الرئيسية » قضايا وآراء » ماجد الشيخ : هي فوضى أنظمة تشكلها الفوضى

ماجد الشيخ : هي فوضى أنظمة تشكلها الفوضى

ماجد الشيخ
ماجد الشيخ

لم نعد نعيش في عالم يحكمه العقل أو النسق أو النظام أو حتى المعايير التي جرى التعارف عليها خلال العقود أو المئات من السنين.

هناك انقلاب الفوضى وفوضى انقلابات غير ناجزة، تجتاح عالمنا المعاصر، عالم لم يعد للقوة المركزية فيه كبير تأثير مما يترتب عليه نشوء الدولة العظمى المركزية، أي القطب الأوحد.. لقد انهارت الإمبراطورية العظمى الأميركية، بفعل التغوُّل الوحشي لرأسمالية تعولمت وتضخمت إلى حد انفجار فقاعاتها في كامل الدول الرأسمالية، وبفعل حروب قادتها الفوضى، ولم تسجل استراتيجيات الخروج منها أي نجاحات تذكر، لا في أفغانستان، ولا في العراق، ولا في الحرب على الإرهاب.

فما زالت آثار الحروب تلك تهيمن على كامل منظومة العلاقات السياسية والاقتصادية على مستوى العالم، وليس في دواخل الدول المعنية أو الكبرى فحسب.

 وفي بلادنا التي تعيش ارتدادات زلازل وهزات الربيع العربي، بعد مرور ثلاث سنوات، لم ترس التطورات والتحولات الجارية على بر النظام، بقدر ما تدفع حتى النظام والأنظمة الحاكمة نحو الغرق في الفوضى الشاملة.. فوضى اتجاهات وتوجهات تفتيتية انفصالية، بات معها من الصعب، إن لم يكن من الاستحالة، إعادة التئام ما كان من دول وشعوب ومجتمعات ها هي تنتقل بين الحين والآخر، بين ما كان وسيكون من حروب القبائل المتناحرة والهويات المتقاتلة على سرديات خاصة شخصية وأنانية ومناطقية وجهوية، لكن الأفظع أن يكون الدين سلاحا للتفتيت، وبعض المتدينين أدوات الأهداف الخبيثة التي لن تجد سوى إسرائيل، من أبرز المصفقين لها والداعين للاعتراف بواقع الكيانات الدينية الطائفية والمذهبية، كتبرير لوجود الكيان الصهيوني فوق أرض فلسطين التاريخية، وها هم يسعون جادين هذه المرة، بمفاوضات أو بغيرها، لنيل الاعتراف الفلسطيني، ومن ثم العربي، بيهودية ما أنشئ من كيان استعمار استيطاني في مايو من عام 1948 فوق أنقاض الوطن الفلسطيني.

إن تشويه موضوع الصراعات والانحراف بها عمدا، وتحويل الصراع الوطني في بلادنا إلى مجموعة صراعات طائفية ومذهبية تجتاح الدواخل الوطنية، وتبتعد بعيداً عن مجريات الصراع الوطني مع الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، هذا التشويه ليس نتيجة نقص في الوعي الديني، بقدر ما هو نتيجة  تغييب الوعي، وعن عمد وبقصد حرف اتجاهات وتوجهات المتدينين وإبعادهم عن مجريات التعاطي مع وطنيات بلدانهم والهوية العروبية الجامعة، وهذا قمة الإسفاف والاستهانة بكل القيم والمبادئ والأخلاق العامة، التي جُبل الإنسان ذو الفطرة عليها، فما الذي تبقى ويتبقى من تلك الفطرة لدى أصحاب الانحراف عن وطنيتهم الجامعة والهوية العربية التي صارت مرذولة في نظرهم؟

 مثل هذه التوجهات اللاوطنية، باتت اليوم تتقاطع وتتماثل وتنسجم مع فوضى غير خلاقة، فوضى انقياد النظام العربي، بغض النظر عن شكله وطبيعته، وما تحته من مؤسسات شكلانية ومجتمعات مفتتة نحو الاستجابة السلبية لتحديات وجود نظام استعمار استيطاني ذي اتجاهات وتوجهات دينية، يحاول جاهدا خلق فرص لتوليد وإنتاج أنظمة طائفية أو مذهبية مماثلة في محيط دول الجوار العربي والإقليمي. لكن المفارقات المضحكة والمبكية في آن، ما نراه اليوم من محاولات دول الاستعمار الغربي الكولونيالي، إنقاذ وحدة بعض بلداننا في مواجهة عناصر تفتيت داخلية محلية ذات طبيعة انفصالية، تقف العديد من القوى والتيارات الدينية في طليعتها، مثال ما يجري اليوم في ليبيا والعراق والسودان واليمن، وربما في الغد في بلدان أخرى قد يجور عليها الزمان، ولم تسلم حتى من جور بعض ابنائها الذين من أجل تكريس هيمنة سلطوية لهم، باتوا أقرب إلى تشجيع الانقسامات المجتمعية والمناطقية والجهوية، بعيداً من وحدة بلدانهم وسلامتها الوطنية.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *