الرئيسية » الأولى » الأزمة السكنية تتحوَّل من مشكلة إلى معضلة

الأزمة السكنية تتحوَّل من مشكلة إلى معضلة

مجمع الصوابر تجربة فاشلة
مجمع الصوابر تجربة فاشلة

كتب محرر الشؤون المحلية:
هو مجرد إعلان نشر في الجريدة الرسمية في العدد 1168 الأسبوع الماضي، كحال الإعلانات الأخرى التي تنشر في مختلف الجهات في كويت اليوم.. خبر عن بيع عقار بالمزاد العني يقع بمنطقة السرة، مساحة العقار 661 مترا مربعا، ويتكون من سرداب ودور أرضي وربع دور أول، وبيّن الإعلان المكونات الداخلية لكل دور، كما أن القسيمة تقع على شارعين، رئيسي وداخلي، ليس المهم إعلان بيع العقار بالمزاد، أو مَن هو صاحبه، أو القضية التي استدعت بيع هذا العقار، ولكن المهم في هذا الموضوع أن المزاد يبدأ على هذا العقار بسعر 900 ألف دينار، ومعنى ذلك أن دخل أي طرف، حتى لو كان مزايداً واحداً، فلن يستطيع أن يبدأ مزاده بسعر أدنى من هذا السعر الذي حدد في الإعلان.. وأيضا معنى ذلك أن سعر المتر في هذا العقار لا يقل عن 1361 دينارا للمتر المربع.. وبتحويل هذا المبلغ إلى الدولار الأميركي، فيعني ذلك أن العقار الذي ستتم المزايدة عليه يبدأ بثلاثة ملايين ومائة وثمانين ألف دولا! والعقار يقع في منطقة السرة، التي تعاني الاختناق المروري الداخلي والشوارع الهابطة، وليس في منطقة بفرلي هيلز الأميركية!

معطيات سلبية

هذا الإعلان الخاص ببيع أحد العقارات في المزاد العلني بهذا السعر الخيالي ليس بالأمر الشاذ في ضوء تصاعد أسعار الأراضي والعقار في السنوات الأخيرة، إذا ما علمنا أن هناك أراضي خالية تباع بأسعار خيالية أيضا، ففي منطقة الصديق في جنوب السرة عرضت أرض فضاء للبيع وعلى شارع واحد بسعر 1100 دينار للمتر، ومساحة الأرض 440 متر مربع، وهذا يعني أن القيمة الإجمالية للأرض الفضاء تلك تبلغ 484 ألف دينار، أي ما يقارب النصف مليون دينار.. هذه المعطيات من شأنها زيادة المشكلة السكنية بصورة كبيرة جداً، لتتحوَّل من مشكلة إلى معضلة، هناك صعوبة في حلها بالطرق الاعتيادية، في ضوء تزايد الطلبات للرعاية السكنية من سنة لأخرى.. وإذا كانت في السابق ومنذ سنوات سابقة الأراضي المعروضة متاحة لعدد كبير من المواطنين، إلا أنه في ظل زيادة الأسعار من واقع شح الأراضي والمضاربة بها، فقد أدى ذلك إلى تقلص الأعداد القادرة على الشراء، بحيث اقتصرت على فئة محدودة.

وهذا يعني في الحقيقة، وبالتبعية، أن بنك التسليف والادخار سيضمحل دوره بتقديم القروض الإسكانية الخاصة بالبناء بعد تدني الأعداد القادرة على شراء أرض فضاء.. وهذا يعني أيضاً أن اقتراح مجلس الأمة الأخير بزيادة القرض الإسكاني ورفعه إلى مائة ألف دينار، بدلا من 70 ألفا، ويخصص كدعم للمواد الانشائية، لن يكون له أثر فعلي على معالجة الوضع.. فهذا الاقتراح في الحقيقة كأنه لمن يريد معالجة شخص يعاني الكسور والإصابات بضمادة لاصقة! فالموضوع أكبر بكثير من زيادة القرض الإسكاني الذي لن يأتي بمفعول عملي، في ظل زيادة قيمة الأراضي الفضاء أو المنازل المتاحة للبيع بصورة شبه خيالية، وليس هذا من قبيل الأقاويل، بل من واقع حتى الإعلانات التي تنشر في الجريدة الرسمية وتبين بوضوح المغالاة غير الطبيعية في ارتفاع أسعار العقار.

واقع الأرقام

ولوضع هذه المشكلة في محيط الأرقام، ونسميها مشكلة إسكانية، فهي كما ذكرنا معضلة قد يصعب حلها بصورة جذرية، يقول البعض تجاه هذا الموضوع إن عدد الطلبات المقدمة للرعاية السكنية قد تعدى المائة ألف، وقد يصل إلى 105 آلاف طلب، باختلاف أنواع الطلبات.

المعطى الرقمي الآخر أن عدد المقدمين سنويا يتراوح ما بين 7 و9 آلاف طلب تتم إضافتها إلى الطلبات التي تنتظر دورها منذ سنوات. المعطى الرقمي الثالث أن عدد المنازل السكنية في الوقت الحالي على امتداد الضواحي السكنية في الكويت وصل إلى 119 ألف منزل، و12 ألف عمارة سكنية، وبالطبع هذه الأعداد لا تخص الكويتيين فقط، بل لمجمل السكان من كويتيين ومقيمين الذين بلغ عددهم 3.800.000 نسمة.

المعطى الرقمي الرابع، أن ما تم بناؤه لأصحاب طلبات الرعاية السكنية منذ التأسيس وحتى وقتنا الحاضر بلغ ما يراوح الـ 50 ألف وحدة سكنية، تم تنفيذها في إطار الرعاية السكنية. المعطى الرقمي الخامس، أن تكلفة البنية التحتية لـ 30 ألف وحدة سكنية من كهرباء وماء ومجاري أمطار وشوارع ومناهيل.. وغيرها من مستلزمات البنية التحتية للمناطق السكنية، تبلغ ما يقارب 4 مليارات دينار!

هذه هي المعطيات الرقمية ذات العلاقة بموضوع السكن، ولو عدنا للإحصائيات الصادرة عن دائرة الإحصاء المركزية، وبموجب إحصاء عام 2011، تبين الأرقام أن هناك 12403 ألف فيلا سكنية و22394 بيتا عربيا و15265 عمارة سكنية.. وهذه الأرقام مقاربة بقدر ما للمعلومات التي ذكرناها، وهي صادرة من جهة رسمية تحدد بموجبها حصر الأماكن السكنية في الكويت لكافة السكان.

وأمام تلك الأرقام تزداد المشكلة، لتتحوَّل معها إلى معضلة قد يصعب حلها، ولكن المطلوب في الحقيقة التخفيف من حدتها، وعدم تناميها مع مرور الوقت.. هي ليست أزمة تأخذ وقتها ليتم تجاوزها والعبور منها ومعالجتها، بل مشكلة متزايدة الأعداد والجهات التي ستتأثر بها.. وهنا سياسة كويتية ترتكز على عدم حسم المشاكل أو القضايا عند بروزها، إذ تذهب بين تعطيل وسوء إدارة وعدم اكتراث لتزداد حدتها، ونغدو عاجزين أمام تفاقمها… وما أكثر مثل تلك القضايا، كمعالجة مشكلة البدون وزيادتها العددية، أو مشكلة القبول الجامعي وتأخر المشاريع المتعلقة بها، على الرغم من توافر كافة البيانات والإحصائيات المتاحة للقيام بعملية بناء مستقبلي واضح يعالج أي مستلزمات، سواء سكنية أو صحية أو تعليمية.. وغيرها من مستلزمات الحياة.

تجربة فاشلة

وأمام هذا الوضع لا يوجد حل فريد واحد، بل جملة من الحلول، وقد طرح البعض التوجه نحو البناء الأفقي، عن طريق عمل عمارات سكنية تلبية للطلبات الإسكانية.. وهذه الفكرة ليست وليدة هذا الزمن، بل جربت منذ عشرات السنين بتجربة مجمع الصوابر، وتم توزيع الشقق السكنية لطالبيها، إلا أن التجربة لم تنجح، وفي النهاية، وعلى الرغم من المبالغ المليونية التي صرفت على المبنى، فقد أدَّى الأمر إلى إنهاء تجربة مجمع الصوابر في مدينة الكويت، ودفع التعويضات لقاطني هذا المجمع، بعد تدهور حالة بنائه وسوء استخدام السكن وتدني مستوى الخدمات فيه، وبالتالي إن كانت هناك فكرة ما بإعادة بناء المجمعات السكنية الرأسية، يفترض أن تخضع للدراسة من الناحيتين الهندسية والجمالية، وأن يكون هناك اعداد من طالبي السكن لاقتناء هذه المباني، وإجراء آخر يفترض أن يتم العمل به، وهو متعلق بخفض مساحة القسائم السكنية من ناحية توزيع مساحات الأراضي.. ففي السابق كان بنك التسليف يوزع أراضي سكنية إضافة للقرض الإسكاني، وتبلغ مساحة القسائم السكنية 750 مترا مربعا، وهي مساحة مبالغ فيها وغير مبنية على احتياجات فعلية، هكذا كان توزيع المساحات في نهاية الستينات ومنتصف السبعينات، من دون وضع أي اعتبار للاحتياجات المستقبلية من زيادة السكان والطلبات.. والمفترض في الوقت الحالي ألا تزيد مساحة القسائم السكنية على 300 متر مربع، بواقع 15 × 20 مترا طولا وعرضا، على أن يؤخذ بعين الاعتبار الجانب الجمالي في الموضوع، وألا يكون توزيع القسائم كعلبة السردين، من دون مراعاة المحيط الإجمالي للمنطقة عامة.

نظرة مستقبلية

وهناك جانب آخر من الموضوع متعلق بأن تسمح بلدية الكويت بزيادة نسبة البناء في المساكن الخاصة، لتكون قابلة على أن توزع على شكل شقق لأبناء صاحب الفيلا، ليسكن أبناؤه مستقبلاً، وعلى المتقدم بزيادة مساحة البناء تقديم البطاقات المدنية للأولاد، لإثبات حاجته لطلب زيادة نسبة البناء مع منحه زيادة في القرض الإسكاني، جراء زيادة البناء وتحمله كلفة سكنية مستقبلية لأبنائه في المستقبل.. هو نوع من المباني الأفقية التي يتم التفكير بها، ولكن اختلافها أنها تنحصر في أفراد الأسرة الواحدة لتلبية الحاجات الحالية والمستقبلية لهم عندما يكبرون ويحتاجون لرعاية سكنية.
القضية السكنية لا تحتمل حلاً واحداً، نظرا لصعوبتها، جراء تراخي الدولة عموماً في السياسية الإسكانية، والمعالجات المؤقتة يجب ألا توهمنا بأن هذا حلا لها، كزيادة بدل الدعم، ما لم تخضع المشكلة للدراسة من عدة جهات، على أن تكون تحت إدارة مهندسين أكفاء ومؤتمنين في عملهم لابتكار أفكار قابلة للتنفيذ، وليس أفكاراً قائمة على الوهم، أو أن يكون تنفيذها خارج نطاق الإمكانات المتاحة غير القابلة للتنفيذ، على أن يتم البناء بموجب نظرة مستقبلية، حتى لا يتم العودة للمربع الأول من جديد، بزيادة الطلبات مرة أخرى.. وهكذا. الإحصائيات والبيانات السكانية متوافرة لدى الجهات المعنية، بموجب معطيات البطاقة المدنية، وغيرها من الإحصائيات الأخرى، وضمن هذا الإطار تتم مواجهة المشكلة، وليس بالحبوب المخدرة، بتصوير الأمر كأنه العلاج الوحيد لمعالجتها.

زيادة الإيجارات

وتبقى كلمة أخيرة، فإنه في ظل هذه الأوضاع وارتفاع أسعار القطاع السكني، فقد برزت مشكلة أو أزمة تحتاج إلى حل سريع، وهي زيادات قيمة الإيجارات بصورة متصاعدة على المواطنين الذين يقطنون بالإيجار.. وأمامهم خياران.. إما الرضوخ للزيادة، أو فتح ملفات إيداع لدى الدوائر القضائية في حالة رفض الزيادة، وما قد يجر ذلك من مشاكل لدى شريحة كبيرة من الشباب لا تود ولا ترغب أن تسلك هذا المسلك بالذهاب للدوائر القضائية لفتح ملف إيداع الإيجار، ولا سيما بعد أن سمع مُلاك العقارات عن خبر زيادة بدل الإيجار الذي لم يقر بعد، واستعدوا لتجهيز «الدواء قبل الفلعة»، وطلب زيادة من المستئجرين، حتى قبل إقرار الزيادة في مجلس الأمة.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *