الرئيسية » قضايا وآراء » محمد جاد : «روكا»

محمد جاد : «روكا»

محمد جاد
محمد جاد

لم تكن حالة «روكا» هي الوحيدة بين رفاقها، فقد سبقها الكثيرون إلى فعلتها، من دون ندم، وسيلحق بها كثيرون أيضاً. رغم انشغال العديد بالخبر، فإن السخرية كان لها النصيب الأكبر، فالكثير من مملكة أخرى غير مملكتها يفعلون فعلتها كل لحظة. كما حاول البعض أن يجعل من المسألة مشكلة اجتماعية وإنسانية أصابت الضمير في مقتل. فما هو السبب الذي جعل «روكا» تقدم على فعلتها؟ ربما سوء المعاملة، وخاصة أن «روكا» تتميَّز بروح مرهفة، وقد يكون عدم الاهتمام ونسيانها في مكانها الظليل. فدائماً ما تقف بجوار هذه الشجرة العجوز، تتطلع إلى أفق غير منظور، تحني رقبتها قليلاً، لتقابل زوارها باحترام موروث من أسلافها، رغم أنها غير مُلزمة بهذه الإيماءة التي تلازمها، إلا أن رقّتها تفرض عليها ما تقوم به تجاههم.

قيل إن الزوار تمادوا في سخفهم، ولم يردوا تحيتها بأفضل منها، أو حتى بمثلها.

لم تتخذ «روكا» قرارها لقِلة طعام أو شراب، بل للسخف الذي تُقابَل به من زوار اعتادتهم، رغم تغيّر أشكالهم وأعمارهم على الدوام.

كانت تعلم أن الأطفال هم الأصدقاء الطيبون، التي تعلو الابتسامة وجوههم حينما يُطالعونها، فتومئ لهم برحمة، حتى لا يتهيبوا تكوينها العملاق، الذي يتنافى وروحها الأكثر طفولة منهم. إلا أن الأجلاف أصبحوا هم جمهورها الوحيد، حتى أن الأطفال أصبحوا يسخرون من مظهرها.. جسد ضخم كآلة عملاقة، وعنق طويل يُضاهي بناية شاهقة. فانكسفت «روكا» من مظهرها، الذي أصبح يثير السخرية أكثر مما كان يثير السعادة في قلوب أصدقاء روحها، كانت تتحمل سخف الآباء في سبيل ضحكات وفرحة الأطفال. فاختارت وفعلت، غير نادمة، لتظل ذكرى مؤلمة في نفوس مخاليق الله الثقيلة أرواحهم، الذين لا يستحقون منحة رؤيتها. «روكا» زرافة اختارت الانتحار منذ عدة أيام بحديقة الحيوان بالجيزة.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *