الرئيسية » عربي ودولي » خطة كيري وقطار المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية

خطة كيري وقطار المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية

وزير الخارجية الأمريكي جون كيري
وزير الخارجية الأمريكي جون كيري

ترجمة: ظافر قطمة
تناولت صحيفة نيويورك تايمز تطورات الوضع الراهن في النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي، والتوقعات المحتملة له في المستقبل القريب.

وقالت في تحليل بقلم المعلق توماس فريدمان إنه من الواضح تماماً الآن أن وزير الخارجية الأميركي جون كيري سوف يكون إما المنقذ الدبلوماسي لإسرائيل، أو الدبلوماسي الأشد تعصباً الذي واجهته تل أبيب، ولكن لم يعد هناك الكثير من المساحة بين النظرتين في الوقت الراهن، وهذه واحدة من اللحظات النادرة في السياسة الخارجية التي تتسم بمنظور «الدفع مقابل المشاهدة»، والتي لا نشهدها كل يوم.

الشيء الذي يحاول كيري بشكل أساسي أن يختبره هو سؤال أراد كل فرد تفاديه: هل الوضع بين الفلسطينيين والإسرائيليين هو عند الدقائق الخمس قبل منتصف الليل أو بعد خمس دقائق من منتصف الليل، أو حتى عند الساعة الواحدة صباحاً (ما وراء الدبلوماسية)؟

أي هل أصبحت إسرائيل أكثر قوة من جاراتها إلى درجة غدت معها المفاوضات المتماثلة مستحيلة، وخاصة عندما يبدو أن الفلسطينيين غير راغبين أو غير قادرين على القيام بانتفاضة أخرى قد ترغم إسرائيل على الانسحاب؟ وهل أصبح جوار إسرائيل غير مستقر تماماً إلى الحد الذي يجعل أي انسحاب إسرائيلي من أي منطقة مسألة لا يمكن التفكير فيها؟ وهل أصبح عدد اليهود الإسرائيليين الذين يعيشون الآن في القدس الشرقية والضفة الغربية أكبر كثيراً – أكثر من 540000 نسمة – بحيث يستحيل نقلهم؟ وهل أصبح الحديث الفلسطيني عن حق العودة مجسداً بعمق شديد في السياسات الفلسطينية؟ وعندما تجمع هذه العوامل كلها بعضها مع البعض الآخر يصبح من الخيال توقع تمتع أي زعيم إسرائيلي أو فلسطيني بالقوة اللازمة، من أجل تقديم التنازلات الضرورية لتحقيق حل الدولتين.

إطار عمل أميركي

ترك الرئيس أوباما لكيري فرصة اختبار ذلك كله، وقد فعل كيري ذلك بجهد شديد ومن دون كلل – نسيت عدد زياراته إلى تل أبيب – ولكن قام بذلك بطريقة معقدة للغاية، وبعد أن ترك الجانبين في صراع عقيم لستة أشهر يخطط الآن لطرح إطار عمل أميركي يرسم ما تعده واشنطن التنازلات الجوهرية التي يتعيَّن على الإسرائيليين والفلسطينيين تقديمها، من أجل التوصل إلى اتفاق عادل ودائم.
ومن المتوقع أن تدعو «خطة كيري» التي يحتمل أن تعلن عما قريب، إلى نهاية للنزاع، ولكل المطالب في أعقاب انسحاب إسرائيلي مرحلي من الضفة الغربية (على أساس حدود عام 1967) مع ترتيبات أمنية غير مسبوقة في وادي الأردن الاستراتيجي، ولن يشمل الانسحاب الإسرائيلي كتلاً استيطانية معينة، ولكن إسرائيل سوف تعوض الفلسطينيين عنها بأرض إسرائيلية، وسوف تدعو هذه الخطة إلى حصول الفلسطينيين على عاصمة في القدس الشرقية العربية وإلى اعترافهم بإسرائيل دولة للشعب اليهودي، ولن تشمل أي حق للعودة للاجئين الفلسطينيين إلى داخل إسرائيل.

يتوقع كيري ويأمل أن يعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الفلسطيني محمود عباس أنهما على الرغم من تحفظاتهما على واحد أو أكثر من عناصر إطار العمل الأميركي، فإنهما سوف يستخدمانه على شكل أساس لمزيد من المفاوضات في المستقبل.

هنا سوف تصبح الأمور مثيرة للاهتمام، والمسؤولون الأميركيون والإسرائيليون الذين هم على اتصال وثيق مع نتنياهو يصفونه مثل شخص ممزق يفهم بشكل واضح ضرورة التوصل إلى نوع ما من حل الدولتين، من أجل سلامة إسرائيل كدولة يهودية ديمقراطية، مع إقامة علاقات صحية مع أوروبا والغرب تعد حيوية بالنسبة إلى الاقتصاد الإسرائيلي، ولكنه يظل مشككاً بصورة عميقة إزاء النوايا الفلسطينية – أو كما قال في تل أبيب يوم الثلاثاء «لا أريد قيام دولة ثنائية القومية، ولكن نحن لا نريد أيضاً دولة أخرى سوف تبدأ بمهاجمتنا»، ولا تريد قاعدته السياسية، التي عمل على تعضيدها، أن يقوم نتنياهو بعملية التفاف.

لذلك السبب – وعلى الرغم من أن نتنياهو شرع بإعداد الأرضية في تل أبيب للخطة الأميركية – فإن متابعته على أسسها، حتى مع تحفظات، قد يفضي على الأرجح إلى انهيار ائتلافه، وسوف يفقد شريحة رئيسة من حزبه (الليكود)، وكل حلفائه في جناح اليمين.. وباختصار، إذا أراد نتنياهو التقدُّم إلى الأمام، فسوف يتعيَّن عليه بناء قاعدة سياسية جديدة حول أحزاب الوسط، ومن أجل القيام بذلك، سوف يتعيَّن عليه أن يصبح، إلى درجة ما، قائداً جديداً يتغلب على تناقضه الفطري إزاء أي اتفاق مع الفلسطينيين، ليصبح أكثر مروج في إسرائيل لحل الدولتين.. وإلا، فإن ذلك لن يتحقق مطلقاً.

القطار الأخير

ويقول جيدي غرينستن، وهو رئيس معهد «روت» الإسرائيلي للدراسات الاستراتيجية «ما من شيء في السياسة أكثر خطورة من الاستدارة على شكل حرف يو أو أكثر تحدياً إزاء تحقيق نجاح فيها، ويتطلب ذلك انفصالاً تدريجياً عن أشد المؤيدين الذين يتحولون بشكل بطيء إلى أعداء أشداء، فيما يشكل ائتلافاً جديداً من المؤيدين من الخصوم السابقين، وفي رقصة تتسم بالحذر وتنطوي على خطوتين إلى الأمام وخطوة إلى الوراء يتعيَّن على قادة التحول التام نقل مركز الثقل السياسي لديهم من القاعدة السابقة إلى منصة المستقبل».

إذا تمكن الفلسطينيون والإسرائيليون من العثور على طريقة للمضي قدماً بخطة كيري لا يزال كل شيء ممكناً. ويصعب التحدث عن نجاح مضمون، ولكن ذلك يثبت أننا لم نصل بعد إلى منتصف الليل، ولكن إذا لم يتفق أحد، أو كلا الطرفين، فسوف يتعيَّن على كيري أخذ مهمته إلى الاستنتاج المنطقي المتعصب، وأن يعلن نهاية حل الدولتين المتفاوض عليه (وإلا، فإنه سوف يفقد صدقيته).

إذن، وعندما يحدث ذلك، فإن إسرائيل التي تسيطر على الأرض سوف تضطر إما إلى القيام بانسحاب أحادي الجانب والعيش مع مضاعفات عزلة دولية مزعجة من خلال احتلالها الدائم للضفة الغربية، أو تصميم إطار عمل جديد لدولة واحدة لشعبين.

هذا هو وضعنا الآن: يتعيَّن على الفلسطينيين والإسرائيليين أن يفهموا أن مهمة كيري هي القطار الأخير نحو حل دولتين متفاوض عليه، والقطار التالي سوف يدهسهم.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *