الرئيسية » قضايا وآراء » ناصر العطار : من انتصر في تونس؟

ناصر العطار : من انتصر في تونس؟

ناصر العطار
ناصر العطار

من الأفضل والضروري، في آن واحد، أن أوضح ما أعتقد بأنه الواقع الأقرب لحقيقة الأوطان، قبل أن أجيب عن سؤال العنوان، لكي لا يظهر ما سأكتبه بالمعنى أو المغزى على أنه انحياز لطرف من دون طرف، أو ابتهاج لتيار وابتئاس لآخر، فأوطان الأمة لا ينقصها انقسام يجزئها أو تراكم أحقاد ينتقم منها، هي بحاجة لفهم حقيقتها، وتوضيح لأهدافها أو لأهداف الناس فيها، فما الوطن؟ وما أهدافه؟

الوطن هو الحرية والأمن، وأهدافه هي أن يتواصل مع العالم بعزة وكرامة، فكيف للمفهوم أن يتجلى وللأهداف أن تتحقق من دون شعب يمارس الحرية ويشعر بالأمن في بلده ومع محيطه ويسير بعزة وكرامة؟ إذن كل الطرق تتصل بالشعب، وتصل لما تريده، من خلال ما يمارسه الشعب وما يتلمسه، إنه الواقع الذي طال تغييبه وطال انتظاره، والذي يسير الآن في طريق مليء بالمخاطر والانفجارات تحاوطه الانتهازية من كل جانب تقفز لقيادته باسم المظلومية وشرعية الصندوق وتستغل مطالبه لأجل تحقيق أهداف غريبة، وأخشى أن أقول غربية.

إن واقع الأوطان لا يستقيم بالأصولية وتطبيقاتها، لأن في ذلك تناقضا لحقيقتها، ففي المنزل الواحد هناك درجات مختلفة من الإيمان بين أفراده وتنوع ربما بين اعتقادات كل منهم… كيف إذن ستكون الحال على مستوى الوطن؟ لذلك، فإن الحرية هي حامية الاختلافات، وهي الحق المكفول لكل من اعتقد، ومن لم يعتقد، كذلك شعور الإنسان بالأمن أمر في غاية الأهمية، حتى يكتمل عقد العزة والكرامة، والذي بموجبه يتصل الوطن بمحيطه وبالعالم، ويعرف شعبه حقيقة مكانته واتصالاته، وقد كانت تونس حتى قبل إشعال محمد البوعزيزي نار الغضب في جسده مثالا يحتذى في عدم سيطرة الأصولية على منهجها، لكن هذا المثال ظل منقوصا أو ديكورا لديمقراطية خاوية تمنع قول الحق في السياسة، وتكرس سيطرة رئيس فاسد الذمة والتوجه، فهل من المعقول أن يكون هذا هو واقع تونس، وأن يستمر على هذا المنوال؟ هل شطب الشعب العربي في تونس النضال من قاموسه؟ هل ذبلت تونس الخضراء؟

إن الإجابات عن هذه الأسئلة جاءت تتوالى يوما بعد يوم، فمنذ رحيل البوعزيزي حتى بعد تسلم حزب النهضة الإسلامي زمام السلطة، لم يلزم شعب تونس الصمت، فاستمر بالنضال، دما وفكرا، شاهد العالم كيف قدمت تونس شكري بلعيد ومحمد البرهامي شهيدين اغتيلا على يد التطرُّف والانغلاق الديني، ثم شاهد العالم مجلسا تأسيسيا يكتب دستورا جديدا لتونس لا يتنازل فيه الإسلاميون للمختلفين معهم عن اعتبار الشريعة المصدر الرئيسي للتشريع، بل تنتصر فيه طبيعة الوطن وواقعه الحقيقي، وإن كان بعض المحللين السياسيين والفقهاء الدستوريين عابوا على الدستور الجديد بعض الملاحظات والقصور، فإن ما كسبته تونس أكبر من مجرَّد إقرار دستور، لقد كسبت شعبا تجاوز حاجز الخوف وسار على طريق النضال.. وهل مثل هذا الطريق قصير؟ فقد سار التونسيون منذ زمن نحو حريتهم وتجاوزوا المستعمر، وحين جاء الحزب الواحد بديمقراطيته البائسة لم يستطع الصمود بادعاء الفهم أمامهم.. إن ثورة هذا البلد الأخضر المستمرة درس للمحبطين اليائسين، ولا أقول للراغبين المتعمدين كسر كل طموح عربي وتعطيل كل خطوة عربية نحو البناء والحق.. لقد كسبت تونس شرعية ثورية قادها وعي الشعب لذاته، وضحى في سبيلها بأبنائه، وهذا مكسب أكبر من أي مكسب.. لقد فرضت طبيعة تونس العربية، وبالتزامن مع ما شاهده حزب النهضة الإسلامي لما جرى لمتسلقي ثورة يناير المصرية أن حقيقة الأوطان العربية مهما حُجبت ستشرق.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *