الرئيسية » قضايا وآراء » ماجد الشيخ : بين الفوات العظيم والموات الأعظم!

ماجد الشيخ : بين الفوات العظيم والموات الأعظم!

ماجد الشيخ
ماجد الشيخ

من طبيعة الأيديولوجيا بشكل عام، نزوعها إلى التعصب والعنصرية وتسفيه الآخر، وكرهه إلى حد محاولاتها المتكررة إلغاءه، إن استطاعت، لكن الأيديولوجيا الطائفية والمذهبية تذهب أبعد في تلبيس وتحميل الوقائع نزوعا تضامنيا وتماثليا مع ما تمثل من حالة دينية وسياسية واجتماعية، تحاول عبرها التماهي مع حقائق ووقائع متخيلة تنسبها إلى نفسها، وتنفيها عن الآخر أو الآخرين، الذين يبدون دائما كآخر، أو الآخر الذي لا يمكن التلاقي معه على أرضية مشتركة.

هكذا صقلت الأيديولوجيا الطائفية المتمذهبة ذاتها، وهي تدافع عن أشباه متماثلين معها، وأبرزت نطاقات اشتغالها على الأرض السورية، إلى حد بروز أكثر من طرف ينتمي إلى حالتين متضادتين، حالة النظام ومن لفّ لفه من أمثاله ممن يتبنون أيديولوجيا الاستبداد الديني، وحالة “الداعشيين” وأمثالهم من دعاة دولة الخلافة الخليفية القائمة في الأذهان ليس إلا، على حساب وفي مواجهة واقع ووقائع الحياة اليومية، التي تتنافى وتتضاد مع عقلية القسر والإكراه ونفي الآخر والإقصاء، إلى حد القفز عن وجوده، والتأسيس لوجود افتراضي ينقسم على ذاته حد التلاشي، وكأننا والحالة هذه نقيم في برزخ من وجود ينفي الوجود، ووقائع تنفي الواقع، وهذه من أخطر الظواهر والمفارقات التي تستولي على الحياة السياسية والدينية والاجتماعية، وتشدها إلى الماضي، أي إلى زمن افتراضي خارج التاريخ، وتلك آفة من آفات المجتمعات المتخلفة التي تستسهل العيش تحت ظلال تغييب العقل والمنطق، واستطياب الأيديولوجيا على حساب الحقائق والوقائع العلمية، وادعاء نسبتها زورا إلى الدين و”التاريخ الديني”.

 لقد أزهقت الأيديولوجيا الدينية عموما الكثير من الأرواح، ودمرت كل ما كان يمكن أن يبنى على أرض صالحة قاعدتها المصالح العامة المرسلة والتطلعات المشروعة نحو المستقبل، وها هي أيديولوجيا الخراب الطائفي والمذهبي توغل في المزيد من الخراب وتدمير الروابط الوطنية القائمة، أو التي سادت في عصور يُقال إنها ذهبية أو تنكية – لا فرق – المهم إن تحولات ما قبل التاريخ تستولي اليوم على أذهان صدئة أو مفرغة من المعنى والمبنى، وتريد بنا الارتداد إلى زمن خارج التاريخ، وعبر أدلوجاتها المتهتكة تريد استعادة ماضٍ لا يعود، ووأد مستقبل ضعف أو أضعف العاملون من أجل بنائه من جراء وقائع ذاتية وموضوعية محلية ودولية، حيث المهمة الأبرز هي من اختصاص قوى ضعيفة، أو جرى إضعافها، وغيبتها وتغيبها هيمنة القوى والتيارات التي تنتمي لقوى “الإسلام السياسي”، التي احتلت صدارة المشهد السياسي في بلادنا على هامش ثورات الربيع العربي، وصادرت كل إمكانية بتطوير الحراك الشعبي ضد أنظمة الطغيان والاستبداد، وإذ بثورات شعوبنا تصطدم بقوى من طبيعتها، أنها توازي أو تفوق تلك الأنظمة طغيانا واستبدادا.

إن استمرار نمو التيارات الطفيلية على علاتها، الدينية والسياسية، لن يقدم لقضايا الشعوب والمجتمعات والأوطان سوى عوامل تخليف وتعطيل قواها وتعويقها، ورميها على الدوام خارج أطر ونطاقات الحداثة والتنوير والثقافة العقلانية الرشيدة.

وها نحن عمليا، ومن جراء الصراعات الدموية والجرائم المرتكبة باسم الدين، وأيديولوجيات التعصب، نغرق رويدا رويدا في بحار من رمال لا تشي بغير “الفوات العظيم” و”الموات الأعظم”.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *