الرئيسية » محليات » «حنفيات الفساد» لا توقفها سوى الأيادي النظيفة

«حنفيات الفساد» لا توقفها سوى الأيادي النظيفة

مبنى ديوان الخدمة المدنية يتصدع
مبنى ديوان الخدمة المدنية يتصدع

كتب محرر الشؤون المحلية:
الجلسة التي جرت يوم الثلاثاء الماضي، والتي قدَّم فيها النائب عادل الجارالله استجوابه لوزير الكهرباء والماء وزير الأشغال العامة عبدالعزيز الإبراهيم، تستحق قدراً من التوقف، وقراءة ما بين الأحداث، بعيداً عن الحصى المتطاير في الشوارع والمشاريع القديمة التي نفذت ولم تنجز، أو تلك التي لايزال سيرها يحبو، وقد يمتد بها الزمن في الإنجاز، أو تلك المشاريع المهلهلة، ومنها صاحب الصيت والمكانة كاستاد جابر، الذي شاخ وهرم وهو لايزال في سن الولادة، أو مبنى ديوان الخدمة المدنية، الذي أصيب بتصدُّعات في الأعمدة، ما يهدد بسقوط المبنى الذي أنشئ منذ سنوات وجيزة، وأصبحنا وكأننا في «بولاق الدكرور» بسقوط المباني، ولكن في الكويت الكل قابل للسقوط، ولعل أشهر تلك السقطات محطة مشرف لتنقية المجاري التي طفحت بعد أيام من تشغيلها.. بعيداً عن ذلك، لابد من التحديد والتذكير بأن كافة هذه المشاريع، ومن بينها الشوارع الإسفلتية، أقيمت قبل أن يتولى الإبراهيم إدارة الوزارتين، وبالذات وزارة الأشغال العامة ذات التاريخ المميَّز في سوء إنجاز المشاريع، ومن هنا تقدم النائب للوزير باستجوابه المكون من أربعة محاور كما نشرتها الصحافة اليومية.

جلسة ساخنة

قبل تقديمه للاستجواب، كان هناك ما يشبه الإنذار بالكرت الأخضر من النائب سعدون حماد، الذي طالب من عادل الجارالله أن يسارع بتقديم استجوابه للوزير، أو أن يقوم هو بتقديمه بدلا منه، وهنا سارع الأول بتقديم استجوابه المذكور.. بعدها تطوَّع عدد من وسائل الإعلام، أو بالأحرى بعض الصحف، بالتسخين للاستجواب المقدَّم لوزير الأشغال وزير الكهرباء. إحدى الصحف ذهبت في حماسها إلى القول بأن النائب سيفجر مفاجآت في جلسة الاستجواب، وكأن الموضوع مسرح أو سيرك، لتأتي تلك الحملة بمزيد من التشوق أو حشد الرأي العام ضد الوزير، أو على أقل تقدير جذب الجمهور للجلسة، أو إثارة الحماس بمتابعتها عن طريق التلفزيون أو الصحافة.. المهم هناك مفاجآت في الجلسة، وما على الجمهور إلا الانتظار.. وقبل الجلسة بأيام أجرى النائب بروفة للاستجواب، وذلك لمزيد من إضفاء حالة من الترقب والجدية، كما نوه سابقاً بأن هذا الاستجواب جدي، أي ليس مزاحاً، وقد منع دخول أي غريب إلى داخل قاعة مجلس الأمة أثناء قيامه بالبروفة، عدا سكرتاريته، فالأمور تقتضي السرية في الدولة، والتمرين كحال بعض فرق كرة القدم التي تتمرَّن للمباراة بسرية تامة، بعيداً عن وسائل الإعلام.

الجلسة المحددة للاستجواب كانت في 4 فبراير، ورجحت وسائل الإعلام بأن الوزير سيطلب مدّ أجل لمدة أسبوعين، بموجب اللائحة، وأنه لن يرد على استجواب النائب في جلسة 4 فبراير، وقد عزز هذا الاعتقاد قيام الوزير في 28 يناير بتوجيه كتاب استفسار واستيضاح لبعض البنود المقدَّمة باستجواب النائب، ليتمكن من الرد عليها، وهي متعلقة بملاحظات ديوان المحاسبة على أداء الوزارتين، ولم يحدد النائب هذه الملاحظات ليتمكن الوزير من الرد عليها، وكذلك مكاتبات متعلقة بجسر الغزالي، من دون إيضاح أي مكاتبات يعنيها النائب، وأيضاً عدم استخدام منتج محلي من الأنابيب في أحد المشاريع التي تقوم بها وزارة الأشغال، من دون أن يحدد النائب ما هي هذه المشاريع.. هذه النقاط طرحها الوزير في رسالته الإيضاحية الموجهة للنائب، وبناءً عليها ساد الاعتقاد بأن الوزير سيطلب مهلة الأسبوعين لاستكمال الإجابة عن استجواب النائب.

أداء الوزير

عقدت الجلسة ضمن هذا التوقع بالتأجيل، ولكن الوزير أبدى استعداده الكامل للصعود إلى المنصبة ومباشرة الرد على الاستجواب، والنائب أصابه الارتباك في الأداء أمام وزير يعرف ما لديه ومُلم بكافة المعلومات ويتصرَّف فوق ذلك بأيدٍ نظيفة تتولى شؤون الوزارة.. فلم يتردد السيد الإبراهيم بإيقاف طرح مشروع بناء المستشفيات الأربعة التي تم إقرارها قبل توليه وزارة الأشغال جراء المغالاة بالسعر وعدم وجود مخططات تفصيلية لتلك المشاريع.. وفي مؤتمر صحافي له في وقت سابق كان حاسماً تجاه هذا الأمر، بقوله «نحن لا نبيع بَنَكْ»»! فالمشاريع تلك تكلف الملايين، والحرص على المال العام أول واجباته.. وأيضا الوزير لم يتردد في بحثه عن تفاصيل المناقصة رقم 88 – 2010/2009، لأعمال توريد وتركيب نظام عدادات كهرباء وماء إلكتروني مع قراءة مالية للعدادات، والتي تمَّت الموافقة عليها في وقت سابق، كما وافق عليها ديوان المحاسبة بموجب كتابه المؤرخ 2012/1/15 بمبلغ إجمالي قدره 78946000 دينار، وقد رست على إحدى الشركات المحلية، وبعد بحثه في المواصفات الخاصة بالمناقصة تم إلغاؤها بقرار من مجلس الوزراء، وليس بصورة انفرادية لوزرائه.. لذا، يُنظر إلى الوزير الإبراهيم بجدية في المحافظة على المال العام، وإيقاف «المال السايب»، ويتبيَّن بذلك أن الجدية هي التي تكتنف أداءه، وليس الاستجواب، كما أضفى عليه النائب من صفات، لذا ينظر بعض أصحاب المصالح الذين تعوَّدوا على «المال السايب» نظرة عدائية إلى أداء الوزير، الذي أوقف ليس حنفية، بل حنفيات متعددة، لذا كان مستعداً لمواجهة الاستجواب بالاقتدار الذي مارسه بتلك الجلسة، ولاسيما أنه إضافة إلى إلغائه تلك المناقصات، وما إن طرأت ظاهرة تطاير الحصى في الشوارع، حتى قام مباشرة بتشكيل لجنة فنية ضمَّت مهندسين وأساتذة من الجامعة، لبحث هذه المشكلة، وتقديم الحلول، مع دعوة لاجتماع مباشر مع الشركات التي تسند إليها مقاولات الشوارع، وهددها بإيقاف أعمالها إن كان هناك تراخٍ في تنفيذ سفلتة الطرق، بعيداً عن المواصفات الفنية.

جانب النائب

وعلى الجانب الآخر، أي جانب النائب الذي تقدم بالاستجواب «نبه اللوه» بقوله في بداية مداخلته الاستجوابية كما نقلتها بعض الصحف نصاً «وللأسف دائما لا يوجد مسؤول يعاقب.. وهي مسؤولية النواب.. الوزير قال إنه مسؤول عن الشوارع بعد المطر، هو يقول بعد ساعات كشفت الأمطار أن علاقة الوزير السيئة مع الوكيل كانت وراء الوصول إلى هذه الحالة» (الراي 5 فبراير) هذه الجملة – قد تكون أوضح في محضر مجلس الأمة- وهي تختصر كل المشهد للعارفين بالأمور حول ما يدور في وزارة الأشغال العامة..
ولا تعليق!

ملاحظة ورسالة

يتبقى هناك أمران يمكن الإفصاح عنهما بشأن الاستجواب.. الأول عدم توقيع سعدون حماد طلب طرح الثقة بالوزير، وهو الذي وجَّه إنذاراً للجارالله بأنه سيتولى الاستجواب، إن لم يسارع بتقديمه.. ومع ذلك رفض التوقيع على طلب طرح الثقة، ولم يتم جمع إلا سبعة تواقيع، لهذا سقط الطلب، ولسان حال سعدون يقول «العمر يا شامان»!

الأمر الآخر موجه لرئيس مجلس الوزراء، بأن يشد من أزر وزيره، ويقف إلى جانبه، إن لم يكن أمامه، ليتصدَّى للمحاولات الدؤوبة لإزاحته من منصبه الوزاري، بسبب تصديه للفساد والتلاعب بالمشاريع، ويحول دون أن يكون الوزير أداة لترتيبات سياسية على حساب مصالح الوطن وأمواله.. هذا ليس دفاعاً عن الوزير، بقدر ما هو دفاع عن الأيادي النظيفة التي تطهّر قدراً من الفساد المتفشي في الدولة، ومنها المشاريع والملايين المهدورة فيها.. فكم من الملايين أهدرت على مشاريع لاتزال متوقفة أو رديئة التنفيذ والشواهد كثيرة لا تعد ولا تحصى، والتصريحات بالإنجاز أكثر، وهي مجرَّد تصريحات لا يُسأل عنها أحد، أو يلتفت أحد لمحاسبة من أطلقها.. محاربة الفساد ومواجهته لا تأتي عن طريق الطيران الحربي أو الجيوش والأساطيل، بل بأيدي أبناء الوطن الذين يتولون المسؤولية.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *