الرئيسية » أحمد الخطيب » أحمد الخطيب : وضعنا المأزوم.. الأسباب والتحديات

أحمد الخطيب : وضعنا المأزوم.. الأسباب والتحديات

أحمد الخطيب
أحمد الخطيب

يشعر كثيرون بالإحباط، ويعتقدون بأننا وصلنا إلى طريق مسدود، وأن لا أمل في الإصلاح، وهذا شعور مدمّر للبلد، لأنه قد يؤدي إلى الانفجار، في وقت تتعرَّض المنطقة إلى عاصفة من الحرب الطائفية المثيرة للفتنة، والكراهية تتحكم فيها العاطفة، بعد أن هزمت العقل والتسامح والمحبة.

علينا أن نشخّص هذا المرض الذي أخذ يفتك في جسدنا حتى نجد له العلاج.

ولمعرفة الحقيقة ثمن لابد من القبول به، ولو كان كريهاً ومزعجاً.

لماذا وصلنا إلى هذه الحال؟ الجواب ببساطة، هو استسلامنا لمفاهيم مغلوطة، واعتمادها كأنها صحيحة ودستورية.

ليس في دستورنا أوامر أميرية تسمح بتزوير الانتخابات، كما حدث عام 1967، وليس في دستورنا أوامر أميرية تسمح بتعليق الدستور أربع سنوات، كما حدث عند حلّ المجلس عام 1976، وليس في دستورنا ما يسمح لحل مجلس 1985 وإلغاء الدستور وتشكيل مجلس صوري لوضع دستور جديد.

هذه ليست أوامر أميرية، هي انقلابات، مثلما كان يحدث في المنطقة عندما يقوم الضباط بالاستيلاء على السلطة، فيقومون بإلغاء الدستور، وإصدار القوانين أو الأوامر التي تلغي كل الحريات تحت شعار كاذب، هو أن لا صوت يعلو فوق صوت معركة تحرير فلسطين، كذباً وتزييفاً واستخفافاً بعقول المواطنين.

وعلى الرغم من محاولة البعض تغيير التركيبة السكانية، واستبدالها بشريحة أخرى ذات ثقافة أملتها الظروف الصحراوية القاسية وعادات جاهلية تقدّس الاستسلام للقوي الحاكم والعبودية له، إلا أنها وجدت في الكويت بديلاً أفضل يوفر الكرامة والمساواة، فانحازت إليه، لأن النور يهزم الظلام.

فرأينا أبناءهم يسقطون مشايخهم في الانتخابات، ويصلون للمجلس كأحسن ما يكون من نواب وطنيين، رغم تعرضهم للاعتقال والتعذيب.. لا، بل حتى الحرمان من العمل، لإهانتهم وتجويعهم مع عائلاتهم.

كذلك، فإن هؤلاء صمدوا أمام هجمة الأحزاب الدينية التي بذلت كل الوسائل في استمالتهم وتجنيدهم لمحاربة الدستور والديمقراطية.

كذلك، فإن الحكومة سلَّمت الأحزاب الدينية السياسية المدارس والمساجد ووسائل الإعلام الرسمية، لبث سموم التفرقة.

واعتمد النظام على هذه الأحزاب في انتخابات عام 1981، وكذلك هندسة الدوائر الانتخابية، وجعلها 25 دائرة، لتسهيل التحكم بنتائجها، إلا أن هذا الانتصار تبخَّر بعد أربع سنوات في مجلس 1985.

لذلك، بعد أن فشلت كل محاولاته تجنيد الغير لإلغاء الدستور اضطر أن يقوم بذلك بنفسه منفردا، فحلّ المجلس عام 1986، وألغى الدستور، وجاء بالمجلس الوطني، الذي قاطعته أغلبية المواطنين، لأنه جاء لوضع دستور جديد، بعد أن نزعت منه كل صلاحياته كمجلس.

ردة الفعل الشعبية الغاضبة لإلغاء الحياة الديمقراطية توجت بتشكيل معارضة واسعة، فقام النواب (31) ومجموعة من الشباب المميزين، لجنة الـ (45)، بتنظيم انتفاضة دواوين الإثنين المجيدة، ثم جاء الاحتلال الصدامي للكويت.

في مؤتمر جدة تمَّت هزيمة هذا التحالف الحكومي – الديني، وأعلنت القيادة التزامها بالدستور، إلا أن هذا الوعد تم إلغاؤه بدعوة المجلس الوطني للانعقاد بدل دعوة مجلس الأمة الذي تعرَّض لحل غير شرعي.

التنادي باستئناف المعارضة وتكرار دواوين الإثنين والضغط الخارجي أّدَّت إلى التراجع، وتمَّت الدعوة لانتخابات مجلس الأمة بتاريخ 1992/10/4.

عناصر الأزمة التي نعانيها

كيف وصلنا إلى هذا الوضع المأساوي؟

أولاً، وصولنا المبرمج إلى الدولة الفاشلة أدَّى إلى شلّ الجهاز الإداري، ومنعه من أداء مهمته في خدمة المواطن. فصار لزاماً على كل مواطن أن يدفع الرشوة، أو يلجأ إلى نائب لمساعدته، فتأصلت ظاهرة «نائب الخدمات» التي تيسّر له الحكومة هذه المهمة بفتح أبواب الوزارات له. وأصبح هذا طريق النجاح المؤكد في الانتخابات، وهو ما وفر أكثرية مريحة للنظام لتدمير الديمقراطية وقبر دستور 1962.

ثانياً، سياسة «فرّق تسد»، ثم التلاعب بها، فتنوَّعت تحالفات النظام مع مكونات المجتمع التي أفرزها فشل الدولة في رعاية أبنائها من تكتلات بدائية قبلية وطائفية وعائلية مالية توفر لها الحماية التي فقدتها من أجهزة الدولة التي عمَّ الفساد بها.

ثالثاً، الوفرة المالية الخيالية، نتيجة ارتفاع دخل النفط، وتوظيف الأموال الطائلة لشراء الولاءات، لعب دوراً مريعاً في زعزعة الولاء للوطن، وعسى ألا يكون تضخم استثمارات البعض خارج البلد مؤشراً على ذلك. بلايين الدولارات أطاحت برؤوس كثيرة، وأفقدتها التفكير المتزن والعياذ بالله.

رابعاً، والأخطر، هو الوباء الطائفي الذي يلف المنطقة العربية كلها، وغزانا في عُقر دارنا، ومزق بنيتنا التي كانت متماسكة، وهي التي حمتنا كل هذه السنين.

إن هذا الصراع السُني – الشيعي المحموم صعب المعالجة، لأن فيه تسيطر العاطفة على العقل، ويحتل الأكثر تطرفاً وقمعاً موقع القيادة، ويهمش العقلاء.. لا، بل يتهمون بالخيانة إن دعوا إلى التعايش.
هذا الصراع الداخلي هو دعوة صريحة للخارج، بأن يتدخل في شؤوننا، فقد وجدها فرصة سانحة لينهي وجودنا الحُر الديمقراطي الإنساني المسالم الذي يشكل تحدياً حقيقياً لكل نظام متخلف فاسد.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *