الرئيسية » محليات » قانونيون يرفضون الاتفاقية الأمنية الخليجية

قانونيون يرفضون الاتفاقية الأمنية الخليجية

عبد السلام العنزي
عبد السلام العنزي

كتبت شيخة البهاويد:
بينما تصارع الشعوب العربية للحصول على مساحات أكبر من الحريات، كحق إنساني فطري، وفي الوقت الذي أصبح فيه إقرار هذه الحريات حاجة ملحة لبقاء الأنظمة العربية، تأتي الحال في دول الخليج على عكس ذلك، فتوقع الدول الست على اتفاقية أمنية في ما بينها، من شأنها التضييق على مواطنيها وإهدار حرياتهم.

وقد تفاوتت الآراء بين مؤيد لهذه الاتفاقية ومعارض لها.. ورغم أن مؤيديها برروا قمع الحريات بالأخطار الخارجية التي تتربص بدول الخليج، فإنه حين النظر في بنود الاتفاقية لا تجد سوى تنسيق أمني داخلي يرتبط بعلاقة الحكومات بشعوبها، ما يجعل هذا التبرير للاتفاقية بمنزلة توجيه اتهام لشعوب المنطقة بالتآمر على أوطانها.

«الطليعة» استطلعت آراء بعض القانونيين حول ما تتضمَّنه الاتفاقية الأمنية المُبرمة بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في 13 نوفمبر 2012، وقد تم التوقيع عليها من قِبل حكومة الكويت، ممثلة بوزير داخليتها.. وطبقا للقانون الداخلي للدولة، فإنها لا تعد نافذة إلا بعد موافقة مجلس الأمة، بصفته السلطة التشريعية في الدولة، حتى تحصل الاتفاقية على قوة القانون، وهو ما حدد له المجلس جلسة 3 مارس المقبل، وفي ما يلي التفاصيل:

في البداية، قال أستاذ القانون الدولي في كلية الحقوق بجامعة الكويت د.عبدالسلام بن جاسم العنزي: إن الاتفاقية الأمنية التي أبرمتها الكويت مع بقية دول الخليج، هي اتفاقية بوليسية من الدرجة الأولى، لتعارضها مع الدستور والحياة الديمقراطية وطبيعة الكويتيين والعقد الاجتماعي الذي حصل بين الشعب والحكومة لإقرار الديمقراطية في الكويت، ولهذه الأسباب هناك بعض المواد التي تحتاج فعلا إلى إعادة مناقشتها وتعديلها، بحيث تتلاءم مع الديمقراطية في الكويت، فالمادة الثالثة تتعارض بشكل صارخ مع حرية الرأي وحرية التعبير، سواء من خلال الصحافة أو القول أو الكتابة، وتحتوي على عبارات مطاطة يخشى أن تحد من الحريات العامة في الكويت.

انتقاص من السيادة

وأضاف: في ما يخص المادة العاشرة، فإن دخول جيش دولة إلى دولة أخرى، حتى لو كان بموافقتها، ينتقص من سيادتها، لو حصلت على سبيل المثال أي اضطرابات في الكويت، وتمَّت الاستعانة بالجيش السعودي أو البحريني، مثلا، وتوزعت القوات داخل الدولة، فهذا أمر يحد من سيادة دولة الكويت، وذلك ما يقره القانون الدولي، بأنه يحدث انتهاكا للسيادة الكاملة التامة المانعة للدولة، وإن كان بموافقتها، علما بأن دخول هذا الجيش ليس من أجل حرب دولية، إنما لقلاقل داخلية، فيفترض بالدولة نفسها أن تحمي نفسها بنفسها، لكن ليس كما في هذه الاتفاقية، فخلال تحرير دولة الكويت كان هناك قرار من الأمم المتحدة لدخول جيوش من دول صديقة وشقيقة من أجل عملية التحرير، لكن أن تطلب دولة مساعدة من دولة بعينها، فهذا يحد من سيادتها، وعلى هذا يجب الحصول على موافقة مجلس الأمة، وفي حال عدم موافقته، هنا يكون الأمر مخالفا للدستور.

وأوضح العنزي: في ما يخص المادة 14، فإن المادة تذكر «أنه يجوز لخفر السواحل لدولة خليجية الدخول في مياه داخلية لدولة خليجية أخرى أو المياه الإقليمية أو المياه المجاورة»، وعلينا أن نعلم أولاً بأن البحر في كل دول العالم مقسَّم لأقسام، وذلك أيضاً في الكويت بالطبع: مياه داخلية، فيها سيادة كاملة لدولة الكويت، يمنع أن يدخلها أحد إلا قوات خفر السواحل الكويتية، وبعد المياه الداخلية المياه الإقليمية للكويت التي فيها سيادة تامة أيضاً، لكن فيها بعض الشروط والقوانين التي يجب احترامها، مثل مرور سفينة مرور بريئاً من السعودية إلى العراق، من دون أن تتسبب بأي مشاكل، ويمكنها الدخول في هذه المياه رغما عنا، لأنه حقها الدولي، أما المياه الداخلية، فلا يجوز ذلك نهائيا، إلا بموافقة دولة الكويت، وفي الاتفاقية الأمنية أجيز لخفر السواحل في الدول الخليجية الأخرى الدخول للمياه الإقليمية والداخلية الكويتية، فكيف يتم السماح لخفر سواحل دولة أخرى بالدخول للمياه الداخلية والموانئ والشواطئ الكويتية الملتصقة بالمياه الداخلية واختراق المياه التي لنا سيادة تامة عليها؟

إن هذا يحد من أمن واستقرار الدولة وسيادتها، وهو ما يُعد تناقضاً مع المبادئ المهمة للسيادة، ويشكّل خطراً على السفن والتجارة البحرية، لأن القرار لن يكون بعد ذلك بيد خفر السواحل الكويتية.

تعارض مع الدستور

أما بخصوص تسليم المواطنين الكويتيين لأي دولة في المادة 16، فإنه يتعارض مع الدستور، وعلى الأخص في المادة 28 منه (لا يجوز إبعاد كويتي عن الكويت أو منعه من العودة إليها)، فقد رفض الدستور الكويتي إبعاد أو تسليم المواطنين، حتى لو ارتكبوا جريمة، والاتفاقية تقنن تسليمهم، وهم مجرد متهمين لا مدانين، لذا يجب على مجلس الأمة رفض هذه المادة، لخطورتها وتعارضها الواضح مع المادة 28.

واختتم د.العنزي حديثه، قائلاً: أتمنى من إدارة الفتوى والتشريع إعطاء رأي قانوني للحكومة، بأن هذه الاتفاقية تسيء لدولة الكويت وتاريخها الديمقراطي، وأن يرفضها مجلس الأمة، على اعتبار بوليسيتها واختلافها مع النهج الديمقراطي في الكويت، وأنه حتى لو كان هناك تخوُّف خليجي من الظروف الخارجية المحيطة – وهي مبررة – إلا أن ذلك لا يسمح بأن تخالف الاتفاقية، ما تم النص عليه في الدستور الكويتي من حقوق وحريات عامة.

سيادة الدولة

بسام-العسعوسي2من جانبه، رفض المحامي بسام العسعوسي الاتفاقية، لأنها تنتهك سيادة الدولة، وقال: «أعتقد بأن هذه الاتفاقية بشكل عام تنتهك سيادة الدولة، فدولة الكويت دولة دستورية مدنية ديمقراطية تختلف بشكل جذري عن كل الدول الموقعة على هذه الاتفاقية، وعندما نتحدَّث عن اتفاقيات أمنية، يجب أن تكون هذه الدول متشابهة ومتماثلة.. أما الواقع، فإن الحياة السياسية في الكويت، مثلا، تختلف عن الحياة السياسية السعودية أو العمانية أو القطرية، لذا فأي اتفاقية أمنية تُعقد يجب أن تكون بين دول متشابهة على غرار الاتحاد الأوروبي، مثلا، فحين يعقد اتفاقية أمنية، فكل الدول متماثلة من حيث الحرية والدساتير وحرية الصحافة ووجود برلمانات ومساءلات سياسية وأحزاب».

وأوضح العسعوسي «إننا في الكويت في الأصل، ومن حيث الشكل، لا نقبل الاتفاقية، لأن لدينا العديد من القوانين التي تنظم العلاقة بين الحكومة والأفراد، أو بين الأفراد في علاقاتهم مع بعضهم البعض، فلسنا بحاجة إلى قوانين جديدة تحد من حريات وسلوك الناس الشخصية، فالأصل الدستوري ينص على أن الحرية الشخصية مكفولة».

خوف مشروع

وتطرَّق للمادة الثالثة من الاتفاقية، قائلاً: «هذه المادة تعد صلب الاتفاقية الأمنية، فكيف يتم السماح بالملاحقة مع حظر الدستور الكويتي لتسليم المواطنين؟ وكيف يسمح لقوة أجنبية بالدخول إلى الدولة مما ينتهك سيادتها؟، ويخشى هنا أن تكون هناك مآرب أخرى لتلك القوة الأمنية، ولنفترض أن مواطناً سعودياً عند الحدود الكويتية – السعودية كتب مقالا في الكويت، فوفق الاتفاقية يمكن أن تدخل قوة سعودية لتقبض عليه وتخرج، فلا يمكن القبول بذلك، وهذا ليس عملا سياديا، لذلك نضع أيدينا على قلوبنا، ونشعر بالخوف من أن نصبح كالدول البوليسية في دول شمولية، وهذا خوف مشروع، لأننا نجهل ما قد تفعله أي قوة تدخل للبلاد، كما أن عدم التدخل في الشؤون الداخلية مطلوب، لكن دخول وخروج قوات ما هو إلا قمة في التدخل في الشؤون الداخلية وعمل بوليسي ينافي السيادة، فالأرض ليست ملكا للحكومة الكويتية، بل على العكس من واجب الحكومة حماية مواطنيها وأراضيها وحدودها ومصالحها وغاياتها ودستورها».

وحول مدى قانونية تبادل المعلومات الشخصية بين دول المجلس الواردة في المادة الخامسة، قال العسعوسي: كيف تعطي دولة دولة أخرى معلومات عن مواطن، كاسمه وعائلته وزوجته وأبنائه وفصيلة دمه وغيرها؟ لماذا؟ وما الباعث لمثل هذا العمل؟ هذا عمل غير دستوري، إذا كانت لدى أي دولة، كقطر مثلا أو السعودية، شيء ضد أحد المواطنين الكويتيين، فإنه يفترض إرساله للكويت، وتنظر فيه، ويتم التحقيق بذلك تحت بصرها، لا أن تبعث الدولة بأسرار مواطنيها، فهذا جزء من انتهاك السيادة، وحين نقول انتهاك السيادة لا نقصد بها الأرض فقط، فهناك انتهاك سيادة بكل ما تعنيها الكلمة من معنى، بما فيها المادة الخامسة، وإرسال المعلومات الشخصية عن المواطنين، وهو في الحقيقة أمر معيب بحق الحكومة وسبة في جبين دولة كالكويت، تدعي أنها دولة دستورية أو قانونية، فالمعاهدات الحقيقية هي المعاهدات الدستورية الاقتصادية، لكن مثل هذه المعاهدات الأمنية، فهي ضد الشعوب، وهذا ليس عمل دول، بل عمل عصابات، ولا يليق بدولة تملك برلماناً ودستوراً عمره 50 سنة وأجواء من الحرية والانفتاح، لأن مثل هذه الأمور كأنها توجيه لتكميم أفواه الأفراد وعدم الحديث، وهو أمر معيب، فإذا كانت السعودية اعتادت أن تقول لمواطنيها مثل هذا الكلام، فإن الكويت مختلفة تماما، ويجب أن تعرف الحكومة وحكومات دول الخليج أيضاً أن الكويت مختلفة تماما في النظام والتركيبة والبناء والمواطنة، فالمواطن الكويتي جُبل على الحرية، ولدينا جمعيات سياسية، وإن كانت غير مشهرة، كالتحالف الوطني والمنبر الديمقراطي و«حدس» والتكتل الشعبي.. وغيرها من التيارات السياسية، وهو ما ليس موجوداً في الدول الخليجية، ومن هنا يتساءل المرء: لماذا عجَّلت الكويت بتوقيع هذه الاتفاقية؟ أنا أعتقد بأن سلوك القوى الرجعية والدينية هو ما سرَّع في ذلك، واللوم هنا على الدولة، فسلوك بعض تلك القوى عجَّل في التوقيع على الاتفاقية، على الرغم من موقفنا الواضح منها، ورفضنا لها.

آثار قانونية وخيمة

وأضاف العسعوسي: لنفترض أن قوات أمنية من الدول الموقعة على الاتفاقية قبضت على كويتي، فكيف نضمن سلامته؟ وقد حدث مرة أن قام بعض المحامين الكويتيين بالذهاب إلى السعودية للدفاع عن أحد الكويتيين، فتم طردهم، لأن مثل هذه الدول ليس لديها نظام قضائي متكامل.. فهل يوجد في بعض دول الخليج أنظمة قضائية متكاملة؟ وهل يوجد تدرُّج قضائي؟ وهل القضاء نزيه يتمتع بالحيادية؟ لذا فالآثار القانونية ستكون وخيمة، لأنها لا تملك نظاما قضائيا ولا قانونيا، وبعض الدول ليس فيها حتى جمعية محامين ولا نقابة لهم ولا حتى قانون جنائي أصلا، فكيف يتم التوقيع على اتفاقية تتحدث عن الأمور الجنائية مع دول لا تملك بعضها قانونا جنائيا في الأصل؟، وهو ما سيترك أثرا بين الشعوب.. فمثل هذه الاتفاقيات تترك أثرها في الشعوب، فلو مثلا دخلت قوات قطرية إلى الإمارات، فما أثر ذلك على الشعب الإماراتي حين يرى أن القطريين قمعوهم أو ضربوهم؟ فهذه أمور تخلق نوعا من الفرقة، بدلا من الوحدة، لأن هذه الاتفاقيات الأمنية تفرّق الشعوب، لا توحدها، فما يوحد الشعوب الاتفاقيات الاقتصادية، كالتكامل الاقتصادي الشامل والحريات، كحرية الصحافة وحرية الفن والإبداع والتنقل والاطلاع.. أما الاتفاقيات الأمنية، فهي تقضي على الشعوب، وتزيد من تشتتها وفرقتها، وهذا ما حصل بين السعودية والبحرين، وهنا يبرز دور مجلس الأمة الذي تقع على عاتقه مسؤولية كبيرة في أن يرفض الاتفاقية، جملة وتفصيلا، وإن كانت هناك إمكانية للتعديل، فيجب تعديلها في ما يناسب طبيعة المجتمع الكويتي أو يرفضها وتتحمل الحكومة الكويتية تبعات ذلك، ولماذا لا تعرض هذه الاتفاقية على الاستفتاء للمواطنين؟ ولماذا لا تعرض على القوى السياسية؟ فهذا الأمر دبر بليل، للوصول إلى هذه الاتفاقية، لذا حين أقول إنه ليس عملاً حكومياً، فهو فعلا ليس كذلك، هذا عمل مخابراتي، عمل عصابات، لا يليق بحكومات ودول تدعي أن لديها دساتير، إنه عمل لا يليق بدولة دستورية.

وفي تعليقه على المادة 16 من الاتفاقية، قال العسعوسي: «الدولة لا تسلم رعاياها، وفي الأصل لا تسلم غير رعاياها إلا إذا ارتكب جريمة، لكن ما هي الجريمة؟ جريمة جزائية، كالقتل مثلا، يمكن تسليمه للدول، أما إذا كانت جريمة سياسية، فكيف تضحي به؟ وما فائدة اللجوء السياسي الموجود بين الدول؟ لماذا تعطي أميركا والدول الأوروبية لجوءاً سياسيا للأفراد؟ ولو كان في الدولة لاجئ سياسي تطلبه دولة أخرى هل نسلمه؟ فهذا لا يجوز، ويعيدنا إلى أيام الجاهلية الأولى للسلب والنهب والخطف، وهو فكر قبلي بحت تقوم من خلاله مجاميع تتكاتف لتجميع الأفراد المخالفين لها تحت إطار قانوني، حتى لو كان مختلفا عليه على أساس أن هناك اتفاقية، رغم أنها اتفاقية على انتهاك حرية الناس.

واختتم العسعوسي حديثه بالقول: «أنا أرى أن المستقبل سيكون مظلماً غير محمود العواقب إذا أقرت الاتفاقية، لأنه حين يتم الاعتداء وتسليم الناس بهذه الطريقة، فهو يشبه العمل المخابراتي والأمني، ما يدفع الأفراد للخروج أكثر للتظاهر من دون أن يحق للحكومة وقتها أن تسأل لماذا خرجوا، فهي التي تخلق المعارضين، بدلا من أن نرى مستقبلاً مشرقاً سنرى مستقبلاً مظلماً، وهذه مسؤولية القوى المؤمنة بالديمقراطية».

الهندال: من يتمعَّن فيها يجد بها انتهاكا صارخا للدستور

أحمد الهندال
أحمد الهندال

قال القانوني الشاب أحمد عبدالعالي الهندال: إن الاتفاقية الأمنية التي تريد دول الخليج تطبيقها تبدو بشكلها العام غير مؤثرة في القرار السيادي في أي دولة من دول الخليج، لكن من يتمعَّن في نصوصها، يجد أنها تتضمَّن انتهاكاً صارخاً لمواد الدستور، ولاسيما المادتان 31 و34 من الدستور، الذي ضمن للأشخاص حريتهم، فالاتفاقية تتحدَّث عن تبادل معلومات بين الدول متى ما طلبت ذلك، فقبول مثل هذا الأمر بحد ذاته انتهاك لخصوصية الأفراد، وجعلهم وكأنهم ملاحقون قانونياً، وهذا يخالف حق الأفراد في التنقل والحفاظ على خصوصيتهم.

وأضاف: إن قبول الكويت بمثل هذه الاتفاقيات، وعلى الرغم مما ذكر عن عدم مخالفة التشريعات المحلية، هو تنازل عن جزء من سيادتها، فمجرد تبادل البيانات الخاصة بالأفراد، ومنعهم من الدخول أو الخروج لأي بلد من دون مسوغ قانوني معتبر من قِبل القضاء، يُعد انتهاكاً لحق الإنسان في التنقل وتحديد إقامته، وهذا كفيل بأن تخرج هذه الاتفاقية عن المشروعية القانونية، والتي تخالف نصوصاً واضحة في الدستور الكويتي.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *