيب الجهاز بصدمة، لقيام هذه الشبكة بتجنيد وإرسال حدثين فرنسيين من أصول عربية من مدينة تولوز إلى سوريا، الأول عمره 15 سنة والآخر 17 سنة، توجها إلى سوريا للقتال هناك.

ومدينة تولوز تمثل حالة للمراقبة، بعد حادث محمد مراح، وهو شاب من أصول عربية، مارس القتل في حوادث متفرقة، وتمَّت محاصرته في أحد أحياء المدينة، وتبادل إطلاق النيران مع رجال الأمن، وقتل أمام منزله الذي تحصَّن فيه.. كان مراح قد قضى فترة من الوقت في الأردن، وفي باكستان في مدن محاذية لأفغانستان.. وقد يتحوَّل الشبان الذين يتم تجنيدهم في هذه المدينة إلى «نسخ أخرى» من محمد مراح، بعد تزايد التجنيد وسط شباب الجالية العربية الذين يحملون الجنسية الفرنسية.. أو الجيل الرابع ممن يعتقد بأنهم تأقلموا مع الحياة الفرنسية بشكل كامل، وليس كحال أجدادهم الذين وصلوا إلى فرنسا منذ عقود.

عملية لوجستية

الاستخبارات الفرنسية يهمها رؤوس الشبكة الموكلة إليها عملية التجنيد، فهي عملية لوجستية تستدعي الأموال والتنقل وابتعاث المجندين واستقبالهم في الحدود المحاذية لسوريا.. والشبكة لم تعمل أخيراً، فمنذ اندلاع الحرب هناك، وبموجب تقارير فرنسية، تبيَّن وجود فرنسيين كمقاتلين في سوريا، إلا أن عملية التجنيد زادت بشكل مضطرد، ووصلت إلى أحداث يتم رميهم في هذه الحرب الدائرة هناك تحت ذرائع مواجهة النصيريين، وليس لمبادئ إنسانية، كما تم رفعها في بدايات الحراك السوري.

وبجانب فرنسا مباشرة، كان لافتاً التصريح الذي أدلى به الخبير الأمني الألماني لوكالة الأنباء الألمانية، جيدو شتاينبرغ، الذي قال فيه: «إن كبار ممثلي التيار الإسلامي في ألمانيا يقومون بالترويج المستمر للسفر للقتال في سوريا، ولاسيما مجموعة أو جماعة ملة إبراهيم السلفية، التي تتمتع بقدرة كبيرة على استقطاب الذين يتم تجنيدهم، ولاسيما الشباب منهم»، مضيفاً «إن الألمان يستطيعون الدخول إلى تركيا بهوية شخصية، وهناك أشخاص يقومون على مهمة الاتصال يتولون مهمة العبور من الحدود إلى سوريا، وتوجد في ألمانيا هياكل تنظيمية ذات قدرة كبيرة تدعم السفر إلى سوريا، وتساعد الراغبين في العودة مرة أخرى إلى ألمانيا، ومن هنا يكمن خطر هؤلاء».

وما تعانيه فرنسا يتماثل مع ما تعانيه ألمانيا، مع اختلاف المواقف السياسية بين الدولتين، وتقاربهما تجاه الأزمة الكبيرة في سوريا.. ويتوجه هؤلاء المجندون إلى باقي المقاتلين الإرهابيين في سوريا، سواء جبهة النصرة أو الدولة الإسلامية (داعش)، وكلتاهما من جذور سلفية، فتغدق الأموال عليهم، وبالذات من الدول الخليجية التي تمدهم بالأموال، وتقوم على تسليحهم منذ أشهر، ولعل أكبر صفقة كانت الأسلحة التي وردت من أوكرانيا منذ ما يزيد على السنة.

جنسيات مختلفة

وكان آخر الواصلين إلى الساحة السورية من الجنسيات المختلفة، الذين يجمعهم الإرهاب كجنسية موحدة، متطرفين إندونيسيين، كما ذكرت وكالة الأنباء الفرنسية في خبر منشور لها منذ فترة، مبينة «أن النزاع في سوريا اجتذب متطرفين إندونيسيين أكثر من أي حرب أخرى في الخارج، وأن حماسهم بالذهاب إلى سوريا مرتبط مباشرة بإيمانهم بأن المعركة الأخيرة يوم القيامة ستكون في بلاد الشام، أو سوريا التاريخية، التي تشمل سوريا ولبنان والأردن وفلسطين، وهذا المفهوم ساهم في توجه إندونيسيين من مختلف التيارات المتطرفة إلى سوريا، بما في ذلك الجماعة الإسلامية التي قامت بتفجيرات بالي عام 2002». ورغم أن الجاليات الإسلامية في الدول الغربية كانت في جزر معزولة اجتماعياً، فإن الوضع في إندونيسيا يبقى مختلفا، بسبب اتساع رقعتها الجغرافية، أو باعتبارها أكبر دولة إسلامية في العالم، حيث تمدد التيار الإسلامي، ونتج عنه متطرفون منذ سنوات، نظراً لتماس الشعب هناك مع العبادات الإسلامية يومياً، ما يسهل الأمر على الجماعات المتطرفة هناك.

المعركة الفاصلة

وعلينا هنا أن نتوقف عند ما أشارت إليه وكالة الأنباء الفرنسية في خبرها هذا، بأن المعركة الفاصلة ستكون في بلاد الشام، ومرد هذا الأمر الاستناد إلى أحاديث نبوية يتم بثها في الوقت الحالي بين مجموعة من الشباب بقصد التحفيز على القتال في سوريا، بداية بالتجنيد وإرسال المقاتلين إلى هناك.

وبالعودة للأحاديث النبوية نجد منها حديث النبي، صلى الله عليه وسلم، الذي يقول فيه: «إن فسطاس المسلمين يوم الملحمة بالغوطة إلى جانب مدينة يُقال لها دمشق من خير مدائن الشام»، وحديث نبوي آخر جاء فيه: «صفوة الله من أرضه الشام، وفيها صفوته من خلقه وعباده، ولتدخلن الجنة من أمتي ثلة لا حساب عليهم ولا عذاب»، وفي حديث آخر: «عقر دار الإسلام في الشام».

شحن ديني متطرف

وقد ظهرت هذه الأحاديث النبوية في الوقت الحالي، لتعطي دفعة دينية لهؤلاء الذين يتم تجنيدهم من مختلف بقاع الأرض، من الولايات المتحدة، مروراً بأوروبا والدول العربية من مغربها إلى مشرقها، حتى آسيا، وشحنهم بجرعات دينية متطرفة، لتحقيق أهداف ومصالح سياسية بحتة لمصلحة الدول الغربية والولايات المتحدة الأميركية ومن يرتبطون بدول إقليمية، كما كانت الحال في فترة نهاية السبعينات عند إرسال المتطوعين، وما كان يسمى بالمجاهدين الإسلاميين إلى أفغانستان، لطرد السوفييت من هناك، بعدها تكشف دور المخابرات الأميركية ومخابرات عربية أخرى في ترتيب هذه الأمور والأموال الغزيرة التي خصصت في تلك الحملات، وأصبح القتال في أفغانستان هو الشغل الشاغل لبعض الأنظمة العربية، وكأن قضيتنا الأولى تحرير أفغانستان من الوجود الروسي في ذاك الزمن، الذي كانت فيه إسرائيل تتمدد حتى مدينة بيروت وتنصب حلفاء لها هناك، ويتم إجلاء المقاتلين الفلسطينيين من لبنان وطمس المقاومة الفلسطينية، لإيجاد تأمين كامل لإسرائيل.. الأمر ذاته ينطبق على واقعنا الحالي، بالمحاولات الدؤوبة والمتكاملة لإنهاء الوضع الفلسطيني خاصة ووضع المقاومة ضدها بطمس القضية الفلسطينية وتحويل الأنظار والتباكي على الوضع في سوريا من دول إقليمية وضعتها كقضية أولى للعرب.. يجري ذلك، وسط عملية تمدد استيطاني متواصل لإسرائيل في أراضي الضفة الغربية، وعملية تهويد متواصلة لمدينة القدس، ولا عجب في ذلك، عندما يصرّح وزير خارجية إسرائيل أفيدور ليبرمان حول ضرورة استدعاء ثلاثة ملايين يهودي لتوطينهم في إسرائيل.. فهي الآن أمام هذه السياسيات لبعض الدول العربية تضع شروطها، ومن ورائها ما يشبه الدعم من أطراف عربية لتلك الشروط التي تملى على الجانب الفلسطيني، والذي يجد نفسه أنه لا ظهير له يسانده، مالاً أو دعماً سياسياً، فهناك دول وعدت بتوفير الأموال وأحجمت عن ذلك، على الرغم من وعودها المتكررة، ودول أخرى تفرض حصاراً مُحكماً على قطاع غزة وسكانه، الذين بلغ عددهم مليونا وثمانمائة ألف نسمة، ويجري ذلك وسط حضور إسرائيلي لدى أطراف عربية في مؤتمرات وكأنهم يستقبلون أشقاء لهم، حيث المصافحات والأحاديث، بل والإشادات في مؤتمرات أخرى من أطراف عربية تجاه إسرائيل.. وعلينا في هذا الخصوص التوقف عند البيان السياسي، الذي صرَّح به الناطق الرسمي للجنة المركزية لحركة فتح في اجتماعها، الذي عُقد في 3 فبراير الجاري، برئاسة محمود عباس، حيث ثبت موقف حركة فتح تجاه الحقوق الوطنية الثابتة والمشروعة، وفي مقدمتها حق العودة وتقرير المصير، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، وما لفت في هذا البيان الفقرة الخاصة برئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس التي وردت نصاً: «واللجنة حيت رئيس السلطة الفلسطينية على مواقفه المشرفة وصموده وصلابته في وجه كل التهديدات الرخيصة من عدد من قادة دول الاحتلال والضغوط متعددة الأطراف التي يتعرض لها».. نعلم أن التهديدات الرخيصة صدرت من مسؤولة المفاوضات الإسرائيلية تسيبي ليفني، التي أشيد بها في أحد المؤتمرات بأن «عباس سيندم على عدم موافقته على الشروط الإسرائيلية، وأيضا من رئيس الوزراء نتنياهو مهدداً عباس بعواقب الأمور».. هؤلاء لم يتحدثوا إلا من خلال الدعم الذي يلاقونه من أطراف عربية.. والضغوط التي تمارس على السلطة الفلسطينية، ومن هنا أتت كلمة متعددة الأطراف التي وردت في البيان.. وإن كانت دولة عربية تردم الأنفاق المحاذية لقطاع غزة، حتى في عهد مبارك لم يتم ذلك، فلا عجب أن تكون هناك ضغوط عربية على السلطة الفلسطينية، للموافقة على الإملاءات الإسرائيلية، ومنها يهودية دولة إسرائيل.

نهج «داعش»

هي أوضاع فيها قدر من الإعادة والتشابه بين ما جرى عام 1982 من دخول القوات الإسرائيلية إلى لبنان، مع اتفاقيات كامب ديفيد، والتطبيع مع إسرائيل والأوضاع الحالية التي تعمل على إنهاء المطالب المشروعة للشعب العربي الفلسطيني، بزيادة سعير النار الملتهبة في سوريا، وتدفق هؤلاء الإرهابيين من مختلف بقاع العالم.. وكم من الأموال صُرفت، والتي تقدَّر ببلايين الدولارات، على العمليات التخريبية الدائرة هناك، وضحاياها من الشعب السوري المتباكى عليه بدموع التماسيح.

قد يعود المقاتلون الأجانب إلى بلدانهم، سواء كانت أوروبية أم آسيوية أم غيرها من البلدان الأخرى في المستقبل، لكن المقاتلين العرب ذوي الفكر التكفيري سيعودون إلى البلاد العربية وهم بالآلاف.. والتأثيرات الناجمة عن هذا الوجود الإرهابي في سوريا كثيرة وكبيرة جداً، آثارها ليست ميدانية باستباحة القتل، فبشهادة أحد زعمائهم المسمى عبدالله المحيسني معلناً رفض دولة العراق والشام الإسلامية (داعش) المصالحة مع جبهة النصرة، حيث قال في حديث مسجل له: «رأيت المظالم تشيب لها الولدان ارتكبتها دولة العراق والشام الإسلامية وكانت سبباً لما وصلنا إليه، وكم رأينا من معتقلين في السجون بلا ذنب أو تهمة، وكم رأينا قتلاً بالشبهة وتصفيات لمعتقلين»، وأن قاضيا تابعا لـ»داعش» أبلغه عندما كان المحيسني يحاول الإفراج عن معتقلين من الجانبين، قائلاً: «لقد اجتهدنا فصفيناهم»، فصعقت من هذا الكلام، فسألت القاضي: كيف تقتلون الناس بالمفخخات؟ فرد عليَّ: «مفخخة واحدة تقتل 20 يعصم بها الله المئات».. هكذا ورد تصريح المحيسني.

تداعيات كارثية

هي درجة أعلى من درجة الإرهاب، ونجد ترسبات كبيرة لها في تونس وليبيا ولبنان والعراق، التي تحمل الأفكار القروسطية التي تعج بالتخلف واستباحة الحياة الإنسانية كشربة الماء.. هؤلاء من تُخصص لهم ملايين الدولارات على الساحة السورية، وتُهرب لهم الأسلحة، وتُقام معسكرات التدريب لهم، لتأتي في ما بعد محاولات التنصل من المساهمة في الجريمة الكبرى التي تجري على الساحة السورية.. وكما قلنا إن كانت هناك آثار كارثية في الساحة السورية، ممثلة بالقتل والتشريد وهدم البنية التحتية وسرقة ممتلكات الشعب السوري من مصانع ونفط وموجودات، فهناك أيضا مخاطر الأفكار التي ستنتشر في الساحة العربية.. أفكار بعيدة عن كرامة الإنسان والعيش الكريم.. أفكار لا تعرف إلا لغة «طالبان» وازدراء المرأة وتقويض المجتمعات العربية نحو مزيد من الأفكار المتخلفة، فكلما زادت جرعة هذه الأفكار زاد تمترس الأنظمة الاستبدادية في المنطقة وثبتت أقدامها.

تداعيات ما يجري في سوريا كبير جداً، والدول الغربية لديها الإمكانات لمحاصرة الجزر الصغيرة المشاركة في النار السورية.. أما الدول العربية، فستكون عرضة للتقسيم الطائفي المقيت وإفشال مفهوم الدولة.. دولة المواطنين وليس الحكام.

الملائكة وصدام

إبان الغزو العراقي للكويت نشرت صحيفة في إحدى الدول التي كانت مؤيدة لصدام حسين خبراً بالبنط العريض على صدر صفحتها الأولى بأن «الملائكة تقاتل مع صدام حسين».. ومحتويات الخبر تقول «إن هناك شيخ دين في مدينة طرابلس في لبنان لديه رؤى مع الملائكة بشكل متواصل، إلا أنهم لم يعودوا يتواصلون معه.. وسئل عن سبب هذا الانقطاع وعدم تواصلهم معه، فأجاب أنهم ذهبوا إلى العراق لمساندة صدام حسين في حربه القادمة»!

هكذا ورد الخبر العجيب الذي قد ينطلي على فئة من الناس هناك.. وكان هناك كاتب وصحافي تربطه علاقة مع مسؤول الصحيفة، فسأل مستفسراً عن هذا الخبر الساذج وهذا الإبراز له في الصحيفة.. فأجاب المسؤول: نعرف أن هذا الخبر ملفق وكاذب، إلا أننا تلقينا تعليمات من الاستخبارات لنشره بهذا الحجم، هادفين من ذلك شحذ همم الناس البسطاء لتأييد صدام»!، وما عليهم إلا الالتزام بتعليمات المخابرات.. وهكذا تتداخل المخابرات في الشحن بالاستناد إلى المعتقدات الدينية.

أبو عبد الرحمن
أبو عبد الرحمن

أبوعبدالرحمن

نشرت صحيفة «الآن» الإلكترونية يوم الأربعاء الماضي خبر مقتل أحد الكويتيين في محافظة الأنبار بالعراق يُكنى «أبوعبدالرحمن»، وأشارت إلى أنه قاتل في سوريا وتوجَّه إلى العراق، وهو من العناصر القتالية في «داعش».. وهنا نتساءل: ما موقف الحكومة الكويتية من وجود مقاتلين أجانب على أراضيها يحملون السلاح ويعتدون على بقية المواطنيين؟.. وهل يرضى أي مواطن أن يوجد على أرضه مقاتلون أجانب يحملون السلاح ويهددون به الآخرين؟.. بالقطع نرفض ونناهض مثل هؤلاء، ويستدعي الأمر محاربتهم.. وكما لا نرضى بوجود مقاتلين أجانب على أرض الكويت، فإنه يفترض أن يكون هناك تحرُّك جاد لمنع إرسال مقاتلين إلى سوريا أو العراق أو أي دولة أخرى.. فكما لا نرضى أن يقع هذا الأمر على أرضنا، فإنه يفترض أن نحجب ذهاب كويتيين لساحات قتال خارجية، مهما كانت الذرائع والمبررات والأسباب، وإيقاف تلك الأبواق في الداخل التي تحث على «الجهاد»، وتلقي بالتهلكة شباباً صغاراً مغسولي الأدمغة بفتاواهم المهلكة.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *