الرئيسية » إقتصاد » البطالة.. القنبلة الموقوتة المرشحة للانفجار في أي لحظة

البطالة.. القنبلة الموقوتة المرشحة للانفجار في أي لحظة

متى تتحرك الحكومة لحل مشكلة البطالة؟
متى تتحرك الحكومة لحل مشكلة البطالة؟

كتب محرر الشؤون الاقتصادية:
لم تعد مشكلة البطالة في العصر الذي نعيش فيه اقتصادية فقط، بل أضحت مشكلة نفسية واجتماعية تخلف عواقب أمنية وسياسية وخيمة على غالبية الدول، وخصوصا في منطقتنا العربية، حيث كانت من أبرز أسباب تفجر الثورات فيها، إلى جانب سوء الحالة الاقتصادية لشريحة كبيرة من الشعوب العربية، كما أن مشكلة البطالة باتت اليوم عائقا تنمويا كبيرا في أغلب دول العالم العربي، في ظل المعدلات المتزايدة للنمو السكاني في هذه البلدان، وزيادة الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك.

وانطلاقاً من هذه الخطورة، حذرت الأمم المتحدة من ارتفاع البطالة حول العالم (وخصوصا في المنطقة العربية)، حيث سجلت البطالة عالميا خلال العام الماضي معدلات قياسية بلغت حوالي 186 مليون عاطل.

ووفقا لتقرير أعدته منظمة العمل الدولية، فإن هناك العديد من العوامل التي لعبت دورا مؤثرا في ارتفاع مؤشرات البطالة إلى 6.2 في المائة من إجمالي القوى العاملة في العالم، على رأسها ضعف معدلات النمو الاقتصادي العالمي خلال العامين الماضين، واستفحال الفساد الذي قتل التنمية في الكثير من البلدان، وانعكس ذلك بالسلب على خلق فرص عمل جديدة للشباب الباحث عن عمل.

نمو سكاني متعاظم

وتعد منطقة الشرق الأوسط – وفق ما أفاد التقرير – من أكثر المناطق المتأثرة بارتفاع معدلات البطالة، حيث ارتفعت هذه النسبة من 11.9 في المائة في العام 2011، إلى 12.2 في العام 2012 (لم تظهر إحصائيات رسمية معتمدة حتى الآن للعام 2013).

وفي الأمر ذاته، يؤكد التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 2002، أن البطالة تعد أحد أهم التحديات التي تواجه الاقتصادات العربية في هذه المرحلة، وخلال السنوات المقبلة، نظرا لانعكاساتها العميقة على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، وخصوصا أن منطقة العالم العربي تسجل سنويا معدلات زيادة سكنية كبيرة جدا، حيث تسجل نموا سنويا بنسبة 25 في المائة، وقد سجل عدد سكان الوطن العربي حاليا 340 مليون نسمة، وسيرتفع إلى 482.8 مليون نسمة عام 2025، وهو من أعلى المعدلات عالميا، في حين يقابل هذا النمو السكاني الكبير، تذبذب في الأداء الاقتصادي العربي، ويتضح هذا جليا من خلال أرقام الناتج المحلي الاجمالي للبلدان العربية في السنوات الأخيرة، وخصوصا ما بعد الأزمة المالية العالمية في العام 2008، وعلى الرغم من تحسنه خلال العامين الماضيين، بفضل تحسن الاقتصادات النفطية، فإن التقرير يصف مستوى نمو الاقتصاد العربي بأنه كان «دون الطموحات».

وأمام حالة عدم النمو الجيد في الاقتصادات العربية، ومع المعدل المرتفع لنمو السكان، وأحداث الربيع العربي، وما صاحبها من تدهور اقتصادي في بعض الدول، فإن هذا كله سيعظم مشكلة البطالة التي تواجهها الاقتصادات العربية، والسؤال الآن هو كيف ستستطيع الدول العربية مواجهة مشكلة البطالة، والقضاء عليها، مع كل هذه العوامل التي ذكرناها؟

الكويت.. المشكلة تتفاقم

وعلى مستوى الكويت، فإن المشكلة تتفاقم عاما بعد الآخر، من دون وضع حلول ناجعة لها، ومن دون التنبه إلى تداعياتها الاجتماعية والأمنية الخطيرة.. ووفق الأرقام الحكومية المعلنة، فإن نسبة البطالة في الكويت بلغت خلال العام 2012 نحو 4.9 في المائة من إجمالي قوة العمل، بما يعادل 19 ألفا و400 مواطن، في حين ذهبت تقديرات نيابية إلى أن عدد العاطلين عن العمل بلغ 44 ألف مواطن، أما أحدث الإحصائيات الصادرة عن الإدارة المركزية للإحصاء، فقد قدرت معدل البطالة في الكويت في 2013 بنسبة 6.9 في المائة، منهم 5 في المائة ممن فقدوا وظائفهم (الذين تم تسريحهم من القطاع الخاص عقب الأزمة الاقتصادية في 2008)، أو من استقالوا من وظائفهم، لأسباب أخرى، وهو ما يعني ارتفاع البطالة بنسبة 2 في المائة عن المعدلات التي سجلتها في 2012، عند 4.9 في المائة.

وسواء كانت الأرقام التي قدمتها الحكومة دقيقة، أو الأرقام التي قدرها النواب، فإن الأمر المؤكد أن نسبة 6.9 في المائة للبطالة في دولة مثل الكويت تتمتع بكل هذه الفوائض المالية الضخمة، وتتميَّز بصغر عدد السكان، تعد نسبة كبيرة جدا، فمن المفترض أن تكون هذه النسبة أقل من ذلك بكثير، فالكويت تملك من الفوائض المالية ما لا تملكه أكثر الدول تقدما، وتمتلك من الثروات والمقومات الطبيعية، ما لم تمتلكه الكثير من الدول، وعليها توجيه هذه الموارد المالية والاستفادة من هذه الثروات والمقومات الطبيعية، عبر مشروعات جديدة تدر دخلا على البلاد، وتقضي تماما على هذه المشكلة المجتمعية المقلقة، فالكويت وفقا لما تملكه من إمكانيات مالية وطبيعية يجب أن تكون سوقا متعطش للعمالة بشدة، لا دولة تعاني مشكلة البطالة! ولكن للأسف ما ذكرناه عن تدهور الاقتصادات العربية، ينطبق تماما على الكويت، فالاقتصاد الكويتي مثال للاقتصاد المتردي أحادي الدخل، الذي يعتمد على القطاع الحكومي في خلق الوظائف، وهذا القطاع اكتظ بعمالة تفوق قدراته بكثير، وأصبح يعاني بشدة البطالة المقنعة، وهذا جاء نتيجة السياسات الاقتصادية والحكومية الخاطئة التي أغدقت على موظفي القطاع العام في المزايا والبدلات، ما خلق حالة عزوف كبيرة من قِبل المواطنين عن العمل في القطاع الخاص، فلماذا يُقبل المواطن على العمل في القطاع الخاص، في ظل كل هذه المزايا التي تمنحها الدولة للعاملين في القطاع الحكومي؟ ومع هذا الخلل، وفي ظل عدم قدرة الدولة على توظيف قدراتها المالية ومواردها الطبيعية في تنفيذ خطط تنموية تخلق فرص عمل للشباب ومع تزايد النمو السكاني، بدأت مشكلة البطالة تتفاقم في الكويت بين الشباب، ومع تفاقم هذه المشكلة بدأت تزداد معدلات الجريمة، وتعاطي المخدرات والعنف المجتمعي، فعندما نخلق متعطلين في فئة الشباب سيجر هذا بالتأكيد خلفه عملا جنائيا.

زيادة مشكلة البطالة المقنعة

رغم أن نسبة البطالة المذكورة عند مستوى 6.9 في المائة، تعد كبيرة جدا في دولة مثل الكويت، ورغم اعتراف الحكومة بالتقصير في حل مشكلة البطالة في جلسة مجلس الأمة التي عقدت لحل هذه المشكلة في مايو الماضي، فإن الحكومة لم تكشف عن أي خطط لعلاج المشكلة، فالاعتراف وحده ليس كافيا لحل المشكلات، بل يجب أن تكون هناك حلول عملية ومدروسة ورؤية مستقبلية لحل المشكلة، والحل الوحيد الذي خطر في ذهن الحكومة “يزيد الطينة بلة”، ويزيد مشكلة البطالة المقنعة في الجهاز الحكومي تعقيدا، وهو القطاع الذي يعاني بالفعل تكدسا كبيرا جدا في الوظائف، فقد اتخذت الحكومة خطوة قد تكون كارثية على الاقتصاد، بعزمها تعيين نحو 12 ألف خريج جديد في وظائف حكومية، فقد أعلن ديوان الخدمة المدنية الانتهاء من جميع الاستعدادات الخاصة بتسجيل الكويتيين الراغبين في العمل عن الفترة الـ 46 للتوظيف لدي الجهات الحكومية، والتي بدأت 31 يناير وحتى 14 فبراير 2014. ويقدر العدد المتوقع توظيفه في السنة المالية 2014 – 2015، بين 11 ألفا و800، حتى 12 ألفا و500 مواطن ومواطنة، وسوف تعتمد ميزانية العام المقبل التي تقر في شهر مارس المقبل على أساس هذه الأرقام، وهذه بالتأكيد خطوة ستزيد مشكلة البطالة المقنعة في الجهاز الحكومي تعقيدا، ولن تكون حلا ناجعا للحد من أعضاء العاطلين في البلاد.

ثقافة مجتمعية خاطئة

والمؤكد أنه بالإضافة إلى مسؤولية السلطتين عن مشكلة البطالة، هناك مسؤولية أخرى تتمثل في الثقافة المجتمعية السائدة، فمشكلة البطالة في الكويت بالمقام الأول «اختيارية»، فالكثير من الشباب يرى أن التوظيف في القطاع الحكومي ليس للالتحاق بمهنة للعمل والإنتاج، وإنما لا يتعدى بالنسبة لهم إجراء يؤمن دخلا شخصيا لمواجهة انفاقهم، فهناك آلاف مؤلفة من الموظفين في مختلف الجهات الحكومية هم موظفون «شكلياً»، بالإضافة إلى أن هناك الكثير ممن يتم ترشيحهم للوظائف ولا يقبلون بها.. ووفق أرقام ديوان الخدمة المدنية، هناك أكثر من 4441 من الخريجين تم ترشيحهم للعمل مرتين ولم يقبلوا الوظيفة، وهناك من تم ترشيحهم 3 مرات ولم يقبلوا، لعدم رضاهم عن الوظيفة المرشحة لهم، وهذا الأمر تتحمل الحكومة المسؤولية عنه، فالحكومة عبثت بسلم الرواتب، من خلال الكوادر والتمييز بين الموظفين الكويتيين، وجعلت المواطنين يقفون في حيرة أمام التفاوت في سلم الرواتب، وجعلت الشباب يفضلون العمل في جهات دون غيرها.

تجاهل من السلطتين

على الرغم من أن مشكلة البطالة خطيرة، ودائما ما توصف بأنها «قنبلة موقوتة»، فهي تمسّ شريحة من أهم شرائح المجتمع، وهي شريحة الشباب، فهم المحرك الرئيسي للتنمية والتطور في أي دولة من دول العالم، إلا أن هذه المشكلة ومنذ سنوات لم تنل الحظ الوافر من الاهتمام من قِبل السلطتين في البلاد، وحتى عندما اهتمت بها السلطتان وتمَّت مناقشتها في جلسة خاصة للبطالة عقدت في مجلس الأمة في مايو الماضي، لم تكن هذه المناقشة موضوعية وعلمية، وتحوَّلت إلى مهرجان للخطابة والكلام الرنان من قِبل السلطتين، وأخذ كل منهما يقذف بالمشكلة على الطرف الآخر، وكان نتيجة ذلك عدم الخروج بحلول عملية وخطة محددة لحل هذه القضية، اللهم إلا من بعض التوصيات التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

واشتملت هذه التوصيات على مطالبات بالإسراع في تفعيل قانون التأمين ضد البطالة، وتمديد صرف بدل المسرَّحين لمن سيتوقف عنه البدل، مع صرف البدل للمسرَّحين الجدد، هذا بالإضافة إلى إعادة النظر في خطة التنمية، لضمان الربط بين المشروعات العملاقة وقضية التوظيف، فضلا عن البدء بتنفيذ برامج الخصخصة، وزيادة بند الرواتب في الميزانية.

وجميع التوصيات السابق ذكرها بعيدة كل البعد عن حل المشكلة، بل إنها لا تمس جوهر المشكلة، فكلها تتحدث عن المسرَّحين ومعالجة أوضاعهم، ولم تتحدث مطلقا عن العاطلين من غير المسرَّحين والذين لم يسبق لهم العمل مطلقا، والغريب في هذه التوصيات، التوصية بربط مشروعات خطة التنمية بقضية التوظيف، ونحن لا نعلم أين هي خطة التنمية، حتى يتم التعويل عليها في حل مشكلة البطالة؟!

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *