الرئيسية » قضايا وآراء » ماجد الشيخ : الدولة الوطنية بين الوحدة الطبيعية والتفتيت المصطنع

ماجد الشيخ : الدولة الوطنية بين الوحدة الطبيعية والتفتيت المصطنع

ماجد الشيخ
ماجد الشيخ

لا يمكن استنساخ تجارب الوحدة أو الوحدات الوطنية في أي بلد من بلدان تعرَّضت للاستعمار، وما انفكت تعاني آثاره الجانبية، هامشية وجوهرية.

ذلك ان عملية الاستنساخ لا تعدو كونها عملية نقلية لا يمكنها أن تتوافق أو تنسجم، ولا تتماثل بالطبع ومعطيات واقع التجربة الأولى، الطبيعية بكل المقاييس والمعايير، إضافة إلى أن قيادة التجربة وكاريزماها الخاصة، لا يمكنها أن تتكرر أو تكرر وقائع وسرديات تجربة تخط عميقا في تربة واقع سياسي واقتصادي واجتماعي، وقوى طبقية ليست تتماثل أو تتشابه في واقعين مختلفين، زمانا ومكانا.
من هنا يمكن النظر إلى ما يجري اليوم في مصر، وكأنه افتئات على التجربة الناصرية، حيث لا يمكن لقائد عسكري، كالسيسي مثلا أو غيره من القيادات العسكرية، أن يقود مصر إلى مثل ما قادها جمال عبدالناصر، وإن كان الأول كالثاني سليل المؤسسة العسكرية ذاتها، ولكن في زمنين مختلفين. على أن الحلم المشروع بإمكانية استنساخ «التجربة الزعامية»، لا يمكنه أن يولد أو ينتج تجربة مماثلة للأولى، فكل شيء مختلف، وكل شيء يجافي ويغاير ما كان من «زمان الوصل في الأندلس»!

 ولئن كانت التجربة التركية تغري بالمحاكاة، إلا أن مجرياتها العملية توشك أن تطيح بها كتجربة وطنية، بعيدا من محاولات استنساخها لدى مجموعة من النقليين الدينيين، الذين لا يجيدون من عملية النقل غير الاستنساخ، أما إبداع تجربة مماثلة، فهي أبعد ما تكون عن نقلية التفكير الديني، ذاك الذي لا يعتد مطلقا بوطنية أي تجربة، علاوة على ذاك العداء المطلق للدولة الوطنية وللمجتمع المدني، الوطني بطبيعته.

وإذا كانت الدولة الوطنية سليلة الاستقلال عن المستعمر، فهي في المقابل وفي عصر الاستقلال الوطني، لن تكون سليلة العداء للوطنية المتكونة بفعل غياب الوحدة القومية، بقدر ما هي في مهمة أكثر إلحاحا للحفاظ على وطنيتها، في مواجهة حملات التفكيك والتفتيت الطائفي والمذهبي والمناطقي والجهوي، التي تشجع عليها قوى الفئويات الدينية، سليلة العقل الثيوقراطي النقلي، والاستنساخ الأعمى لتجارب في السلطة والاستبداد الشرقي، غير المعني بغير بناء أهرامات سلطته، ولو على جماجم الناس وأشلائهم وبقاياهم المتناثرة، هنا وهناك، بفعل الانتحار الذاتي والتفخيخ الموضوعي لكامل وقائع الحياة اليومية، دينية الطابع، التي يراد لها أن تهيمن وتسيطر وتكبل العقول قبل الأجساد، في مسيرة الخروج من الدين والسياسة إلى التدين السياسي، الذي لا طعم ولا لون ولا رائحة له، سوى طعم ولون ورائحة التسلط الاستبدادي والطغيان البشري، على ما يفترض إنه المجال الخاص بالإله والربوبية.

إن عودة هيمنة الديني على السياسي، وعودة المجتمعات الأهلية للهيمنة على المجتمع الوطني، وهيمنة قوى التفتيت على الدولة، كل هذا يشجع، بل يعمد للنزوع نحو معاداة الدولة الوطنية ومجتمعها وشعبها، فلا يبقي من الوطنية سوى اسمها، ومن الدولة سوى شكلها، ومن المجتمع سوى الاجتماع على هلام لا وجود له سوى في الأحلام، أحلام «الدولة الخليفية» التي لم يكن لها وجود في المنبع أو الأصل، ولن يكون لها وجود، لا في مستقبل قريب، ولا في المستقبل البعيد، طالما هي ليست وليدة الاجتماع الإنساني ونظم ومعايير الأنظمة السياسية والاجتماعية، لا تلك القديمة ولا المعاصرة.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *