الرئيسية » الأولى » عبد الله النيباري : مصر.. مرحلة الشرعية الدستورية بإرادة الشعب

عبد الله النيباري : مصر.. مرحلة الشرعية الدستورية بإرادة الشعب

عبد الله النيباري
عبد الله النيباري

العنوان مقتبس من كلام يونس مخيون، رئيس حزب النور، في مقابلة مع جريدة الشرق الأوسط وجريدة الشروق.

ما جاء في مقالي المنشور في عدد الأسبوع الماضي من «الطليعة» (22/1/2014) أثار ردود أفعال، بعضها متشنجة، وشابها التهجم والبذاء، والبعض الآخر يصنف على أنه هجوم من خصوم سياسيين.. وهذا ينطبق على ما جاء في مقالة مبارك الدويلة (القبس 26/1/2014) وتغريدات د.حمد المطر ومحمد الدلال، وهم قياديون في حركة حدس (الإخوان المسلمين في الكويت) تركز على الاتهام بانكشاف في مواقفنا، التي كانت يسارية وثورية، وإذ بها أصبحت علمانية، مطالبة بإقصاء الآخر، وصارت مخملية تؤيد الانقلابات العسكرية.

والأستاذ مبارك الدويلة يقول: «كيف يقبل ممثل اليسار امتداح السيسي والاستفتاء الذي سبقته إجراءات قمعية كانت مستنكرة من اليسار العربي؟ فهل الدافع التشفي من الخصوم السياسيين؟، ألا يعد ذلك سقوطاً للفكر الليبرالي الذي تراجع كثيرا عن القيم التي تبناها سابقا، لكنه لن يكون السقوط الأخير؟».

مع الأسف الشديد، فإن هذه الردود الانفعالية ينطبق عليها الوصف «بأنك إذا خالفتني بالرأي والموقف، فأنت مرتد عن مواقف تدعيها، أو أنها ادعاءات زائفة، أو أنك تخليت عنها».

وردي على ما ورد أعلاه كالتالي:

ـ ما طرحته رأي يتفق مع رأي أغلب القوى الديمقراطية واليسارية والثورية في مصر وكبار الكُتاب المصريين، بل وحتى بعض جماعات الإسلام السياسي، وعلى الأخص حزب النور.
ـ لم أمتدح السيسي، كما أشار الأستاذ مبارك الدويلة، وما ذكرته، أنه يحظى بشعبية كبيرة في ما لو ترشح للرئاسة، أما الحكم عليه، فسيأتي بناءً على برنامجه، وممارسته إذا أصبح رئيسا.

ـ وبالنسبة للاستفتاء، نعم أعتقد بأنه أسس لشرعية جديدة. صحيح أن الأجواء الإعلامية في ظروف الاستقطاب السياسي كانت لمصلحة إقرار الدستور، لكن الاقتراع جرى في أجواء شفافة ونزيهة.. ومن خلال متابعتي لوسائل الإعلام العربية والأجنبية، لم تذكر أي منها ممارسات تجرح نزاهة وشفافية الاستفتاء، وأن المشاركة في الاقتراع والموافقة على دستور 2013 تفوق عدد المقترعين والموافقين على دستور الإخوان 2012، عدداً ونسبةً، فمن أصل إجمالي الناخبين من يحق لهم الانتخاب، وأكرر كان عدد المشاركين في استفتاء دستور الإخوان 17 مليوناً بنسبة 32.6 في المائة، ومن صوَّت بـ«نعم» 10 ملايين، بنسبة 65 في المائة من الحضور.
والاستفتاء الأخير بلغ فيه عدد المشاركين 20 مليوناً، بنسبة 38.6 في المائة من مجموع الناخبين، وصوَّت بـ«نعم» 19.6 مليونا، بنسبة 98 في المائة، ولم يذكر أحد، لا في وسائل الإعلام العربية أو الأجنبية، ما يشكك في صحة هذه الأرقام.
ورئيس حزب النور، يونس مخيون، قال في مقابلة مع جريدة الشروق وجريدة الشرق الأوسط: «إن عدد من خرجوا للاستفتاء على الدستور هذه المرة يفوق عدد من خرج في جميع استحقاقات الاقتراع التي جرت بعد 25 يناير».

ـ لا أحد يقول إن ما يجري في مصر الآن ديمقراطية كاملة، فما تمر به مصر هي مرحلة الانتقال للديمقراطية، وهي مرحلة مخاض عسير.

وبالتأكيد، إن الاقتراعات التي جرت منذ 25 يناير 2011 شابتها سلبيات، نتيجة الأوضاع القائمة في مصر، وأستشهد برأي الكاتب فهمي هويدي، وهو مدافع عن الإخوان وناقد بشدة للنظام الحالي، الذي قال في مقال بعنوان «ملفات الأزمة تتحدى الجميع» (الشروق 31/1/2014): «التاريخ لم يعرف ثورة قامت في بلد ثم تمكنت واستقام لها الأمر خلال سنتين أو ثلاث، وفي بلد بأهمية مصر ومحوريتها، فإن طريقها إلى الاستقرار لابد أن تكتنفه مصاعب وعثرات جمة، يستغرق التغلب عليها وقتا أطول».

هذا لا يعني المباركة أو الموافقة على أي ممارسات سلبية من النظام الحالي، ولكن المسألة تعني التمييز بين الانتقاد، أو تصعيد الأمر إلى حرب استنزاف.

استخدام العنف وسقوط القتلى وتقييد الحريات بالاعتقالات والتشدد في التطبيق على حق التظاهر.. أمور غير مقبولة ومستنكرة من القوى الديمقراطية واليسارية والثورية في مصر، لكنهم لم يحولوها إلى حرب لإسقاط النظام وإعادة العجلة إلى ما قبل 30 يونيو 2014، كما أن استخدام السلطة للقوة المبالغ فيها في فض التظاهرات، وسقوط قتلى وجرحى، أمر مؤسف ومرفوض، ولكن هل يجوز إعفاء جماعة الإخوان من تحملهم نصيب ما آلت إليه الأوضاع، يقول فهمي هويدي «إن السلطة في أزمة، وأن المجتمع المصري في مجمله يعاني الأزمة، وإن جماعة الإخوان تعاني بدورها الأزمة.. وإن حالة الرفض الشعبي لحركة الإخوان ساهم فيه الإعلام، وساهمت فيه الأخطاء التي وقعت فيها جماعة الإخوان أثناء تولي د.مرسي للسلطة». (نفس المصدر)

جماعة الإخوان بعد سيطرتها على البرلمان، وتولي مرسي رئاسة الجمهورية، مارست أقصى درجات الإقصاء لكل القوى والأطياف التي تحمَّلت أعباء ثورة 25 يناير 2011، ونزوعها إلى الهيمنة والاستحواذ على مفاصل الدولة ما سمي بـ «الأخونة».. وللتذكير، فهم قالوا إنهم لن يترشحوا للرئاسة ثم فعلوا، وبعد أن فازوا بالرئاسة بأصوات الليبراليين واليساريين والثوريين، الذين أعطوا نصف الأصوات التي فاز بها مرسي ضد شفيق، تغلبت لديهم نزعة الهيمنة، فأصدروا الإعلانات الدستورية، لتحصين قراراتهم في مواجهة القضاء، وكانوا متجهين للهيمنة على القضاء والإعلام الحكومي ومناصب المسؤولين في الحكم المحلي، بل حتى الأئمة والدعاة كان هناك توجس من سيطرتهم على الأزهر، والأهم على الجيش، الذي بدأ بتنحية المشير حسين طنطاوي وسامي عنان، وكان من آثار هذه السياسة الإقصائية لكل الأطراف الأخرى تخويف الناس، ما أدَّى إلى اتساع الرفض الشعبي، الذي أشار له فهمي هويدي.

يقول رئيس حزب النور يونس مخيون: «الإخوان كانوا يريدون منا السير في ركابهم وتحت عباءتهم، ولما أخذنا مواقف مستقلة شنوا هجوما علينا».. هذا كلام حليف الإخوان.

هذه الأخطاء التي ارتكبتها جماعة الإخوان هي التي أدَّت إلى اتساع الاستقطاب الذي فجر حركة «تمرد» والتجاوب الشعبي الواسع في انتفاضة 30 يونيو 2013 التصحيحية التي كانت مطالبها العودة للصندوق، وإجراء انتخابات لرئاسة الجمهورية، وهذا ما اقترحه يونس مخيون على جماعة الإخوان، لكنهم رفضوا، كما فعلوا مع كل الوساطات التي قام بها الأميركان وممثلو الاتحاد الأوروبي، وحتى بعد إعلان عزل مرسي، استمر الإخوان في تعنتهم وإصرارهم على عودة ما سموه «الشرعية»، ورفضوا كل المناشدات لإجراء مراجعة لمواقفهم، لكنهم أصروا على إعادة العجلة لعهد سابق، وهو من المستحيلات.

ويقول يونس مخيون: «بعد إعلان خارطة الطريق، بات على الجميع التعامل مع الواقع الجديد، ومشاركتنا كانت لعدم الاعتزال، وحتى لا يوضع التيار الإسلامي كله في سلة واحدة، ويجري إقصاؤنا جميعا بمباركة شعبية».

وأيضا منذ إعلان خارطة الطريق وفض تظاهرات رابعة العدوية، التي عطلت حياة سكان المناطق المجاورة وتظاهرات ميدان النهضة، طرحت مبادرات عديدة للتوافق رفضها الإخوان، بإصرارهم على عودة مرسي لكرسي الرئاسة، والكل كان يناشدهم بالتعامل مع الواقع.

ويقول يونس مخيون: «على الجميع التعامل مع الواقع الجديد، لأن التصويت على الاستفتاء كان تصويتا على خارطة الطريق بمجملها، ولا صحة للادعاء بوجود تزوير، وأن عملية الاستفتاء جرت بشفافية تامة وفق ما ورد من لجاننا لقواعدنا في جميع المناطق».

وفهمي هويدي يقول: «إن الاحتجاجات التي يمارسها شباب الإخوان تبدو بغير أفق واضح، واستمرار التظاهرات لا يبدو له هدف واضح، سوى أنه تعبير عن رفع صوت الغضب، وحتى شعارات العودة إلى الشرعية جعلت المتظاهرين يتعلقون بمرحلة تجاوزها الواقع».

إذن، إصرار جماعة الإخوان وتعنتهم – مثل تصرفهم عندما تسلموا الحكم، وتخويف جميع أطياف المجتمع – سبب رئيس في ما آلت إليه الأوضاع.

ويقول مخيون: «لو أن الإخوان استمعوا لنصائحنا، لما وصلنا إلى ما وصلنا اليه الآن».

قصدت الإطالة في الاقتباس من شخصيتين لا يمكن الطعن في مواقفهما، وتفسيره بدافع الخصومة للتيارات الإسلامية.

أما ما يُقال عن الاعتراضات على تحصين الجيش، فالقراءة للدستور الأخير ودستور الإخوان هي النصوص نفسها، فكلتا الوثيقتين تؤكد أن وزير الدفاع يكون من ضباط الجيش، وهذا ما فعله مرسي، فقد عيَّن أولا المشير حسين طنطاوي، ثم عبدالفتاح السيسي.

الإضافة في الدستور الجديد، فهي موافقة مجلس القوات المسلحة تعيين وزير الدفاع لمدة فترتين رئاسيتين، أي 8 سنوات.. أما بالنسبة لمحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، فهي موجودة بنفس النص في دستور الإخوان والدستور الجديد.. وبالنسبة للقيود على التظاهرات، باشتراط تبليغ السلطة، فهي محددة بالفترة الانتقالية فقط، التي تنتهي في غضون شهور، والدستور الجديد أكد حق الإضرابات والتظاهرات.

مصر الآن مقدمة على استكمال مرحلة الانتقال بانتخابات رئاسة الجمهورية، ثم انتخابات مجلس الشعب.

رغبة جماهير الشعب المصري هي الأولى بالاعتبار، وهي الآن تريد الاستقرار والأمن، لتمكين الدولة من العمل لتلبية مطالب الجماهير، ومخطط جماعة الإخوان بتعطيل الدولة بالتفجيرات والهجوم على الجماعات يتصادم مع مطالب الشعب المصري.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *